من غرفة العمليات إلى العالم: حكاية ولادة تُعدّ من الأندر طبيًا

لمحة نيوز

في مايو 2021 تطلع العالم نحو المغرب.
فجأة اتجهت الأنظار إلى المغرب ليس بسبب حدث سياسي ولا كارثة ولا حتى مباراة نهائية.
كانت هناك قصة بدأت في هدوء تام داخل مستشفى.
قصة إنسانية لكن بحجم معجزة.
في أحد مستشفيات الدار البيضاء المدينة المعروفة بإيقاعها الصاخب خيم صمت غير مألوف على جناح العمليات. صمت ثقيل متوتر. كأن المكان بأكمله يحبس أنفاسه. تحرك الأطباء بسرعة لكن بتركيز بالغ. ممرضات يجهزن الأجهزة بدقة. حاضنات مصطفة في انتظام كأنها تستعد لاستقبال ضيوف غير عاديين.
الاسم على الملف حليمة سيسي.
العمر 25 عاما.
الجنسية من مالي.
لم تكن حليمة حالة طبية عادية.
كان الملف واضحا منذ البداية حمل استثنائي. ومنذ المتابعة الأولى أدرك الأطباء أنهم أمام وضع خارج المألوف. أشارت الموجات فوق الصوتية الأولية إلى سبعة أطفال.
سبعة.
رقم في حد ذاته كفيل بإعلان حالة طوارئ هادئة داخل أي فريق طبي. تجهيزات خاصة. متابعة دقيقة. حسابات محسوبة بالمليمتر. فكل طفل إضافي في حمل متعدد يعني مخاطر أعلى وتعقيدات أكبر وسيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات.
لكن المفاجآت الحقيقية نادرا ما تعلن عن نفسها مبكرا.
لم يكن الحمل نتيجة علاج خصوبة أو تدخل طبي معقد. لقد جاء طبيعيا. وكانت تلك أولى علامات الدهشة. فالطب اعتاد أن يرى أرقاما كهذه بعد تقنيات مساعدة أما هنا فبدت الطبيعة وحدها وكأنها تكتب القصة وحدها.
ومع تقدم الحمل تصاعد التوتر.
كان كل أسبوع يمر مكسبا وكل يوم إضافي نعمة. كان الأطباء يدركون أن بلوغ الأسبوع الثلاثين تقريبا يعد إنجازا في حالة كهذه حيث تكون الأجنة صغيرة وضعيفة وأي ولادة مبكرة جدا قد تغير كل شيء.
وعندما بلغ

الحمل نحو 30 أسبوعا اتخذ القرار.
عملية قيصرية. قرار ضروري. لا وقت للانتظار.
داخل غرفة العمليات كان التوتر من نوع خاص. ليس صاخبا بل ثقيلا خانقا. وقف الفريق الطبي في مواقعهم. الأجهزة جاهزة. الحاضنات مصطفة. كل شيء محسوب 
الجميع في حالة تركيز كامل.
بدأ التدخل.
ثوان تمر ببطء.
خرج الطفل الأول. صغير لكنه حي. ثم الثاني. ثم الثالث.
كان العد يسير كما هو متوقع.
الرابع.
الخامس.
السادس.
أنفاس محبوسة.
قلوب متسارعة.
السابع.
مرت في الغرفة لحظة ارتياح قصيرة.
سبعة. كل شيء يسير وفق التوقعات.
لكن فجأة
انتظروا  
صدر صوت بهدوء لكن شيئا غريبا كان يلوح في النبرة.
كان هناك مولود ثامن.
تبادلت النظرات بسرعة.
ازداد التركيز.
حاولت العقول استيعاب ما يحدث.
وبعد الثامن
كان هناك تاسع.
الصمت الذي خيم على الغرفة كان ثقيلا على نحو غير مألوف. لحظة قصيرة جدا لكنها بدت كافية لأن يتوقف الزمن. أعاد الطبيب العد. نظرت ممرضة إلى الأجهزة. همس أحدهم
كم عددهم
جاء الجواب بذهول واضح.
تسعة.
ليسوا سبعة.
تسعة.
خمس فتيات وأربعة فتيان.
أعاد الأطباء حساباتهم أكثر من مرة لا لأنهم لم يفهموا بل لأن العقل أحيانا يرفض التصديق. حمل طبيعي بتسعة توائم حدث نادر يكاد يلامس المستحيل.
لكن لم يكن هناك متسع للدهشة.
الواقع الطبي فرض نفسه بقوة.
كان وزن كل مولود يقارب كيلوغراما واحدا أو يزيد قليلا. أجسام شديدة الصغر. جلد رقيق. أنفاس هشة. حياة كاملة معلقة على تدخل سريع ودقيق.
الحاضنات التي جهزت لسبعة
أصبحت تستقبل تسعة.
تحرك الطاقم بسرعة مذهلة. نقل كل طفل بعناية. أجهزة تنفس مراقبة مستمرة تنظيم للحرارة وتغذية محسوبة بدقة. لم يكن هناك
مجال للخطأ ولا رفاهية التردد.
تحولت وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة إلى ساحة معركة صامتة.
صفير أجهزة.
شاشات تعرض النبضات.
أطباء يسجلون الملاحظات.
ممرضات يعدلن أنابيب دقيقة.
كان كل نفس يحسب.
وكانت كل نبضة قلب خبرا.
الأيام الأولى كانت الأصعب. فالأطفال بهذا الحجم قد يتأثرون بأي تغير طفيف انخفاض الأكسجين اضطراب الحرارة أو عدوى مفاجئة. أي تفصيلة صغيرة كان يمكن أن تتحول إلى أزمة.
لكن حدث شيء لافت.
واحدا تلو الآخر
بدأت حالاتهم تستقر.
ليس بسهولة. بل بثبات بطيء. 
كان كل يوم يمر من دون مضاعفات يعد انتصارا هادئا. وكل تحسن طفيف في التنفس كان لحظة ارتياح. عاش الفريق الطبي أسابيع كاملة على أعصابه لكن الأمل أخذ ينمو مع كل ساعة تمضي.
وخارج المستشفى
بدأ العالم يسمع.
انتشرت العناوين بسرعة
ولادة تسعة توائم
حدث طبي نادر
معجزة في المغرب
دار الخبر حول العالم. اندهش البعض وشكك آخرون وتابع كثيرون التفاصيل بشغف. أما داخل المستشفى فلم يكن هناك متسع للضجيج. كان التركيز منصبا على هدف واحد إنقاذ تسعة أرواح صغيرة هشة إلى حد بدت معه الحياة نفسها وكأنها تتحرك داخلهم بحذر.
وحليمة
كانت في قلب كل ذلك.
جسد منهك.
روح معلقة بتسعة أطفال.
قلب يتأرجح بين الخوف والدعاء.
مرت الأسابيع.
وكبر الأطفال
ببطء
لكن بثبات واضح.
بدأت الأجهزة تزال تدريجيا. تراجعت الحاجة إلى أنابيب التنفس. ازداد الاستقرار. أخذت الملامح الدقيقة تتشكل. ازدادت الحركة. وصارت الحياة أقوى من الهشاشة.
ثم جاء الإعلان الكبير.
اعترفت موسوعة غينيس للأرقام القياسية رسميا بالولادة بوصفها أكبر عدد من الأطفال الناجين في ولادة واحدة.
رقم قياسي عالمي.

لكن الحقيقة أن ما لامس القلوب لم يكن الرقم
بل المشهد.
تسعة أسرة صغيرة مصطفة.
تسعة أجساد بحجم الحلم.
تسعة صدور ترتفع وتهبط في هدوء.
تسعة أنفاس متزامنة.
لحظة أقرب إلى صورة لا تمحى من الذاكرة.
وأخيرا
حلت لحظة الخروج من المستشفى.
لم يكن مجرد خروج مرضى بل خروج قصة كاملة.
أم شابة تغادر ومعها تسعة أطفال. فريق طبي يودعهم بنظرات امتزج فيها الفخر بالتعب والارتياح. وعدسات الكاميرات تلتقط لحظة استثنائية. 
كان كل شيء يبدو وكأنه نهاية مثالية لكن الحياة نادرا ما تكتفي بفصل واحد. لم يكن التحدي الحقيقي هو الولادة ولا حتى النجاة في العناية المركزة بل ما كان ينتظرهم خارج أبواب المستشفى.
تسعة أطفال بتسع احتياجات وتسعة مصائر تبدأ في عالم لا يرحم. وحليمة وهي تحمل طفلها الأول توقفت لحظة طويلة كأنها تسأل سؤالا واحدا كيف ستبدأ هذه الحكاية حقا أما الإجابة فلم تكن قد جاءت بعد.
خارج المستشفى بدا العالم مختلفا تماما اختفى الهدوء المعقم وصوت الأجهزة المنتظم والوجوه الطبية الواثقة وحل محلها ضجيج الحياة الواقعية بما يحمله من أسئلة ومسؤوليات ثقيلة وتفاصيل يومية لا ترحم. 
خرجت حليمة سيسي لا بوصفها أما جديدة فحسب بل أما لتسعة أطفال دفعة واحدة. تسعة أسرة تحتاج إلى تجهيز وتسعة رضع يحتاجون إلى رعاية على مدار الساعة وتسعة جداول للأكل والنوم والبكاء والعلاج والمتابعة. 
كان الناس يرون الصورة الجميلة أم مبتسمة وأطفال صغار وقصة ملهمة لكن خلف تلك الصورة كان يقف واقع مرهق.
أول التحديات بدا بسيطا في شكله ضخما في معناه كيف يمكن لبيت أن يستقبل تسعة رضع مرة واحدة لم يكن الأمر يتعلق بسرير إضافي أو غرفة
زائدة بل بعالم صغير كامل يجب أن يبنى من الصفر. 
حفاضات بكميات هائلة وحليب بأرقام فلكية وملابس
تم نسخ الرابط