في أول رحلة لي كقائد طائرة، بدأ أحد الركاب يختنق… وعندما أنقذته، اصطدمتُ بالحقيقة التي طاردت طفولتي

لمحة نيوز

في أول رحلة لي كقائد طائرة، بدأ أحد ركاب الدرجة الأولى يختنق. اندفعتُ خارج قمرة القيادة لأساعده وحين انحنيت فوقه رأيت نفس الوحمة الداكنة التي طاردت طفولتي كلها.
الرجل الذي قضيت عشرين عامًا أبحث عنه كان ممددًا عند قدميّ فجأة لكنه لم يكن كما ظننته أبدًا.
منذ أن وعيت على الدنيا، وأنا مهووس بالسماء.
كل شيء بدأ بصورة قديمة متجعدة كانوا يعرضونها عليّ في دار الأيتام التي نشأت فيها.
كنت في الخامسة تقريبًا في تلك الصورة. أجلس داخل قمرة قيادة طائرة صغيرة، أبتسم وكأن الأفق كله ملكي.
وخلفي يقف رجل يرتدي قبعة طيّار.
قضيت عشرين عامًا أؤمن أنه والدي.
كانت يده على كتفي، وعلى أحد جانبي وجهه تمتد وحمة داكنة كبيرة.
تلك الصورة كانت أهم ما أملك في حياتي.
صلةً بماضيّ وطريقًا لمستقبلي.
كلما حاولت الحياة أن تُسقطني، عدتُ إليها.
حين رسبتُ في أول اختبار نظري.
حين نفدت مدخراتي في منتصف دراسة الطيران.
حين عملتُ ورديتين يوميًا لأدفع ثمن ساعات المحاكاة.
كنت أحتفظ بالصورة مطوية داخل محفظتي.
وفي أسوأ الليالي، كنت أخرجها وأتأملها كأنها خريطة.
أقنعت نفسي أن الأمر لم يكن صدفة.
أن أحدهم وضعني في تلك القمرة لسبب.
عندما

قال المدربون إنني لا أملك الخلفية ولا المال لأصبح طيارًا ناجحًا، صدّقت الصورة أكثر مما صدّقتهم.
دفعتني تلك الصورة عبر الدراسة الأرضية، وساعات المحاكاة التي لا تنتهي، وكل انتكاسة واجهتها.
كنت متأكدًا أنه إذا جلستُ في ذلك المقعد مرة أخرى، والسماء تحيط بي من كل جانب، فإن كل شيء في حياتي سيتضح أخيرًا.
لا بد أن أحدًا وضعني هناك لسبب.
واليوم تحقق الحلم.
في السابعة والعشرين، جلستُ أخيرًا في مقعد قائد طائرة ركاب تجارية.
كانت أول رحلة لي كقائد كامل الصلاحيات.
متوتر يا كابتن؟ سألني مساعدي.
نظرتُ إلى المدرج الممتد نحو الشمس، وضعتُ يدي فوق الصورة في جيبي، ملاصقةً لقلبي.
ابتسمت له وقلت
قليلًا يا صديقي لكن أحلام الطفولة تستطيع أن تحلّق، أليس كذلك؟
ابتسم وأشار بإبهامه للأعلى.
بالتأكيد. هيا نُحلّق بهذه الطائرة.
كان الإقلاع مثاليًا.
بلغنا ارتفاع التحليق، وعندما نظرت إلى السماء الزرقاء الصافية، تذكّرت كل الطرق التي حاولت بها البحث عن والدي طوال السنوات الماضية.
ليالٍ طويلة أقضيها أتصفّح سجلات الطيّارين. رسائل إلكترونية لا يردّ عليها أحد. صور قديمة أجمّدها على الشاشة، أُمعن النظر في الوحمة، أفتّش بها
الوجوه في المطارات المزدحمة.
أقنعت نفسي أنني إن حلّقت بما يكفي، وإن سلكت المسارات الصحيحة، فلا بد أن تتقاطع طرقنا يومًا ما.
لكن هناك، في الأعلى، ثابتًا ومسيطرًا على كل شيء، بدا البحث فجأة غير ضروري.
لقد وصلت بالفعل إلى المكان الذي أمضيت حياتي أحاول الوصول إليه.
أطلقت زفرة طويلة.
هل يمكنني حقًا أن أتوقف عن البحث الآن؟
لقد صار البحث جزءًا مني بقدر ما صار الطيران.
لم أكن أعلم حينها أنني كنت أقرب إليه من أي وقت مضى.
بعد ساعات قليلة من التحليق، دوّى صوت ارتطام حاد من مقصورة الدرجة الأولى خلفنا مباشرة.
تسارع نبضي فورًا.
التفت مساعدي نحوي، وفي اللحظة نفسها انفتح باب قمرة القيادة بعنف. اندفعت إحدى المضيفات إلى الداخل، وجهها شاحب وعيناها مذعورتان.
نحتاجك حالًا! هناك رجل في خطر إنه يحتضر!
لم أتردد.
تولّى مساعدي القيادة وأومأ لي. في تدريبي، كنت الأفضل في الإسعافات الأولية. أحفظ كل إجراء عن ظهر قلب. لم يكن لدينا ثانية نضيّعها.
انطلقت نحو المقصورة.
كان رجل ممددًا في الممر، يلهث بشدّة، يمسك بعنقه، وجسده يرتجف. الركاب واقفون في مقاعدهم، يتهامسون، يشيرون، والذعر يملأ العيون.
هويتُ إلى ركبتيّ بجواره.

تراجعوا! قلت بحزم.
أمسكت كتفيه لأثبّته وهنا رأيتها.
وحمة تمتدّ على جانب وجهه.
تجمّد ذهني لجزءٍ من الثانية.
ثم عاد التدريب ليتولّى الأمر.
أمسكتُه من الخلف ورفعته إلى وضعية الجلوس، وأحطتُ خصره بذراعي وبدأتُ الإسعاف الفوري باندفاع.
دفعة أولى. لا شيء.
تجمّد عقلي لجزء من الثانية، بينما كانت قبضته على ذراعي تضعف، وكان يفلت من بين يدي ببطء مرعب.
دفعة ثانية. لا شيء أيضًا.
في الثالثة بذلتُ كل ما أملك، وغرستُ قبضتي في بطنه بكل قوتي ويأسي.
فجأة اندفعت قطعة صغيرة صلبة من فمه وارتطمت بالسجاد أمامنا.
انحنى إلى الأمام يلتقط نفسًا متقطعًا مصحوبًا بصفير حاد.
سعل بعنف، وصدره يعلو ويهبط بينما عاد الهواء يملأ رئتيه أخيرًا.
انفجرت المقصورة بالتصفيق والهتاف، وصرخ أحدهم أحسنت أيها القبطان!
لم أسمع شيئًا. تلاشى هدير المحركات والتصفيق إلى طنين بعيد، وكنت أحدّق فيه حين التفت نحوي.
لم يكن هناك أدنى شك، كان هو الرجل ذاته في صورتي القديمة.
همستُ دون وعي أبي؟
انزلقت الكلمة من فمي قبل أن أستطيع منعها، ثقيلة وغريبة، رغم أنني تدربت عليها ألف مرة أمام المرآة، ولم أتخيل يومًا أن أقولها لشخص حقيقي.
نظر إلى بزتي الرسمية
ثم إلى وجهي وهزّ رأسه ببطء قائلاً لا، لستُ والدك.
شعرتُ كأن
تم نسخ الرابط