كان هناك رجل مجنون يتجول دائمًا في شوارع الحي
حاوية قمامة صدئة، ممسكاً بعلبة معدنية قديمة، رأسه منحني وعيناه ثابتتان على الأرض، كأنه يحاول الاختفاء عن العالم.
وفي اللحظة التي لمحني فيها، رفع رأسه ببطء ثم نهض على الفور، كأن ظهوري لم يكن مفاجأة له أبداً.
قال بصوت منخفض لكنه واضح تماماً
كنت أعرف أنك ستأتين.
هذه المرة لم يكن يصرخ، ولم يكن صوته مليئاً بالجنون كما في المرة الأولى، بل بدا هادئاً بشكل غريب.
ابتلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بتوتر يسري في صدري.
سألته مباشرة
لماذا تقول إنك والد طفلي؟
لم يجب فوراً.
ظل ينظر إلى بطني لبضع ثوانٍ طويلة، وكأنه يفكر في شيء عميق، ثم رفع رأسه ببطء وحدق مباشرة في عيني.
قال بهدوء
لم أقل إنني والد الطفل لأنني كنت معك بل قلت ذلك لأنني صليت من أجلك.
تجمدت في مكاني.
لم أفهم ما الذي يقصده.
قلت مرتبكة
ماذا تعني؟
تنهد قليلاً، ثم تابع كلامه بصوت هادئ.
قال
لقد بكيتِ خمس سنوات كاملة. خمس سنوات كنتِ تمشين في هذا الشارع كل ليلة تقريباً،
ثم أضاف وهو يشير ببطء إلى الشارع الطويل خلفي
لقد رأيتكِ.
شعرت بقشعريرة قوية تسري في جسدي.
كيف يمكنه أن يعرف ذلك؟
لم أخبر أحداً تقريباً بتلك اللحظات التي كنت أقضيها وحدي في الليل.
ثم أشار بيده إلى موقف الحافلات القديم أمام الكنيسة القريبة وقال
أنام هناك. منذ سنوات.
صمت قليلاً، ثم تابع كلامه.
كنت أسمع صلواتك كل ليلة تقريباً. كنت أسمع صوتك المرتجف وأنتِ تبكين وتطلبين من الله أن يمنحك طفلاً.
خفض رأسه للحظة قبل أن يكمل.
ليس لدي عائلة. لا زوجة، ولا أطفال، ولا أحد ينتظرني في هذا العالم.
ثم رفع نظره نحوي مرة أخرى.
ولهذا، كل ليلة تقريباً، عندما كنت أسمعك تبكين كنت أقول لله
إذا لم تمنحني أنا طفلاً فامنحها هي واحداً.
امتلأت عيناي بالدموع فوراً.
لم أكن أعرف ماذا أقول.
همس قائلاً بصوت خافت
لهذا عندما أقول إن هذا الطفل ابني لا أعني أنني والده الحقيقي، بل أعني أنني صليت
لم أشعر متى بدأت دموعي تنهمر على وجهي.
كان هناك شيء صادق في كلماته جعل قلبي يرتجف.
سألته بصوت مرتعش
لكن لماذا صرخت بذلك في الشارع أمام الجميع؟
ابتسم ابتسامة خفيفة متعبة.
وقال
لأن لا أحد يستمع إلى كلام المجانين. لكنني أردت أن يسمع أهل السماء أن الله قد استجاب أخيراً.
في تلك اللحظة فقط نظرت إليه بطريقة مختلفة تماماً.
لم أعد أراه رجلاً مجنوناً يتجول في الشوارع.
بل رأيت رجلاً جريحاً يحمل ألماً طويلاً لا يراه أحد.
سألته بلطف هذه المرة
ما اسمك؟
أجاب بهدوء
غابرييل.
في اليوم التالي عدت إلى نفس المكان، لكن هذه المرة لم أكن وحدي.
اصطحبت زوجي دانيال معي، وأحضرنا معنا طعاماً ساخناً وبعض الملابس النظيفة.
كان دانيال متفاجئاً جداً عندما سمع القصة كاملة.
بقينا نحن الثلاثة واقفين هناك للحظات طويلة في صمت.
ثم تحدث زوجي أخيراً.
قال بهدوء وهو ينظر إلى غابرييل
أنت لست والد طفلنا لكنك كنت جزءاً من هذه المعجزة.
ولأول مرة رأيت الدموع تسقط من عيني غابرييل.
بعد عدة أشهر أنجبت طفلاً ذكراً بصحة جيدة.
وعندما جاء وقت اختيار اسمه، لم أتردد.
أسميناه
غابرييل دانيال هيرنانديز.
عندما سمع غابرييل ذلك الاسم لأول مرة، سقط على ركبتيه خارج المستشفى.
لم يقل شيئاً.
فقط رفع رأسه نحو السماء وشكر الله بصمت.
لم نتمكن من تبنيه.
ولم نستطع تغيير حياته بالكامل بين ليلة وضحاها.
لكننا بدأنا نفعل ما نستطيع.
ساعدناه في الانتقال إلى ملجأ، وساعدناه في الحصول على علاج طبي، ومع مرور الوقت بدأ النور يعود ببطء إلى عينيه.
وفي تلك اللحظة فهمت أخيراً الإجابة التي كنت أبحث عنها.
لم يكن رجلاً مجنوناً يريد تدمير حياتي.
بل كان إنساناً استخدمه الله ليذكرني بأن كل صلاة لا تكون وحدها أبداً.
ففي كل دعاء نرفعه إلى السماء هناك قلوب خفية تصلي معنا دون أن نعرف.
وأحياناً يكون الأشخاص الذين نظن أنهم الأبعد عنا
الفقراء، المتعبون، والذين يسميهم العالم مجانين
هم الذين
العبرة من القصة
لا تحكم على الناس من مظهرهم.
فبعض الأرواح المكسورة تحمل إيماناً أعمق بكثير مما نتخيل.
والمعجزات لا تأتي فقط من صلواتنا
بل أحياناً تكون ثمرة قلوب أخرى انضمت إلى أملنا بصمت.