طفل يحتضر في الثامنة يأخذ وعدًا من محمد علي قبل أعظم نزالاته حكايات من القلب

لمحة نيوز

كان محمد علي يتدرّب على أهم نزال في حياته عندما حضر أبٌ يحمل ابنه ذي الثمانية أعوام، الذي كان يحتضر، طالبًا لقاءه لدقائق قليلة قبل فوات الأوان.
كان الصبي أصلع الرأس بسبب العلاج الكيميائي، ولم يمنحه الأطباء سوى أسابيع معدودة ليعيشها، وربما أقل، وكان الأمل يتلاشى سريعًا من حول عائلته.
احتضنه علي بقوة، ووعده وعدًا سيغيّر كل شيء، وعدًا لم يسمعه جمهور، ولم تسجله كاميرات، لكنه أصبح من أقوى القصص في تاريخ الرياضة.
كان ذلك في صيف عام 1974، حين كان محمد علي يستعد لما اعتبره الجميع مستحيلًا، وهو هزيمة جورج فورمان واستعادة لقب بطل العالم للوزن الثقيل.
كان فورمان أصغر سنًا، أقوى جسدًا، وقد دمّر كل خصم واجهه بلا رحمة، إذ أسقط جو فريزر في جولتين فقط، وسحق كين نورتون بلا مقاومة تُذكر.
معظم الخبراء منحوا علي فرصة ضئيلة، بل إن بعضهم خشي أن يكلّفه النزال حياته، أمام قوة فورمان الضاربة التي بدت كأنها لا تُقهر.
كان علي يتدرّب في معسكره ببلدة دير ليك في بنسلفانيا، وهو معسكر ريفي بناه بنفسه وسط الجبال، بعيدًا عن صخب المدن وضجيج الإعلام.
كان روتينه اليومي قاسيًا بلا رحمة؛ جريٌ عند الفجر بين تلال بنسلفانيا، وساعات طويلة أمام كيس اللكم الثقيل وكيس السرعة

داخل الصالة.
جولات لا تنتهي من الملاكمة التجريبية مع عدة شركاء، واجتماعات استراتيجية تمتد حتى أعماق الليل، بينما الضغط يزداد وثقل العالم يستقر فوق كتفيه.
لم يكن ذلك مجرد نزال آخر، بل كان فرصة علي لإثبات أنه لا يزال بطلًا، بعد أن جُرّد من لقبه لرفضه الذهاب إلى حرب فيتنام.
كان يريد أن يثبت، وهو في الثانية والثلاثين، أنه ليس عجوزًا، ولا منتهيًا، ولا ظلًّا لبطل سابق، بل ما يزال قادرًا على استعادة عرشه.
كان هذا النزال خلاصًا، وكان بعثًا جديدًا، وكان كل شيء بالنسبة له، أكثر من مجرد بطولة، بل معركة كرامة وهوية وتاريخ شخصي.
في أواخر يوليو من ذلك العام، أنهى علي واحدة من أقسى الحصص التدريبية التي شهدها مدربوه، بعدما خاض اثنتي عشرة جولة شاقة مع ثلاثة شركاء مختلفين.
كان منهكًا، غارقًا في العرق، وجسده يصرخ طلبًا للراحة، بينما كان يتجه نحو غرفة الملابس محاولًا التقاط أنفاسه بعد يوم مرهق طويل.
اقترب منه جين كيلروي، مدير أعماله وصديقه المقرّب، وعلى وجهه ملامح قلق واضحة، ثم قال بصوت منخفض حتى لا يسمع الآخرون.
قال أيها البطل، هناك أب هنا مع ابنه، الصبي مريض جدًا، سرطان دم في مراحله الأخيرة، والأطباء أعطوه أسابيع قليلة فقط، ربما أقل.
أكمل الأب قاد
سيارته من أوهايو حتى هنا، على أمل أن تمنحه دقيقة واحدة فقط لتحية الصبي، أعرف أنك متعب، ويمكنني صرفهما إن أردت.
لم يكن بحاجة لإكمال الجملة، فقد التقى علي بمئات الأطفال المرضى عبر السنوات، وكان كل لقاء يكسر قلبه قليلًا ويشعره بعجز لم يعرفه داخل الحلبة.
كان خصمًا لا يمكن لكمه، ولا إسقاطه أرضًا، ومع ذلك لم يقل علي يومًا لا، ولم يرفض طفلًا مريضًا، ولم يشعر أحدهم بأنه عبء.
سأل علي فورًا، وقد تلاشى تعبه فجأة أين هما؟ فأجابه كيلروي عند مدخل الصالة، أخبرته أن ينتظر حتى أستأذنك.
نظر علي في عيني صديقه مباشرة وقال بحزم هادئ يا جين، لا تحتاج أن تستأذن أبدًا، أحضرهم إليّ في كل مرة، هل تسمعني؟ في كل مرة.
كان علي يؤمن، بكل ذرة في كيانه، أن خدمة الآخرين هي الإيجار الذي ندفعه مقابل وجودنا على هذه الأرض، وكان عازمًا أن يدفع إيجاره كاملًا.
بعد دقائق، اقترب الأب ممسكًا بيد ابنه الصغيرة بحماية واضحة، وعلى كتفيه ثقل العالم، وإرهاق ليالٍ بلا نوم في المستشفيات.
كان يحمل حزن معرفة أنه يفقد ابنه، ويأس أب مستعد لفعل أي شيء، تقديم أي شيء، فقط ليمنح طفله فرصة أخرى في الحياة.
كان الصبي صغير الجسد بالنسبة لسن الثامنة، يرتدي قبعة بيسبول منخفضة تخفي رأسه الأصلع،
ونظر إلى علي بعينين تمتلئان دهشة وخوفًا.
كانت نظرة أطفال المرض، تلك النظرة التي تحاول حفظ العالم في الذاكرة قبل أن يداهمها الوقت، كأنهم يلتقطون صورهم الأخيرة للحياة.
قال الأب بصوت متكسر هذا بيلي. فانحنى علي حتى أصبح في مستوى عيني الصبي، وقال برفق عميق بيلي، يشرفني أن ألتقي بك.
صافح بيلي علي بأصابع صغيرة ضعيفة، يحاول أن يبدو شجاعًا رغم ارتجاف يده، وكأنه يقاوم أن يكشف خوفه أمام بطله الذي جاء يراه.
سأله علي برفق لماذا ترتدي هذه القبعة في يوم حار كهذا؟ فتردد بيلي قليلًا، ثم نزعها ببطء، كاشفًا رأسًا خاليًا تمامًا من الشعر.
كان العلاج الكيميائي قد أخذ كل شيء، لم يترك خصلة واحدة، ولم يترك لطفولته فرصة لتبدو طبيعية ولو للحظة قصيرة.
قال بيلي ببساطة موجعة عندي سرطان سيئ جدًا، والأطباء يقولون إن أمامي بضعة أسابيع فقط. ثم صمت، كأنه أنهى حقيقة أكبر من عمره.
للحظة، لم ينطق أحد بكلمة، ونظر علي إلى هذا الطفل البريء الذي كان يجب أن يلعب ويضحك، لا أن يحسب ما تبقى له من أيام.
شعر بشيء ينكسر داخل صدره، ألمًا صامتًا لا يشبه أي لكمة تلقاها في حياته، ولا أي جرح عرفه فوق الحلبة.
ثم فعل ما كان طبيعيًا بالنسبة له، فتح ذراعيه على اتساعهما وجذب بيلي إلى حضنه،
لا كتحية عابرة، بل كاحتضان حقيقي
تم نسخ الرابط