طفل يحتضر في الثامنة يأخذ وعدًا من محمد علي قبل أعظم نزالاته حكايات من القلب

لمحة نيوز

صمت علي لحظة طويلة، ثم قال يجب أن أفوز يا جين، يجب أن أفوز من أجل ذلك الصبي.
ومنذ تلك اللحظة، وحتى أسابيع ما قبل النزال في زائير، احتفظ علي بصورة بيلي في أبرز مكان داخل مقر تدريبه.
ثبّت علي صورة بيلي بجوار المرآة مباشرة، حيث كان يلاكم ظله كل صباح، وكأنها شاهد صامت على الوعد الذي لا يُسمح له أن يُنسى.
قبل كل تمرين، بلا استثناء، كان يلمس الصورة بيده، وقبل كل جولة ملاكمة قاسية، كان ينظر إليها نظرة طويلة عميقة.
عندما كان الشك يتسلل في أحلك ساعات التدريب، حين يتألم جسده، وحين يتفوق عليه الشركاء الأصغر سنًا، كان يتوقف ويحدّق في الصورة.
حين كانت الصحف تصفه بأنه بطل سابق انتهى زمنه، وحين كان الخوف يهمس ربما هم على حق، ربما أصبحت عجوزًا.
كان يرفع عينيه نحو وجه بيلي، نحو ابتسامته الشجاعة، ونحو عينيه المليئتين بالإيمان، ويتذكر وعدًا لا يحتمل الخذلان.
كان يقول في داخله ذلك الطفل يقاتل السرطان الآن، في غرفة مستشفى، يتألم وربما يخاف، لكنه وعدني أنه سيفوز.
كيف لي أنا، محمد علي، أن أشتكي من التعب؟ كيف أستسلم وهو لا يستسلم؟ كيف أضعف وهو يقاتل كل يوم؟
لاحظ أنجلو دندي، مدرب علي، هذا التغيير الواضح، وقال لاحقًا إن علي كان يتدرّب كأن شيئًا استولى على روحه.
كان يضرب وكأن كل لكمة يوجهها هي نيابة عن شخص لم يعد قادرًا على رفع قبضته، وكأن المعركة لم تعد تخصه وحده.
في الثلاثين من أكتوبر عام 1974، عند الرابعة فجرًا بتوقيت كينشاسا في زائير، فعل محمد علي ما اعتبره الجميع مستحيلًا.
باستراتيجية أطلق عليها اسم الحبال المرتخية، امتص ضربات جورج
فورمان القوية لسبع جولات شاقة بلا هوادة.
اتكأ على الحبال، تاركًا خصمه الأصغر والأقوى يرهق نفسه، بينما تنهال عليه الخطافات واللكمات الصاعدة والضربات الجسدية العنيفة.
كان معظم الرجال سيسقطون تحت تلك العاصفة، لكن علي احتمى، وصبر، وتحمل، وجعل الصمود سلاحه الأقوى في تلك الليلة.
ثم في الجولة الثامنة، حين ثقلت ذراعا فورمان وتعبت ساقاه، لمح علي اللحظة التي كان ينتظرها منذ شهور.
اندفع من فوق الحبال كأنه وُلد من جديد، وأطلق سلسلة ضربات دقيقة أطاحت بجورج فورمان أرضًا أمام دهشة العالم.
عدّ الحكم حتى العشرة، وانتهى النزال، وعاد محمد علي، في الثانية والثلاثين، بطلًا للعالم للوزن الثقيل رغم كل التوقعات.
انفجر ملعب كينشاسا احتفالًا، ستون ألف أفريقي يهتفون باسمه بجنون، بينما العالم كله يشاهد مذهولًا ما حدث.
لقد فعلها، العودة التي قالوا إنها مستحيلة أصبحت حقيقة، والانتصار الذي سخروا منه صار عنوانًا للتاريخ.
وسط الفوضى داخل الحلبة، والمراسلين الذين يصرخون بالأسئلة، ورفاقه الذين حملوه على الأكتاف، كانت أول فكرة واضحة في ذهنه عن بيلي.
في قمة أعظم انتصار في مسيرته، وبين الهتافات والتصفيق، تذكّر طفلًا صغيرًا في سرير مستشفى بعيد في أوهايو.
بعد أسبوع تقريبًا، تلقى جين كيلروي اتصالًا، كان والد بيلي على الطرف الآخر، وصوته يرتجف وهو ينطق بالكلمات.
قال بيلي توفي أمس. وشعر كيلروي بأن قلبه يهبط إلى قدميه، وهمس أنا آسف جدًا.
لكن الأب أكمل بصوت مكسور ممزوج بفخر بيلي شاهد النزال من غرفته في المستشفى لقد تابع كل جولة.
عندما فاز علي، كان بيلي في
غاية السعادة، رغم الألم الشديد الذي كان يمزقه، ظل يردد بصوت متعب لقد فعلها علي أوفى بوعده.
في اليوم التالي مباشرة، رحل بيلي بهدوء، وكأن روحه كانت تنتظر لحظة الانتصار لتطمئن قبل أن تغادر.
توقف الأب قليلًا وهو يحكي، ثم قال بصوت مكسور وضعنا تلك الصورة في نعشه، ومعها ملاحظة كتبنا فيها وعدكما.
أنت ستهزم السرطان، وأنا سأهزم جورج فورمان. كانت الكلمات الأخيرة التي أرادوا أن ترافقه في رحلته الأخيرة.
عندما أخبر جين كيلروي علي بالخبر، انهار البطل باكيًا، لم يكن بطل حلبة حينها، بل رجلًا مكسور القلب.
قال وسط دموعه لقد فعلتها من أجله كل لكمة كانت من أجل بيلي. فرد كيلروي بهدوء لقد شاهدك تفوز.
هز علي رأسه وقال بألم لكنه لم يهزم السرطان. فأجابه كيلروي بحزم دافئ بل هزمه بطريقته.
قاتل بشجاعة، لم يستسلم، شاهدك تنتصر قبل أن يرحل، وذلك كان انتصاره الحقيقي.
لأعوام طويلة بعد ذلك، احتفظ علي بصورة بيلي معلقة على جدار غرفة نومه، بعيدًا عن الأضواء والكاميرات.
لم يتحدث عنها علنًا، كانت لحظة خاصة، مقدسة، لا تُروى في المؤتمرات الصحفية، بل تُحفظ في القلب.
قال المقربون منه إن نزال زائير كان مختلفًا عن كل ما سبقه، لأنه لم يكن عن المجد أو اللقب.
كان عن وعد قطعه لرجل صغير يحتضر، وعد لا يحتمل الخيانة.
عندما سُئل عن معركة الأدغال وما الذي حفزه، كان يشير أحيانًا إلى صبي صغير آمن بي.
لم يذكر اسم بيلي أبدًا، لكن من عرف القصة فهم المقصود دون حاجة لتفاصيل.
في عام 2016، خلال جنازة محمد علي، روى جين كيلروي القصة علنًا للمرة الأولى أمام العالم.
أراد أن يعرف
الجميع أن أعظم انتصارات علي لم تكن ضد فورمان، بل في منحه الأمل لطفل يحتضر.
حضر والد بيلي، وقد أصبح شيخًا مسنًا، جنازة علي، وكان يحمل الصورة التي وُضعت في نعش ابنه قبل اثنين وأربعين عامًا.
قال لعائلة علي والدكم منح ابني الأمل في أيامه الأخيرة، جعله يشعر بأنه بطل، وذلك هو محمد علي الحقيقي.
تذكرنا هذه القصة أن العظمة لا تُقاس بالأحزمة والألقاب،
بل بالوعود التي نفي بها لمن هم في أمسّ الحاجة إلينا.
وعد علي طفلًا يحتضر أنه سيفوز، ولم يفز لأنه الأقوى فقط، بل لأنه حمل ذلك الطفل معه إلى الحلبة.
كانت كل لكمة من أجل بيلي، وكل جولة من أجل ابتسامة صغيرة في غرفة مستشفى بعيدة.
بيلي لم يهزم السرطان، لكنه منح علي سببًا للانتصار يتجاوز الشهرة والغرور.
منحه هدفًا، ومنحه معنى، بينما منح علي لبيلي الأمل، والكرامة، والشعور بأنه مهم في أيامه الأخيرة.
عُرضت الصورة في جنازة علي، فرأى الآلاف للمرة الأولى عملاقًا يحتضن طفلًا أصلع صغيرًا، وكلاهما يبتسم ويؤمن.
وُضعت تحتها عبارة كتبها علي يومًا خدمة الآخرين هي الإيجار الذي ندفعه مقابل وقتنا على هذه الأرض.
الصورة معلقة الآن في مركز محمد علي في لويفيل بولاية كنتاكي، يراها الآلاف كل عام.
كثيرون يقفون أمامها طويلًا، متأثرين بشيء لا يستطيعون تسميته، لكنه إحساس العظمة الحقيقية.
ليست عظمة الحزام الذهبي، بل عظمة وعد وُفي به لطفل يحتضر.
عظمة بطل فهم أن الخسارة لا تعني شيئًا إذا ربحت ما هو أهم.
أن تمنح الأمل لمن لم يعد يملك شيئًا سوى الأمل.
وإذا لامستك هذه القصة، فتذكروا أننا جميعًا نخوض معاركنا الخاصة،
وجميعنا نملك قدرة أن نمنح غيرنا قوة بكلمة ووعد صادق.

تم نسخ الرابط