طفل يحتضر في الثامنة يأخذ وعدًا من محمد علي قبل أعظم نزالاته حكايات من القلب

لمحة نيوز

عميق.
لم يكن عناقًا مجاملًا أو سريعًا، بل عناقًا يقول دون كلمات أنت مهم، أنت مرئي، أنت لست رقمًا في تقرير طبي.
كان جين كيلروي يقف على مسافة محترمة، فرفع كاميرته البولارويد والتقط صورة، صورة ستصبح من أقوى ما التُقط لمحمد علي يومًا.
ومع ذلك، لم يرها تقريبًا أحد لعقود طويلة، كأنها لحظة مقدسة احتفظ بها الزمن بعيدًا عن ضجيج الشهرة والعدسات.
في الصورة، كان علي راكعًا على الأرض، جسده الضخم منثنيًا ليصل إلى مستوى طفل صغير، وذراعاه العضليتان تحيطان بصبي أصلع نحيل.
كان وجه بيلي مدفونًا في كتف علي، بينما أغمض علي عينيه، وعلى ملامحه شيء نادر لا يظهر في الحلبات.
ضعف صادق، حنان خالص، وحزن عميق يتجاوز الكلمات، كأنه يحمل ثقل العالم كله في تلك اللحظة الصامتة.
وقفا هكذا لما بدا كأنه دهر كامل، لكنه في الحقيقة لم يتجاوز دقيقة أو دقيقتين، بينما ازداد بيلي تشبثًا بكتف بطله.
كانت يد علي تحتضن مؤخرة رأس بيلي، حيث كان الشعر يومًا ما، والذراع الأخرى تحيط بجسده الهش بحماية فطرية.
حولهم، خيّم الصمت على المعسكر، وتوقف الملاكمون والمدربون وكل من اعتادوا الضجيج اليومي، يراقبون لحظة لم تشبه أي تدريب.
بعضهم كان يبكي، حتى أقسى الرجال الذين اعتادوا رؤية العنف في الحلبة، كانوا يمسحون دموعهم
خلسة.
أما والد بيلي، فقد أدار وجهه بالكامل، وراحت كتفاه تهتزان ببكاء مكتوم، غارقًا في الامتنان أمام هذا اللطف غير المتوقع.
حين انفصلا أخيرًا، أبقى علي يديه على كتفي بيلي، ونظر مباشرة في عينيه، بنظرة جادة تحمل وعدًا خفيًا.
قال بيلي، أنت تعرف ماذا سأفعل، أليس كذلك؟ فأجاب الصبي بصوت خافت ستقاتل جورج فورمان.
ابتسم علي وقال صحيح، وتعرف ماذا يقول الجميع؟ فأومأ بيلي برأسه يقولون إنك ستخسر.
ضحك علي بخفة وقال يقولون إنني عجوز وبطيء، وإن فورمان سيسقطني أرضًا، هذا ما يردده الخبراء كل يوم.
ثم مال قليلًا وسأل لكن هل تعرف ماذا سيحدث؟ همس بيلي ماذا؟ فقال علي بثقة هادئة سأفوز.
توقف لحظة وأضاف تعرف لماذا؟ لأنني قررت ذلك، وعندما يقرر محمد علي شيئًا فإنه يحدث.
ارتسمت على وجه بيلي ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة حقيقية رآها والده منذ أسابيع طويلة من الألم.
اقترب علي أكثر، كما لو أنه يشارك أعظم سر في العالم، وخفض صوته ليصبح ما سيقوله وعدًا بين رجل وطفل فقط.
صار صوته أكثر هدوءًا، لكنه ازداد قوة وعمقًا، وقال بيلي، سأعطيك وعدًا، لكن أريد منك وعدًا في المقابل، اتفاق حقيقي بيني وبينك.
همس بيلي وعيناه متسعتان حسنًا. فقال علي وعدي لك أنني سأهزم جورج فورمان، مهما قال الناس، ومهما شككوا
في قدرتي.
الجميع يقول إنني لا أستطيع، يقولون إنني كبير في السن، وإن فورمان يضرب بقوة ساحقة، وإن عليّ الاعتزال قبل أن أُهزم.
توقف لحظة ثم أكمل لكن هل تعرف ما أعرفه أنا؟ هز بيلي رأسه بالنفي، فاقترب علي أكثر.
قال أعرف أنه عندما تقرر شيئًا حقًا، لا أن تتمناه أو تأمله فقط، بل تقرره في قلبك بصدق، يمكنك أن تجعله يحدث.
لقد قررت أن أهزم جورج فورمان، ليس لأن الأمر سهل، ولا لأن الناس يؤمنون بي، بل لأنني أنا قررت ذلك.
وعندما يقرر محمد علي شيئًا، يصبح حقيقيًا، هذا وعدي لك، سأهزمه، اكتبها في قلبك، وتذكرها دائمًا، أعدك.
امتلأت عينا بيلي بالدموع، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع شيء لم يشعر به منذ أخبره الأطباء بالحقيقة.
كان ذلك الأمل، والإيمان، وشعورًا خافتًا بالقوة عاد يتسلل إلى قلب طفل ظن أن كل شيء انتهى.
قال علي، ويداه ما تزالان ثابتتين على كتفي الصبي والآن أريد وعدك أنت، لا أن تحاول هزيمة السرطان، لا أن تتمنى ذلك فقط.
اهزمه، قاتله كما سأقاتل فورمان، بنفس العناد، بنفس الإصرار، هل تفهمني يا بيلي؟
أومأ بيلي ورأسه يرتجف، والدموع تنساب على خديه، فقال علي أريدك أن تستيقظ كل صباح وتقول أنا بيلي، وأنا مقاتل.
سأهزم هذا السرطان، تقولها حتى عندما تشعر بالألم، خصوصًا
عندما تشعر بالألم، تقولها حين يجعلك الدواء مريضًا.
تقولها عندما تخاف، تقولها كل يوم، هل تستطيع أن تفعل ذلك من أجلي؟ قال بيلي بصوت خافت لكنه ثابت نعم.
قال علي مبتسمًا ابتسامته التي كانت تضيء أحلك الغرف لا أسمعك. فرفع بيلي صوته قليلًا نعم!
ضحك علي وقال مازحًا ما زلت لا أسمعك. وكاد بيلي يضحك وسط دموعه، ثم صرخ بأعلى صوته نعم!
انفجر المعسكر بالتصفيق والهتاف، رجال قساة يبتسمون ويبكون في آن واحد، يشاهدون طفلًا يعلن الحرب على مرضه.
قال علي وهو يضمّه مجددًا هذا ما أتحدث عنه، والآن قلها بصوت يسمعه الجميع، قل سأهزم السرطان.
ردد بيلي بصوت مرتجف سأهزم السرطان. فقال علي قلها كأنك البطل، كأنك الفائز.
فصرخ بيلي بقوة أكبر سأهزم السرطان! وارتفع التصفيق من حوله، يملأ المكان بطاقة لم يعرفها المعسكر من قبل.
قال علي مبتسمًا هذا صحيح، أنت ستهزم السرطان، وأنا سأهزم جورج فورمان، كلانا فائز يا بيلي، كلانا بطل.
التقط جين كيلروي صورة أخرى، علي وبيلي ينظران إلى بعضهما، كلاهما يبتسم، كلاهما يؤمن، وكأن الإيمان نفسه صار بينهما كجسر.
طبع صورتين، واحدة لوالد بيلي، وأخرى احتفظ بها علي، ذكرى لوعد لا يجوز أن يُكسر.
عندما غادر بيلي ووالده ذلك اليوم، كان هناك شيء قد تغيّر داخل علي، رآه كيلروي
واضحًا في عيني البطل.
سأله بماذا تفكر يا بطل؟
تم نسخ الرابط