في أول رحلة لي كقائد طائرة، بدأ أحد الركاب يختنق… وعندما أنقذته، اصطدمتُ بالحقيقة التي طاردت طفولتي
لكمةً سُدّدت إلى أحشائي.
لكنه أضاف بصوت خافت أعرف تمامًا من أنت يا روبرت، ولهذا أنا على رحلتك اليوم.
تجمّدتُ مكاني. صحيح أن بطاقة اسمي على سترتي، لكن طريقته في نطق اسمي بدت كأنه يعرفه منذ أعوام طويلة.
كان قد استقام في جلسته، وبدأ اللون يعود تدريجيًا إلى وجنتيه.
لمحتُ كيس فول سوداني مجعّدًا على طاولته الصغيرة؛ لا بد أنه كان سبب الاختناق.
قال بابتسامة متكلّفة يبدو أنني لا أجيد الأكل حين أتوتر، كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي، لكن لم أتوقعها هكذا.
بقيتُ واقفًا في الممر وقلت قلت إنك تعرف من أكون، كيف؟
أومأ برأسه مشيرًا إلى المقعد الفارغ بجواره، فجلستُ منهارًا تقريبًا، إذ كانت ركبتيّ على وشك الخذلان.
قال بهدوء كنت أعرف والديك، أنا ووالدك كنا نطير معًا، رحلات شحن وشارتر، كنا كالأخوين.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، كان حلقي جافًا كأنه مملوء بالرمل، وقلت إذًا تعرف ما الذي حدث لهما.
أجاب بخفوت نعم.
سألته وكنت تعرف أين كنت أنا؟
اعترف علمتُ أنك دخلت نظام الرعاية
قلت بمرارة ولماذا لم تأتِ لأخذي؟
نظر إلى يديه وقال لأنني أعرف نفسي يا روبرت، الطيران كان كل شيء بالنسبة لي، وما زال، عقود طويلة في الخارج بلا جذور أو استقرار.
قلت بحدّة فتركتني هناك إذًا.
قال سريعًا كان ذلك أرحم، كنت سأدمّرك لو حاولت أن أكون شيئًا لستُه.
لم أصدق ما أسمع، وبينما كان عالمي ينهار من حولي، ظل سؤال واحد يحترق داخلي.
لماذا لم تأتِ لأخذي؟
قلت قلت إنك صعدت هذه الرحلة لأنك تعرف من أكون.
أومأ برأسه.
سألته أخيرًا لماذا الآن؟ بعد كل هذه السنوات، لماذا قررت أن تبحث عني؟
تردّد قليلًا ثم قال لم أعد أستطيع الطيران. بصري أوقفوني نهائيًا العام الماضي.
فجأة بدا كل شيء أكثر حدّة.
أخرجتُ الصورة من جيبي ورفعتها أمامه.
الصبي الصغير والرجل داخل قمرة القيادة بدت ملامحهما باهتة من الزمن، لكن ابتسامتيهما ما زالتا مضيئتين.
قلت كبرتُ على هذه الصورة. كلما فشلت، كلما فكرتُ في الاستسلام، كنتُ أنظر إليها وأقنع نفسي أنني أسير في الطريق الصحيح.
ثبت نظره على الصورة، وببطء عبر وجهه شيء يشبه الفهم.
قال وقد كان يعني. يعني أنك أصبحت طيّارًا بسببي.
انقبضت معدتي.
سألته بحدّة هذا ما تظنه؟ دليل؟
قال بنبرة شبه متفائلة أنت قلت ذلك. سمعتُ عن إنجازاتك. الأول على دفعتك. قبطان في هذا العمر. ظننت ربما حان الوقت لأرى أيّ رجل أصبحت.
قلت ببرود إذًا حصلتَ على ما جئتَ لأجله.
هممتُ بالنهوض، لكنه أمسك معصمي.
قال انتظر يا روبرت.
ثم أضاف بخفوت أردت فقط أن أجلس في قمرة القيادة مرة أخرى لمرة أخيرة. أنا السبب في وصولك إلى هنا. هذا أقل ما يمكنك فعله لأجلي.
استقمتُ وعدّلتُ سترتي، أشعر بالشرائط الذهبية على كتفيّ صلبة، مستحقّة.
قلت بحثتُ عنك سنوات. ظننتك أبي. ظننتُ أن العثور عليك سيجعل كل شيء مفهومًا. ظننت أنك سبب حبي للطيران. كنت مخطئًا.
أشرتُ نحو باب قمرة القيادة.
قلت لم أفعل هذا لأجلك. فعلته من أجل حلم من أجل الرجل الذي تخيّلتك تكونه. والآن بعد أن قابلتك، أنا ممتن
انسابت دمعة على وجهه، شقّت طريقها عبر وحمته.
قلت بثبات لو عرفتُ حقيقتك رجل اختار ألا يفعل شيئًا لطفل لم يكن له أحد لكنتُ تخلّيتُ عن كل هذا.
التقيتُ عينيه مباشرة.
أنا سعيد لأنني لم أجدك يومًا.
أضفتُ أطير لأن السماء تشبه الوطن، هذا ما فهمته الآن. هذه الصورة كانت بذرة حلم، لكنها لم تصنعني. أنا من منحها المعنى بالعمل والتعب. لا يحق لك أن تنسب لنفسك أي فضل، ولا أن تطلب مني معروفًا.
تدلّت كتفاه بصمت.
نظرتُ إلى ساعتي وقلت انتهى الحديث. عليّ أن أعود.
ألقيتُ نظرة أخيرة على الصورة، ثم وضعتها على طاولته بجوار كيس الفول السوداني الفارغ.
قلت احتفظ بها. لم أعد بحاجة إليها.
عدتُ إلى قمرة القيادة، وانغلق الباب خلفي بعزلةٍ حاسمة.
نظر إليّ مارك قائلًا كل شيء بخير هناك، أيها القبطان؟
أحطتُ المقود بيديّ، أشعر باهتزاز المحركات المنتظم. أدركتُ الآن أنني لم أرث هذه الحياة.
أنا من اخترتها وانتزعتها لنفسي.
قلت وأنا أنظر إلى الأفق نعم كل شيء
لم أرث هذه الحياة. لقد صنعتُها.