بنتي اللي عندها خمس سنين سألتني ليه العم العجوز ما بيجيش غير بالليل وأنا نايمة…
كانت ابنتي ذات الخمس سنوات تطلق الأسماء على كل شيء في حياتها. أرنبها المحشو له اسم، وبطانيّتها المفضلة لها لقب أميري، وحتى الكرسي الصغير في غرفتها تعتبره صديقة لها. لذلك حين قالت صباح أحد الأيام، وهي تتناول حبوب الإفطار بهدوء
العم توم شايف إنك بتشتغلي كتير يا ماما،
لم أرتعب فورًا لكن شيئًا باردًا تحرك داخلي.
توقفت يدي في الهواء.
سألتها بهدوء مين العم توم؟
قالت ببساطة شديدة هو بييجي يطمن عليّ.
افترضت أنه صديق خيالي. الأطفال يصنعون عوالم كاملة داخل رؤوسهم. تجاهلت الأمر. كانت تلك أول غلطة.
بعد حوالي أسبوع، كنا في الحمام قبل النوم، أمشّط شعرها أمام المرآة. نظرت لانعكاسها وسألت فجأة
ماما ليه العم توم بييجي بس لما تكوني نايمة؟
تجمّد المشط في يدي.
قلت يعني إيه لما أكون نايمة؟
أجابت بهدوء غريب بييجي بالليل. الأول يبص على الشباك، وبعدين يكلمني شوية.
شعرت بأن جسدي كله أصبح حجرًا.
سألتها شكله إيه؟
فكرت قليلًا ثم قالت راجل كبير. ريحته زي الجراج. وبيمشي بالراحة قوي. وقالّي
في تلك اللحظة، لم يعد الموضوع لعبة خيال.
في تلك الليلة، لم أنم. بعدما نامت، مررت على كل شباك وكل باب في البيت مرتين. أقنعت نفسي أن الأمر مجرد أوهام طفلة صغيرة.
الساعة الواحدة وثلاث عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، سمعت صوتًا خافتًا.
نقرة خفيفة كأن مفصل إصبع لمس الزجاج مرة واحدة.
جلست متسمّرة. أقنعت نفسي أنه غصن شجرة. أو صوت البيت وهو يتمدّد مع البرودة.
لكن عندما مشيت في الممر نحو غرفتها، كان كل شيء هادئًا.
ما عدا الستارة كانت تتحرك.
لم يكن هناك هواء.
وقفت عند الباب أراقب الستارة تتمايل ببطء، واتخذت قرارًا.
في الصباح، اشتريت كاميرا صغيرة.
ثبتّها على رف المكتبة في غرفتها، بين دميتها الزرافة وكتب الأطفال. وجهتها نحو الشباك مباشرة. لم أخبرها. أقنعت نفسي أنني سأشاهد نافذة فارغة لليلتين، ثم أضحك على خوفي.
تلك الليلة، وضعت الهاتف بجواري، التطبيق مفتوحًا، والإضاءة منخفضة.
الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة فجرًا، اهتز الهاتف.
فتحت البث فورًا.
الصورة كانت رمادية
وعند الزجاج، كان هناك ظل.
رجل طويل، منحنٍ قليلًا، ثابت.
رأيت انعكاس وجهه للحظة في المرآة القريبة رجل مسن.
قفزت من السرير وركضت. فتحت باب غرفتها بعنف.
الشباك كان مفتوحًا مسافة صغيرة.
والستارة ترتفع للداخل.
جلست ابنتي في منتصف السرير تنظر إليّ بغضب طفولي حقيقي
ماما! خوّفتيه!
اندفعت نحو الشباك وفتحته بالكامل. رأيت رجلًا كبيرًا يمشي في الحديقة الخلفية. لم يكن يجري. وكان يعرج قليلًا في قدمه اليسرى.
قالت بهدوء كان عايز يحكيلي حكاية بس خاف لما جيتي.
عدت إليها. وقلت تعالي نامي جنبي الليلة.
نامت بجواري بلا اعتراض، وهذا وحده أخافني أكثر.
وبينما كانت نائمة على صدري، بدأت ذكريات كنت قد دفنتها تعود بقوة.
طلاق صعب. خيانة. بيت انهار. علاقات انقطعت فجأة.
لم أترك زوجي السابق فقط تركت عائلته كلها. غيّرت رقمي. انتقلت لحيّ آخر. قطعت كل خيط يربطني بالماضي.
كنت أظن أن الحرق الكامل هو الطريقة
مع اقتراب الفجر، التقطت هاتفي واتصلت بزوجي السابق.
قلت له لازم نتقابل الصبح. أبوك لازم يكون موجود.
الصمت الذي تلا كلامي كان كافيًا ليخبرني أنه فهم خطورة الأمر.
في الصباح، أوصلت ابنتي إلى الحضانة، وتوجهت إلى البيت القديم.
فتح الباب رجل بدا أكبر سنًا مما أتذكر. أبطأ. أكثر إنهاكًا.
نظرت إليه مباشرة وقلت
ليه كنت واقف تحت شباك بنتي؟
لم يحاول الإنكار.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم جلس وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال واقفًا.
قال إنه حاول التواصل معي بعد الطلاق أكثر من مرة، لكن رقمي لم يعد يعمل. لم يكن يعرف كيف يقترب دون أن يزيد الأمور سوءًا. كان يعلم أنني غاضبة، وأنه في نظرِي جزء من كل ما حدث.
أخبرني أنه قبل أسابيع مرّ بالبيت الجديد. كان ينوي أن يطرق الباب ويطلب أن يرى حفيدته بوضوح وصراحة. لكنه عندما وقف أمام الباب، فقد شجاعته.
ثم حدث ما لم يتوقعه.
قال هي شافتني من الشباك ولوّحت لي.
تجمد مكاني.
أكمل بصوت متعب سألتني أنا مين ومقدرتش أقولها إني
سألته بحدة قلت لها إيه؟
قال إنها أخبرته أن كرتونها المفضل عن قط اسمه توم، وأنه عنيد لكنه يعود دائمًا مهما حدث. ثم ضحكت وقالت له إنها ستناديه العم