بعد ثلاث سنوات من اختفاء زوجين داخل أخطر وديان جراند كانيون
بمرور الأشهر بدأ الاهتمام الإعلامي يتراجع، لكن كيت رفضت التخلي عن القضية، وانتقلت للعيش في فلاغستاف قرب الوادي.
كل أسبوع تقريبًا عادت إلى المسارات القريبة من وولف كريك، تمشي بين الصخور، تراقب الوديان، وتبحث عن أي أثر ضائع.
مرت ثلاث سنوات كاملة.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
في صباح الأول من سبتمبر عام 2017 وقف مجموعة سياح ألمان عند نقطة مشاهدة شهيرة تدعى ليبان بوينت.
أثناء التقاط الصور لمح أحدهم رجلاً يقف وحيدًا قرب حافة الجرف.
جسد نحيل للغاية.
لحية طويلة غير مهذبة.
ملابس ممزقة تغطي جسدًا أنهكه الجفاف.
اقترب الحراس بسرعة بعد البلاغ، وعندما وصلوا إلى الرجل أدركوا الحقيقة الصادمة.
ذلك الرجل… سيرين هيلز.
نُقل فورًا إلى مستشفى فلاغستاف، حيث كشف الفحص الطبي عن حالة جسدية مروعة.
جروح ملتهبة.
كسور قديمة في الأضلاع.
ندوب عميقة فوق الذراعين والظهر.
وعلامة حرق واضحة فوق الكتف… شكلها يشبه رمز العين نفسه الذي ظهر داخل دفتر ملاحظاته.
ظل سيرين صامتًا معظم الوقت.
الكلمات خرجت ببطء شديد، وكأنها تمر عبر ذاكرة مكسورة.
عندما دخلت كيت الغرفة أخيرًا، اقتربت منه وسألته بصوت مرتجف:
“أين سيلينا؟”
رفع عينيه بصعوبة وهمس بكلمتين فقط:
“لم أستطع إنقاذها… لقد أخذها.”
مع جلسات العلاج النفسي بدأت أجزاء متفرقة من القصة تظهر.
تحدث سيرين عن
رجل أطلق عليه اسم واحد فقط.
“صائد الظلال.”
وصف رجلاً يعيش داخل الأنفاق القديمة، يتتبع المتنزهين بصبر طويل قبل أن يهاجم ضحاياه في الأماكن المعزولة.
قاد سيرين السلطات إلى موقع مهجور يبعد خمسة عشر ميلاً شرق المخيم الأصلي.
ثكنات تعدين قديمة مهجورة منذ عقود.
داخل المكان عثر المحققون على صندوق معدني مخفي أسفل أحد الأسرّة الصدئة.
الصندوق احتوى على دفتر ملاحظات سيرين المفقود.
الصفحات امتلأت بعبارات غريبة تصف أضواء تتحرك ليلًا فوق الوادي، وشعورًا دائمًا بالمراقبة.
وفي الصفحة الأخيرة ظهر اسم موقع جديد.
“محجر الشيطان.”
انطلقت فرقة بحث تضم عملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي مع الحارس المخضرم إرنست ويلكنز نحو منطقة تعرف باسم المتاهة الحمراء.
منطقة تعدين زئبق قديمة… مليئة بالأنفاق السامة والانهيارات الخطرة.
خلال البحث التقى الفريق بناسك عجوز يعيش قرب الصخور، رجل يدعى جيك فاراداي.
عندما رأى صورة المشتبه به أطلق ضحكة قصيرة وقال:
“أعرف هذا الرجل… الناس هنا يسمونه الشبح.”
أشار نحو منجم قديم مهجور يحمل اسمًا غريبًا.
“الشبح الفضي.”
دخل الفريق المنجم بحذر شديد.
خلف الممرات المظلمة ظهر باب معدني مخفي يقود إلى غرفة واسعة مضاءة بمولد كهربائي صغير.
المشهد داخل الغرفة أوقف الجميع في أماكنهم.
الجدران مغطاة
صور لمتنزهين التُقطت من مسافات بعيدة.
وجوه مرعوبة.
أشخاص يجهلون أن عدسة خفية تراقبهم.
وسط الصور ظهرت صورتان واضحتان.
سيلينا.
وسيرين.
بجانب الصور ظهر دفتر آخر مليء بكتابات مشوهة تتحدث عن “تطهير الوادي” والدفاع عنه من الغرباء.
إحدى الصفحات حملت عبارة مرعبة.
“المكان الأخير… النهاية.”
وتحت العبارة ظهرت صورة لمنشأة قديمة فوق هضبة معزولة.
مرصد فلكي مهجور فوق بلاك ميسا.
خلال تفتيش المكان سُمع صوت حركة داخل النفق الخلفي.
ظهر رجل طويل فجأة محاولًا الهرب عبر ممر جانبي.
مطاردة قصيرة انتهت بإسقاطه أرضًا وتقييد يديه.
جيك فاراداي نظر إلى وجه الرجل طويلًا قبل أن يتجمد في مكانه.
“هذا… روبرت كتر.”
اسم قديم اختفى منذ خمسة عشر عامًا بعد انهيار أرضي قيل إنه أنهى حياته.
جيولوجي سابق تحول إلى شبح يعيش داخل الوادي.
عند تفتيش ملابسه ظهرت مفاجأة أخرى.
الحذاء الذي يرتديه… يخص سيرين.
داخل حقيبته الصغيرة عثر المحققون على دفتر ملاحظات آخر.
دفتر سيلينا.
الصفحة الأخيرة حملت تاريخًا واضحًا.
20 أغسطس 2017.
وكلمات قصيرة كتبت بخط مرتجف:
“سينقلني إلى المرصد الليلة.”
انقسم الفريق فورًا.
جزء نقل روبرت كتر إلى فلاغستاف تحت حراسة مشددة.
الجزء الآخر انطلق نحو بلاك ميسا.
بعد ساعتين من القيادة ظهرت قبة المرصد المهجور
الرياح تعصف حول المبنى القديم، بينما قادت آثار أقدام حديثة نحو المدخل.
داخل القاعة الرئيسية ظهرت الحقيقة أخيرًا.
سيلينا هارواي.
جسد هزيل مربوط إلى أنبوب معدني قرب الجدار.
العينان مفتوحتان… لكن الحياة ما زالت بداخلهما.
تم تحريرها بسرعة ونقلها إلى الخارج.
بصوت ضعيف شرحت ما حدث.
روبرت كتر آمن بفكرة جنونية؛ الوادي اختاره حارسًا له، مهمة مقدسة تمنع الغرباء من تدنيس الأرض.
احتجز سيلينا وسيرين لأشهر طويلة داخل الأنفاق.
عندما حاول سيرين الهرب تعرض للضرب بوحشية، ثم أُجبر على المغادرة تحت تهديد واضح.
“إذا عدت… تموت.”
التحقيق اللاحق كشف سلسلة مرعبة من الجرائم.
ستة عشر شخصًا على الأقل اختفوا في المنطقة خلال خمسة عشر عامًا.
صورهم ظهرت على جدران المنجم.
خلال المحاكمة وقف روبرت كتر صامتًا تمامًا.
الحكم صدر سريعًا.
ستة عشر حكمًا بالسجن المؤبد دون أي فرصة للإفراج.
بعد عام واحد عادت سيلينا لمراجعة الصور التي التقطتها في اليوم الأول من الرحلة.
في إحدى اللقطات البعيدة ظهر ظل صغير بين الصخور.
رجل يقف يراقبهما من مسافة بعيدة.
روبرت كتر بدأ ملاحقتهما منذ اللحظة الأولى.
ورغم الندوب التي حفرتها تلك الأيام في الذاكرة، اختارت سيلينا وسيرين طريقًا مختلفًا؛ لم تهربا من الوادي، ولم تسمحا للخوف بسرقة المكان الذي أحباه
عادت سيلينا إلى التصوير، لكن عدستها تغيّرت. لم تعد تبحث عن الجمال فقط، بل عن الحقيقة التي تختبئ خلف الصمت الطويل للصخور والوديان.
أما سيرين فكرّس وقته لتعليم المتنزهين دروس البقاء في البرية، محذرًا كل من يقترب من تلك المسارات أن الطبيعة لا ترحم من يستهين بها.
كل شروق شمس فوق جراند كانيون يذكّرهما بشيء واحد.
الحياة نجت بصعوبة.
لكن الوادي… ما زال يحتفظ بأسرار أخرى لم يكتشفها أحد بعد.