من غرفة العمليات إلى العالم: حكاية ولادة تُعدّ من الأندر طبيًا

لمحة نيوز

تستبدل سريعا لأنهم يكبرون كل أسبوع. تحولت كل تفصيلة إلى معادلة حسابية دقيقة.
ومع ذلك لم يتوقف الاهتمام الإعلامي. كاميرات مقابلات وصحفيون فقصة ولادة تسعة توائم لم تكن خبرا عابرا يمكن أن يمر مرور الكرام.
لكن للشهرة وجهين وجه لامع وآخر متعب. كانت كل زيارة صحفية تستنزف طاقة إضافية وكل صورة تقتطع لحظة من روتين شاق في الأساس وكل سؤال متكرر يفتح بابا جديدا للقلق. كيف تستطيعين
هل كنت تتوقعين ذلك
ما شعورك أسئلة تبدو بريئة غير أن الإجابة عنها في حضرة تسعة أطفال يبكون ليست أمرا هينا.
أصبح الليل مفهوما مختلفا فبعد أن كانت الليلة بلا نوم استثناء عابرا صار النوم نفسه رفاهية نادرة. 
يستيقظ طفل ثم ثان ثم ثالث وأحيانا يستيقظون جميعا. بكاء متداخل وأصوات صغيرة تتحول حين تجتمع إلى عاصفة. 
كانت حليمة تتحرك بين الأسرة كأنها تخوض ماراثونا بلا خط نهاية تهدئ هنا وتطعم هناك وتغير حفاضا لطفل ثالث بينما يبدأ الرابع بالبكاء.
لم يكن الإرهاق جسديا فحسب بل عصبيا ونفسيا وعاطفيا أيضا. ومع ذلك وبين الفوضى وجدت لحظات أشبه بالسحر نوم متزامن نادر ابتسامة مباغتة على وجه طفل صغير ويد دقيقة تمسك إصبعها. لحظات بالغة الصغر لكنها كانت كافية لإعادة شحن القلب.
وظل الأطباء جزءا أساسيا من الحكاية متابعة مستمرة وفحوصات
دورية ومراقبة دقيقة للنمو.
ولد الأطفال بأوزان منخفضة وهو ما عنى أن كل مرحلة من مراحل تطورهم يجب أن تراقب بعناية فائقة الوزن والمناعة والقدرة على الرضاعة والاستجابة الحركية. كان كل طفل حالة قائمة بذاتها حتى وهم تسعة.
ومع مرور الوقت بدأت الملامح الشخصية الصغيرة في الظهور. طفل هادئ بطبعه وآخر أكثر توترا واحدة تضحك بسهولة وأخرى تراقب بصمت. ظل التشابه الخارجي حاضرا لكن الفروق تكشفت سريعا نبرة البكاء طريقة النوم ردود الفعل تجاه الأصوات وحتى تعبيرات الوجوه. بدأت حليمة تحفظ أبناءها واحدا واحدا لا كأرقام متشابهة بل كأشخاص مستقلين.
وكان المحيطون بالأسرة جزءا أساسيا من معادلة النجاة العائلة والمساعدون والدعم المجتمعي. فالحقيقة القاسية أن أما واحدة مهما بلغت قوتها لا تستطيع حمل هذا العبء بمفردها. لم تكن الرعاية الجماعية ترفا بل ضرورة وكل يد إضافية كانت تصنع الفارق بين الانهيار والاستمرار.
أما المصروفات فكانت تحديا دائما ليس مجرد تكلفة مضاعفة بل تكلفة تتضاعف تسع مرات. حليب أدوية زيارات طبية واحتياجات يومية. حتى أبسط الأشياء تحولت إلى عبء مالي كبير مولدة ضغطا من نوع آخر ضغط لا يظهر في الصور لكنه حاضر في كل قرار. كل عملية شراء كانت محسوبة وكل نفقة لها وزن.
ومع ذلك كان الأطفال يكبرون. ببطء لكن بثبات.
غرامات قليلة تضاف إلى الميزان فتعد إنجازا ثم القدرة على الجلوس فالحبو فالوقوف. كانت كل مرحلة تستقبل بفرحة هائلة لأن الطريق من الحاضنة إلى الحركة الطبيعية لم يكن مضمونا منذ البداية.
واستمر العالم في المتابعة.
تحولت القصة من خبر صادم إلى حكاية مستمرة صور جديدة وتقارير واهتمام عالمي بحالة تعد من أندر ما سجل طبيا. ولم تكن موسوعة غينيس للأرقام القياسية مجرد ذكرى عابرة بل أصبحت جزءا من هوية الرواية. لقد منح الرقم القياسي الحدث بعدا تاريخيا لكنه لم يلغ ثقل التحديات اليومية.
حليمة نفسها تغيرت لا كأم فحسب بل كإنسانة. ظهرت قوة جديدة وقدرة على الاحتمال لم تكن تتخيلها وإدراك مختلف لمعنى الوقت والنوم والصبر والحب غير المشروط. لم تكن الأمومة هنا تجربة رومانسية بل اختبار بقاء.
في بعض الأيام كان الإرهاق يضرب بقسوة دموع مفاجئة توتر عصبي وإحساس بأن اليوم أطول مما ينبغي. وفي أيام أخرى كان الضحك يملأ البيت وتلتقط الصور العائلية وتسطع لحظات دفء نادرة. أصبح التذبذب جزءا طبيعيا من الحياة.
لم يعد الأطفال التسعة مجرد حدث نادر بل صاروا بيتا نابضا بالحياة أصوات وضحكات ومشاحنات صغيرة في الأفق وخطوات أولى تنتظر. كل واحد منهم عالم مستقل أخذ يتشكل بهدوء.
ومع مرور الشهور حدث التحول الأهم القصة التي بدأت كمعجزة طبية
غدت قصة إنسانية بامتياز. لم تعد عن الأرقام أو الندرة بل عن الروتين وعن الصبر وعن حب يتوزع على تسعة قلوب من دون أن ينقص.
يحب الناس كلمة معجزة لكن المعجزة الحقيقية لم تكن لحظة الولادة ولا النجاة في العناية المركزة بل كانت الاستمرار يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة بلا توقف.
وفي بيت مزدحم بالأسرة والألعاب والزجاجات كانت حليمة تقف أحيانا في منتصف الغرفة تجيل نظرها حولها. تسعة أطفال وتسع ضحكات وتسع طرق مختلفة للنظر إلى العالم. فتبتسم لا لأن الأمر سهل بل لأن ما بدا يوما مستحيلا أصبح جزءا من حياتها اليومية.
لم تعد القصة تخص الأطباء وحدهم ولا الإعلام ولا السجلات القياسية بل أصبحت تخص كل من يرى فيها معنى أعمق أن الحياة قد تفاجئنا بأعباء تبدو فوق الاحتمال ثم تمنحنا قوة لم نكن نعلم أننا نملكها.
كبر الأطفال وكبرت معهم الحكاية. وما بدأ في غرفة عمليات صامتة في الدار البيضاء المدينة التي احتضنت اللحظة الأولى تحول إلى فصل مفتوح في ذاكرة العالم وإلى واقع نابض داخل بيت يعج بالحياة.
أما حليمة فلم تعد مجرد أم لتسعة توائم بل غدت رمزا لشيء أبسط وأعظم أن القلب البشري مهما بدا محدودا قادر على أن يتسع لأكثر مما يتخيل أي حساب.
وتسعة أنفاس بدأت ذات يوم كصدمة طبية أصبحت حياة كاملة تمشي وتضحك وتكبر وتكتب فصولها الخاصة
فصولا ما تزال في بدايتها.

تم نسخ الرابط