في كل عام، هدية مجهولة تصل في اللحظة التي يحتاجها تمامًا وعند الثامنة عشرة، قرر أن يبحث عن السر وراءها.
الأهم كان ذلك الجسر الخفي بين ثلاث حيوات جسر بني بالحب والوفاء والامتنان دون كلمات كثيرة أو ضجيج.
بدأت الشمس تميل نحو الغروب عندما خرجا إلى الفناء الصغير.
كانت هناك شجرة برتقال هادئة تقف شاهدة على قصة لم ترو بالكامل إلا الآن.
زرعتها في السنة التي ولدت فيها قال الرجل. لم أكن أعلم إن كنت ستأتي يوما لكنني أردت أن أصدق أنك ستفعل مهما طال الزمن وتبدلت الظروف.
لمس دانيال الجذع الخشن
بأصابعه.
أمي كانت تفعل ذلك قال بهدوء. كانت تزرع أشياء دون أن تعرف إن كانت ستراها تكبر يوما أمام عينيها.
هكذا كانت أجاب الرجل بنبرة دافئة.
ساد الصمت بينهما قليلا بينما كانا يصغيان إلى ضجيج الشارع البعيد سيارات تمر وأصوات حياة عادية لا تعلم شيئا عن ثقل اللحظة بينهما الآن.
سأل دانيال
والآن ماذا يحدث بعد أن عرفت كل شيء
نظر إليه الرجل بهدوء مطمئن.
الآن لا شيء يتغير. لقد أديت دوري. وعليك أنت أن تقرر ماذا ستفعل بدورك في هذه الحكاية
دوري أنا
قال الرجل
السلسلة لا تنتهي عندي. أمك ساعدتني. وأنا رافقتك بطريقتي. لكن ما حدث لم يكن مقدرا أن يبقى محصورا بيننا فقط دون امتداد آخر.
شعر دانيال أن الكلمات أثقل من أي هدية تلقاها في حياته.
أضاف الرجل
الأمر لا يتعلق برد الجميل. بل بالمضي قدما بأن يصبح ما وصل إليك بداية لشيء آخر لا نهاية لقصة قديمة.
في تلك الليلة عاد دانيال إلى منزل عمته حاملا صندوق الدفاتر تحت ذراعه وقلبه ممتلئ بأسئلة وإجابات لم تهدأ بعد داخله تماما.
نظرت إليه فور دخوله.
عرفت أليس كذلك
أومأ برأسه.
ابتسمت وعيناها تلمعان بالدموع.
أمك لم ترد لك أن ينقصك شيء لكنها أيضا لم ترد أن تكبر وأنت تعتقد أن العالم قاس بلا عدل.
قال دانيال
العالم ليس كذلك. أحيانا فقط يتأخر في شرح نفسه لنا في كشف أسباب ما يحدث وكيف تتشابك الحكايات بصمت طويل.
جلسا يتصفحان الدفاتر.
كانت لورا تتعرف على قصص عاشتها بينما كان دانيال يكتشف للمرة الأولى تفاصيل
قالت
كنت أظن دائما أن هناك من يعتني بنا. لكنني لم أتخيل أبدا حجم ذلك الاهتمام ولا عمقه الممتد عبر السنين.
مرت الشهور.
بدأ دانيال الجامعة.
توقفت الطرود عن الوصول.
ومع ذلك كلما نظر إلى الساعة في معصمه شعر أن شيئا ما ما زال يرافقه لا كدين ثقيل ولا كالتزام مفروض عليه أبدا.
بل كعنوان خفي.
اتجاه.
طريق.
في يوم ما وأثناء خروجه من الجامعة رأى صبيا يجلس أمام متجر أدوات مدرسية يحدق في الواجهة الزجاجية بصمت غريب يشبه صورة قديمة محفورة داخله منذ الطفولة.
توقف دانيال.
كان المشهد مألوفا حد الألم.
دخل المتجر.
اشترى ما يحتاجه الصبي.
خرج ووضعه بين يديه دون سؤال واحد.
نظر الصبي بدهشة.
لماذا
فكر دانيال لثانية.
ثم ابتسم.
لأن شخصا ما فعل الشيء نفسه من أجلي يوما وحان الوقت كي تستمر السلسلة دون انقطاع.
لأن شخصا ما فعل الشيء نفسه من أجلي يوما.
وغادر قبل أن يتمكن أحد من شكره أو حتى
وأثناء سيره أدرك شيئا كانت أمه تعرفه دائما دون أن تشرحه كثيرا
الأفعال الحقيقية لا تحتاج شهودا.
بل تحتاج استمرارا فقط.
بعد سنوات اعتاد دانيال زيارة بيت الرجل صاحب شجرة البرتقال بين حين وآخر لا بدافع الواجب بل بدافع رابطة هادئة تشبه الطمأنينة القديمة التي لا تفسر بسهولة.
لم يعودا يتحدثان كثيرا عن الماضي.
صارا يتحدثان عن أشياء بسيطة.
العمل. الطقس. وصفات قهوة قوية أكثر مما ينبغي لكنها دائما تشرب بابتسامة مشتركة وصمت مريح.
في إحدى الأمسيات بينما كانا يقطفان ثمار البرتقال الناضجة قال الرجل بنبرة دافئة
أمك كانت ستفخر بك كثيرا.
ابتسم دانيال وهز رأسه بهدوء.
لا أظن أن الأمر يتعلق بالفخر.
إذن بماذا
نظر دانيال إلى الشجرة إلى الفروع الممتلئة وإلى السماء المفتوحة فوقهما ثم قال بصوت هادئ يحمل يقينا عميقا
أظن أن الأمر يتعلق بهذا أن يستمر كل شيء في الحدوث.
أومأ الرجل برأسه.
ولم يقل أي منهما شيئا بعد
لأن بعض الوعود لا يمكن شرحها بالكلمات.
إنها لا تحكى.
إنها تعاش.