امرأة ترى كرسيًا مغطّى بالجلد في مزاد… فتكتشف بالصدفة لغز اختفاء عمّها
حضرت أمارة بينيت مزادًا لبيع ممتلكات قديمة في نيو أورلينز، دون أن تتخيل أن زيارة عادية بدافع الفضول ستقودها لاكتشاف صادم قد يحل لغز اختفاء عمها المفقود منذ سنوات طويلة.
كانت القطع المعروضة قادمة من منزل رعب شهير أُغلق بعد وفاة مالكه، المنزل الذي طالما جذب السياح بديكوراته المرعبة الواقعية، حتى بدا وكأنه يخفي أسرارًا حقيقية خلف جدرانه.
سارت أمارة بين الأثاث والديكورات القديمة ببطء، تراقب التفاصيل الغريبة حولها، حتى توقفت فجأة عندما وقع نظرها على كرسي مغطى بجلد بني قديم بدا مختلفًا عن كل شيء آخر.
اقتربت أكثر، بدافع فضول غامض لم تستطع تفسيره، ولاحظت شيئًا صغيرًا على مسند الذراع وشم صليب صغير محفور بوضوح داخل الجلد المتجعد الذي يغطي الكرسي.
تجمدت في مكانها عندما رأت على ظهر المقعد علامة مميزة تشبه وحمة جلدية، علامة تعرفها جيدًا لأن عمها ليون كان يحمل الوشم نفسه تمامًا، ونفس الوحمة أيضًا.
اختفى ليون قبل أربعة عشر عامًا دون أي أثر، ولم تعثر الشرطة يومًا على دليل واحد يفسر ما حدث له، حتى بدأت العائلة تعتقد أنه لن يعود أبدًا.
مدّت أمارة يدها ولمست الجلد ببطء، لكن الملمس كان غريبًا، مختلفًا عما يجب أن يكون عليه الجلد الصناعي أو الطبيعي، وكأن المادة التي تغطي الكرسي ليست جلدًا حقيقيًا.
في تلك اللحظة أدركت أن شيئًا مرعبًا للغاية قد يكون أمامها، فاتصلت بالشرطة فورًا، وعندما وصل الضباط واكتشفوا الحقيقة، تغيّر كل شيء إلى الأبد.
كان ذلك في نيو أورلينز بولاية لويزيانا، في الخامس عشر من أكتوبر عام 2015، عندما شقت أمارة طريقها بين الحشود المتجمعة أمام قصر بلاكوود القديم.
كان العرض التمهيدي للمزاد مزدحمًا بالسكان المحليين وتجار التحف وهواة جمع تذكارات الرعب، فجميعهم أرادوا قطعة من أشهر منزل رعب في المدينة قبل اختفائه للأبد.
ظل قصر بلاكوود جزءًا من الحي الفرنسي لأكثر من عشرين عامًا، ومنذ عام 1995 وحتى 2015 مرّ آلاف السياح عبر ممراته كل موسم هالوين بحثًا عن تجربة رعب واقعية.
كان القصر مشهورًا بكونه أكثر منزل رعب واقعي في الجنوب، حيث بدت الدعائم والديكورات فيه حقيقية لدرجة جعلت الزوار يصرخون خوفًا معتقدين أنهم يواجهون شيئًا حيًا.
لكن مالكه جيرالد ثورنتون توفي مؤخرًا، ولهذا تقرر بيع كل ما بداخله في مزاد علني، من الأثاث والديكورات وحتى الدعائم التي صنعت سمعة المكان المرعبة.
تحرّكت أمارة إلى جانب الكرسي، ومرّرت يدها ببطء فوق ظهره. بدا الملمس غريبًا وغير مألوف. ليس كجلد عادي. أكثر نعومة ومرونة، وكأن المادة تستجيب للمس بطريقة غير طبيعية.
اقتربت قليلًا لتفحص مسند الذراع، وما إن وقع بصرها على تفصيلة صغيرة فوق السطح حتى توقّفت أفكارها فجأة، وتجمّد كل شيء حولها في لحظة صادمة.
فوق مادة مسند الذراع ظهر وشم صغير باهت قليلًا، لكنه واضح بجلاء. صليب بسيط مرسوم بحبر أسود تحوّل مع مرور الأعوام إلى لون أزرق رمادي خفيف.
الوشم نفسه تمامًا الذي يحمله عمّها ليون.
تسارعت ضربات قلب أمارة بعنف، وارتفع خفق الدم داخل أذنيها. انحنت أقرب، ومدّت أصابع مرتجفة تلامس المسند، محاولة التأكد مما تراه عيناها.
الملمس خاطئ تمامًا. أكثر ليونة مما ينبغي. أكثر دفئًا ومرونة من أي جلد طبيعي أو صناعي يمكن أن يغطي قطعة أثاث عادية.
اندفعت إلى ذاكرتها صورة قديمة. عمّها ليون يرفع كمّ قميصه عندما بلغت السادسة، ويبتسم بينما يريها الوشم الصغير فوق ذراعه.
أخبرها يومها أن الوشم حصل عليه أثناء خدمته العسكرية، وأن الصليب يذكّره بإيمانه ويمنحه شعورًا بالأمان حتى في أحلك اللحظات التي واجهها.
قال لها مبتسمًا وهو يشير إلى الصليب الصغير
أترين هذا يا أمارة؟ يذكّرني بأنني لست وحدي حتى في أشد الأماكن ظلمة.
الوشم فوق مسند الكرسي مطابق تمامًا. الحجم ذاته، الموضع ذاته،
تحرّكت ببطء نحو ظهر المقعد لتفحصه عن قرب، بينما ارتجفت يداها بقوة حتى كادت تفقد قدرتها على الثبات.
في الجزء العلوي الأيمن من التنجيد ظهرت علامة داكنة غير منتظمة الشكل، تشبه خريطة قارة صغيرة مرسومة فوق سطح أفتح لونًا.
وحمة مميّزة للغاية.
الوحمة نفسها التي يحملها عمّها ليون فوق ظهره.
رأتها مرات لا تحصى خلال طفولتها؛ في حفلات الشواء الصيفية عندما يخلع قميصه، وفي لحظات السباحة داخل مسبح ابن عمّها، وفي الصور العائلية القديمة.
بعد اختفاء ليون، اعتادت والدتها الجلوس معها لساعات طويلة تقلب تلك الصور، وتشير إلى كل تفصيلة في ملامحه؛ ابتسامته الهادئة، والندبة الصغيرة فوق ركبته.
وتلك الوحمة تحديدًا.
دائمًا تلك الوحمة المميّزة التي لا يمكن الخلط بينها وبين أي علامة أخرى.
بدأت رؤية أمارة تتشوش، وتحول تنفسها إلى أنفاس قصيرة متقطعة.
تأملت الكرسي كاملًا هذه المرة؛ الجلد الذي يغطيه، الوصلات التي تجمع أجزائه، الوجوه المشدودة داخل المادة، والخياطات التي تلتقي عندها القطع المختلفة.
الحقيقة ظهرت أمامها بوضوح مرعب.
هذا ليس جلدًا.
هذه مادة عضوية.
هذا هو
هو.
عمّها ليون.
العم الذي اختفى قبل أربعة عشر عامًا، عندما بلغت أمارة الثامنة من عمرها.
العم الذي واصلت والدتها البحث عنه طوال تلك السنوات دون توقف.
العم الذي علقت صورته ضمن قائمة المفقودين في غرفة المعيشة، إلى جوار صوره القديمة وهو يرتدي الزي العسكري.
العم الذي لم تتوقف العائلة عن البحث عنه يومًا.
العم الذي أقيمت له جنازة بصندوق فارغ لأن أحدًا لم يعثر على جثمانه.
طوال تلك الأعوام ظل موجودًا هنا.
تحوّل إلى قطعة أثاث.
تحوّل إلى جزء من منزل للرعب.
تحوّل إلى شيء يجلس عليه الناس دون أن يعرفوا الحقيقة.
انطلقت صرخة أمارة من أعماق صدرها، صعدت عبر حلقها بقوة، ثم انفجرت فجأة داخل قاعة المعاينة الخاصة بالمزاد، فارتد صداها عبر السقوف العالية.
تلاشى همس الحضور فورًا، وتوقفت الأحاديث في اللحظة نفسها، بينما التفت الجميع نحو مصدر الصوت، يحدقون بذهول في الشابة التي تقف أمام الكرسي.
صرخت مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، دون قدرة على التوقف. اختنق تنفسها، واضطرب تفكيرها، ولم يبقَ في ذهنها سوى حقيقة واحدة مرعبة.
عمّها ليون أصبح هذا الكرسي.
كادت تلمسه بطمأنينة. كادت تجلس عليه. كادت تتعامل معه كقطعة أثاث عادية.
اندفع موظفو المزاد نحوها من كل اتجاه؛ حراس الأمن، ومديرة المزاد ناتالي كرين، وعدد من الحاضرين الذين تراجعوا بقلق أمام صرخاتها المتواصلة.
اقترب أحد الموظفين بسرعة وسأل بقلق واضح
سيدتي، هل أنت بخير؟ هل أصابك أحد بأذى؟ هل تعرّضتِ لاعتداء؟
عجزت أمارة عن الإجابة. الكلمات رفضت الخروج. اكتفت بالإشارة إلى الكرسي بيد مرتجفة، بينما ارتجف جسدها بالكامل وانهمرت الدموع فوق خديها.
انحنت ناتالي بجانبها، ونظرت إليها بقلق شديد، ثم سألت بنبرة هادئة محاولة تهدئتها
سيدتي، ما الذي حدث؟ ما المشكلة؟
بعد لحظات طويلة استطاعت أمارة استعادة صوتها أخيرًا.
قالت بصوت متقطع
هذا عمّي هذا ليون هذا وشمه وهذه وحمته هذا هو.
نظرت ناتالي إلى الكرسي، ثم عادت بعينيها إلى أمارة، وتحوّل تعبير وجهها من القلق إلى ارتباك واضح.
قالت بهدوء محاولة التفسير
لا أفهم. هذا مجرد كرسي قطعة دعائية من منزل الرعب. ليس
قاطعتها أمارة بسرعة
انظري إلى مسند الذراع.
أمسكت بذراع ناتالي وسحبتها أقرب إلى الكرسي.
قالت بإصرار
أترين هذا الوشم؟ هذا الصليب؟ هذا وشم عمّي ليون. حصل عليه أثناء خدمته العسكرية.
ثم أشارت إلى ظهر المقعد وأضافت بصوت مرتجف
وانظري هنا هذه الوحمة. إنها وحمته بالضبط. رأيتها طوال حياتي. هذا هو هذا عمّي.
اقتربت ناتالي أكثر لتفحص الكرسي بعناية. رأت الوشم. رأت الوحمة. لاحظت دقتهما
قالت بعد لحظة تردد
أفهم أن هذه الدعائم قد تبدو واقعية للغاية، وهذا ما منح بلاكوود مانور شهرته لكن هذا مجرد تنجيد صُمّم ليبدو مزعجًا.
أضافت محاولة التهدئة
الوشم والوحمة ربما مجرد
قاطعتها أمارة بصوت أقوى هذه المرة، ممتلئ باليأس
لا.
تابعت بسرعة
عمّي ليون بينيت اختفى عام 2001. قبل أربعة عشر عامًا. بلغتُ آنذاك ثماني سنوات. والدتي تبحث عنه منذ ذلك اليوم.
واصلت كلماتها تتدفق بانفعال
قدّمنا بلاغات اختفاء. استأجرنا محققين. علّقنا ملصقات في الشوارع. اتصلنا بالملاجئ والمستشفيات وحتى المشارح.
توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت مكسور
لم نتوقف عن البحث يومًا.
مدّت يدها ولمست مسند الذراع مجددًا، مجبرة نفسها على ذلك رغم أن كل غريزة داخلها تصرخ مطالبة بالابتعاد.
قالت بصوت منخفض
وهو هنا ظل هنا طوال هذا الوقت.
رفعت عينيها نحو ناتالي، وقد امتلأتا بالرجاء.
قالت برجاء واضح
المسيه من فضلك. المسِيه فقط، ثم أخبريني إن كان هذا يبدو كجلد.
ترددت ناتالي لحظة، ثم مدّت يدها ببطء، ووضعت كفها فوق مسند الذراع حيث يظهر الوشم بوضوح.
سحبت يدها فورًا وكأنها لمست شيئًا صادمًا.
قالت بارتباك واضح
هذا هذا غير طبيعي.
همست أمارة بصوت مرتجف
لا يبدو كجلد لأنه ليس جلدًا.
ثم أضافت بالكاد قادرة على النطق
إنه إنه هو. مادة عضوية. هذا الكرسي مغطى بعمّي.
ظلّت كلماتها معلّقة في الهواء.
بدأ الحاضرون يتجمعون حولهما بصمت ثقيل، ينظرون إلى الكرسي بعيون امتلأت فجأة بالذعر.
وقفت ناتالي ببطء، وقد شحب وجهها.
قالت بحزم
يجب الاتصال بالشرطة فورًا.
ثم رفعت صوتها موجهة حديثها للحضور
الرجاء الابتعاد عن هذه القطعة. لا يلمس أحد أي شيء.
أخرجت هاتفها بسرعة وبدأت الاتصال.
وخلال حديثها مع خدمات الطوارئ، أخرجت أمارة هاتفها الخاص، بينما ما زالت يداها ترتجفان، واتصلت بوالدتها.
رن الهاتف مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وأخيرًا جاء الصوت المألوف عبر السماعة
مرحبًا؟
صوت والدتها صوت مألوف يمنح الأمان.
وفي تلك اللحظة انهارت أمارة باكية من جديد.
قالت أمارة بصوت مرتجف عبر الهاتف
أمي أمي، يجب أن تأتي إلى هنا فورًا. من فضلك.
جاء صوت والدتها سريعًا، مليئًا بالقلق
أمارة؟ عزيزتي، ما الذي حدث؟ هل أصابك مكروه؟
ردت أمارة بصعوبة
أنا في مزاد بلاكوود مانور.
توقفت لحظة، ثم تابعت بعد أن صفّت حلقها.
منزل الرعب القديم أمي، لقد وجدته. وجدتُ العم ليون.
ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر من الخط.
ثم ارتفع صوت والدتها فجأة، مشحونًا بصدمة عميقة.
ماذا؟ أمارة، عمّ تتحدثين؟ ماذا تعنين بأنك وجدتِه؟
قالت أمارة بسرعة، ودموعها تتساقط
وشمه يا أمي الصليب. والوحمة أيضًا. كلاهما هنا فوق كرسي. أرجوك تعالي فقط. أرجوك أحتاجك هنا.
جاء الرد دون تردد
أنا في الطريق. لا تتحركي من مكانك. سأصل فورًا.
أنهت أمارة المكالمة، ثم جلست على الأرض، وعيناها مثبتتان على الكرسي.
على العم ليون.
على الشيء الذي حُوّل إليه.
في الجهة الأخرى وقفت ناتالي تتصل بشخص آخر، خبير التقييم الذي تولّى فهرسة الأثاث قبل المزاد.
بدأ بعض الحاضرين مغادرة المكان. شعور ثقيل بعدم الارتياح سيطر عليهم، وإدراك غامض بأن أمرًا مرعبًا يتكشف أمام أعينهم.
بقي قلة منهم. فضول شديد، ورعب واضح، وعدم قدرة على صرف النظر عمّا يحدث.
لم تتحرك أمارة.
جلست على الأرض تحدق في الكرسي فقط.
تحاول التوفيق بين ما تراه عيناها وبين الحقيقة التي يدركها عقلها.
العم ليون ميت.
مرّ على موته أربعة عشر عامًا.
وشخص ما فعل به هذا.
حوّله إلى قطعة أثاث.
إلى دعامة داخل منزل للرعب.
إلى شيء يجلس عليه الناس ويعجبون بدقته ويصفونه بالواقعي.
تخيلت أمارة عدد الأشخاص الذين لا بد أنهم لمسوا هذا الكرسي.
جلسوا عليه.
أشادوا بحرفته.
أثنوا على تفاصيله الدقيقة.
دون أن يعرفوا هوية ما يلمسون.
دون أن يدركوا أنهم يلمسون حياة مسروقة.
تلك الفكرة قلبت معدتها رأسًا على عقب.
انحنت إلى الأمام، وتقيأت على أرضية القاعة.
اندفع أحد الموظفين نحوها حاملاً مناديل ورقية.
لوّحت أمارة بيدها رافضة.
لا قدرة لديها على تقبل المواساة الآن.
ولا على قبول أي مساعدة.
كل ما تستطيع فعله الجلوس والتحديق والانتظار حتى تصل والدتها.
وصلت روشيل بينيت بعد ثلاثين دقيقة.
اندفعت عبر أبواب قاعة المزاد بسرعة، ورأت أمارة جالسة على الأرض، فركضت نحوها واحتضنت ابنتها بقوة.
سألت بصوت مرتجف
أين هو؟ أين ليون؟
رفعت أمارة يدها وأشارت إلى الكرسي دون أن تنطق بكلمة.
وقفت روشيل ببطء.
سارت نحو الكرسي بخطوات حذرة، كأنها تقترب من حيوان مفترس.
الخوف والحذر يسيطران على كل حركة.
بلغ عمرها اثنين وأربعين عامًا.
تكبر ليون بست سنوات.
شاركت في تربيته بعد رحيل والدهما.
شهدت تخرجه في المدرسة الثانوية.
شهدت التحاقه بالجيش.
شهدت سفره إلى الحرب.
شهدت عودته مختلفًا.
شهدت صراعه مع الحياة.
شهدت سقوطه في الشارع.
ثم شهدت اختفاءه.
على مدى أربعة عشر عامًا كرّست روشيل حياتها للبحث عنه.
استنزف الأمر كل لحظة فراغ.
كل دولار تملكه.
كل ذرة أمل بقيت داخل قلبها.
قدمت تقارير للشرطة شهرًا بعد شهر.
اتصلت بكل مأوى في المدينة.
زارت المستشفيات.
راجعت المشارح.
تابعت كل بلاغ عن رؤيته.
كل إشاعة.
كل خيط محتمل.
طالبتها الشرطة بالتوقف.
قالوا إن ليون رجل بالغ، وله الحق في الاختفاء إن أراد.
أخبروها أن المشردين يتنقلون كثيرًا، وربما انتقل إلى مدينة أخرى.
طلبوا منها تقبل الأمر والمضي في حياتها.
لكنها رفضت.
لم تستطع التوقف.
لأن ليون لن يرحل هكذا.
لن يختفي دون كلمة.
لن يغادر دون وداع.
لطالما شعرت بأن أمرًا سيئًا حدث.
إحساس عميق يسكن العظام والقلب، ذلك الإحساس الذي تعرفه الأمهات والأخوات عندما يفقدن شخصًا عزيزًا.
لكنها لم تتخيل هذا.
لم يخطر لها يومًا مثل هذا المصير.
وقفت الآن أمام الكرسي.
تحدق في مسند الذراع.
في وشم الصليب الصغير الذي رأت ليون يحصل عليه عندما بلغ التاسعة عشرة.
تذكرت مرافقتها له إلى محل الوشم.
تذكرت إمساكها بيده بينما يعمل الفنان.
تذكرت حديثه عن معنى ذلك الرمز بالنسبة له.
رفعت نظرها إلى ظهر المقعد.
إلى الوحمة التي رأتها ألف مرة.
الوحمة الموجودة منذ ولادته.
الوحمة التي اعتادت والدتهما تقبيلها عندما كان طفلًا.
الوحمة التي سخرت منه روشيل بسببها في طفولتهما.
همست بصوت مكسور
هذا ليون يا إلهي يا إلهي هذا أخي الصغير.
انهارت ساقاها فجأة.
وسقطت.
أمسكت بها أمارة قبل أن ترتطم بالأرض.
جلست المرأتان الآن على الأرض.
تحتضن كل منهما الأخرى.
تبكيان.
وقفت ناتالي بالقرب منهما، الهاتف في يدها، عاجزة عن معرفة ما يجب فعله.
الشرطة في الطريق.
خبير التقييم في الطريق أيضًا.
لكن اللحظة امتلأت بشيء واحد فقط.
الحزن.
الرعب.
والإدراك المرعب لما حدث.
أرسل الموظفون بقية الحاضرين إلى الخارج.
أُغلق المزاد.
وأُغلقت الأبواب.
ساد الصمت داخل القصر.
صمت لا يقطعه سوى صوت بكاء روشيل وأمارة.
وصل كيرتس هايز بعد خمسة عشر دقيقة، خبير تحف محترف يبلغ الخامسة والثلاثين من العمر، استأجره غريغوري سوليفان، المالك الجديد لممتلكات ثورنتون، لتوثيق جميع القطع وتصويرها تمهيدًا لعرضها في المزاد.
فحص كيرتس هذا الكرسي قبل ثلاثة أيام فقط، جلس عليه، ومرّر يديه فوق التنجيد بعناية، وتأمل الحرفة الدقيقة، ثم دوّن ملاحظات عن حالته وقيمته التقديرية، والتقط له صورًا متعددة للكتالوج.
سجّل القطعة في تقريره تحت وصف مختصر يقول
كرسي بذراعين على الطراز الفيكتوري، تنجيد غير مألوف، تصميم قوطي، زخارف لوجوه بارزة، حالة جيدة، وقيمة تقديرية تتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف دولار.
الآن شرحت ناتالي له الموقف بالكامل، وأشارت إلى الوشم فوق مسند
تبدّل لون وجه كيرتس تدريجيًا حتى غدا شاحبًا بصورة واضحة.
اقترب من الكرسي ببطء شديد، ثم جثا إلى جواره، وبدأ يفحص التنجيد بعناية خبير اعتاد ملاحظة أدق