كنت تخرجت حديثًا من كلية الاقتصاد لكن جيبي كان فارغًا تقريبًا

لمحة نيوز

تخرجت للتو من الجامعة بشهادة في الاقتصاد، لكن مدخراتي كانت شبه معدومة تماماً، لذلك لم يكن أمامي خيار سوى استئجار غرفة صغيرة قديمة مقابل خمسمئة درهم فقط شهرياً.

كنت أعلم أن السعر منخفض بشكل مريب، لكن وضعي المالي لم يسمح لي بالتفكير كثيراً، فقد كنت أحتاج فقط إلى مكان أنام فيه وأضع حقيبتي وأبحث منه عن عمل.

بعد عدة أيام من البحث المتعب، وجدت الغرفة أخيراً في زقاق ضيق داخل حي قديم هادئ، حيث بدت المنازل متلاصقة وكأنها تحمل سنوات طويلة من الرطوبة.

عندما وصلت إلى المنزل للمرة الأولى، أدركت فوراً سبب السعر المنخفض، فالمكان كان قديماً للغاية، والجدران مغطاة ببقع العفن، والسقف الخشبي يصدر صريراً خفيفاً مع كل حركة.

كان الهواء داخل الغرفة ثقيلاً، يحمل تلك الرائحة الرطبة التي تتكون عندما يبقى المنزل مغلقاً سنوات طويلة دون تهوية أو عناية.

استقبلتني صاحبة المنزل، وهي امرأة في الستينيات تقريباً، بابتسامة هادئة وصوت لطيف، وقالت إن الغرفة كانت مهجورة منذ زمن طويل، ولهذا بدت متسخة إلى هذا الحد.

أخبرتني أيضاً أن الحي هادئ جداً، وأنني سأشعر بالراحة بعد تنظيف الغرفة قليلاً، ثم تركتني لأبدأ ترتيب المكان كما أستطيع.

قضيت عدة ساعات في تنظيف الأرضية ومسح الغبار وإزالة بعض الأشياء القديمة، حتى أصبحت الغرفة على الأقل صالحة للنوم والعمل المؤقت.

خلف المنزل كان هناك فناء صغير مهمل، تنتشر فيه نباتات جافة وبعض الأواني القديمة التي بدت وكأن أحداً لم يلمسها منذ شهور طويلة.

في إحدى الزوايا لاحظت أصيصاً قديماً يقف وحيداً، بداخله شجرة بلوميريا ملتوية وفروعها شبه خالية من الأوراق، بينما بدت التربة جافة تماماً كأن الماء لم يصلها منذ زمن.

لم أعطِ الأمر أهمية كبيرة في البداية، فقد كنت متعباً من يوم الانتقال الطويل، وكل ما أردته هو الاستحمام والنوم

استعداداً ليوم جديد من البحث عن عمل.

لكن في تلك الليلة الأولى، بدأت أفهم لماذا كان الإيجار منخفضاً إلى هذا الحد.

حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وبينما كنت شبه نائم على السرير، سمعت صوتاً خفيفاً قادماً من الفناء الخلفي.

طقطقة… طقطقة…

فتحت عيني فجأة، وبدأ قلبي ينبض بسرعة، بينما حاولت التركيز لمعرفة مصدر الصوت في ذلك الهدوء الليلي الغريب.

تساءلت إن كانت الرياح تحرك شيئاً في الخارج، أو ربما كانت قطة تتجول بين النباتات المهملة في الفناء.

لكن الصوت تكرر مرة أخرى، وكأنه طرق خفيف على الباب الخلفي.

حاولت إقناع نفسي أن الأمر طبيعي، فالمنازل القديمة تصدر أصواتاً غريبة أحياناً بسبب الرياح أو تغير درجات الحرارة أثناء الليل.

لذلك استدرت على السرير وحاولت تجاهل الأمر والعودة إلى النوم.

لكن بعد ساعتين تقريباً، عاد الصوت من جديد.

هذه المرة كان مختلفاً قليلاً.

بعد الطقطقة، سمعت صوتاً آخر بطيئاً وثقيلاً.

تنهيدة طويلة.

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري، لكنني حاولت تهدئة نفسي مرة أخرى.

قلت في داخلي إن المنزل قديم جداً، وربما تتسلل الرياح عبر الشقوق الخشبية وتصدر تلك الأصوات الغريبة.

لم أكن أريد أن أبدو شخصاً يخاف بسهولة، خاصة أنني لم أكن أملك المال للانتقال إلى مكان آخر.

في صباح اليوم التالي قررت أن أتفقد الفناء الخلفي بهدوء، ربما كان الباب الخلفي مرتخياً أو أحد المفصلات يحتاج إلى تثبيت.

عندما خرجت إلى الفناء، بدا كل شيء طبيعياً تماماً.

لم تكن هناك أي آثار لشخص دخل المكان، ولم ألاحظ شيئاً غير معتاد بين النباتات.

لكن شيئاً واحداً فقط جذب انتباهي.

شجرة البلوميريا القديمة التي رأيتها في الليلة الماضية لم تكن في نفس وضعها.

كان الأصيص مائلاً قليلاً إلى أحد الجانبين، وكأن شخصاً ما دفعه أثناء الليل

دون أن أنتبه.

وقفت أحدق فيه لبضع ثوانٍ، محاولاً تذكر شكله في الليلة السابقة.

كان التراب الجاف متناثراً حوله، كما لو أن الأصيص تحرك قليلاً فوق الأرض.

شعرت بذلك الإحساس الغريب الذي ينتاب الإنسان عندما يشعر أن شيئاً ما في المكان ليس في موضعه الصحيح تماماً.

انحنيت ببطء بالقرب من الأصيص المائل.

كان هناك شيء صلب مدفون تحت التربة الجافة مباشرة.

بدأت أزيل التراب بحذر بيدي، بينما كان قلبي ينبض بسرعة متزايدة دون أن أعرف السبب.

وبعد لحظات قصيرة، ظهر أمامي شيء لم أكن أتوقعه أبداً.

كان صندوقاً معدنياً صغيراً صدئاً، بحجم كتاب تقريباً، مدفوناً تحت الأصيص القديم.

رفعت الصندوق ببطء من الأرض.

ونظرت حولي في الفناء الصامت، وكأنني شعرت فجأة بأن أحداً قد يكون يراقبني من نافذة مظلمة في المنزل القديم.

لكن الزقاق ظل صامتاً تماماً.

فتحت الصندوق ببطء.

وفي الداخل وجدت عدة أشياء ملفوفة بقطعة قماش قديمة اصفر لونها مع مرور السنوات الطويلة.

أول ما ظهر أمامي كان لعبة صغيرة.

سيارة بلاستيكية حمراء قديمة.

وبجانبها كانت هناك صورة فوتوغرافية.

عندما نظرت إليها جيداً، شعرت بأن شيئاً بارداً مرّ في صدري.

كانت الصورة تُظهر امرأة شابة تعانق طفلاً صغيراً في الفناء نفسه الذي كنت أقف فيه الآن.

نفس الجدار القديم خلفهما.

نفس الساحة.

نفس المكان تماماً.

لكن أكثر ما جعلني أتجمد في مكاني…

كان ما وجدته أسفل الصورة مباشرة.

رسالة قديمة مطوية عدة مرات.

كانت الورقة قديمة وهشة، لكن الكلمات ما زالت واضحة بما يكفي للقراءة، وكأن صاحبها كتبها منذ زمن طويل وهو يعلم أن أحدهم سيعثر عليها يوماً ما.

فتحت الرسالة ببطء، وبدأت أقرأ.

"إلى ابني… إذا وجدت هذه الرسالة يوماً ما، فهذا يعني أنك عدت إلى المنزل أخيراً."

توقفت لثوانٍ،

وشعرت بشيء ثقيل يستقر في صدري بينما واصلت القراءة بصمت داخل الفناء الهادئ.

"إذا لم أكن هنا عندما تعود، أريدك أن تعلم أنني أحببتك في كل يوم من حياتي، مهما قال الناس ومهما حدث بيننا."

كان خط اليد غير مستقر قليلاً، وكأن الرسالة كُتبت بيد مرتجفة تحمل الكثير من الحزن والانتظار.

تابعت القراءة.

"رحل والدك عندما كنت صغيراً جداً. وعدنا أنه سيعود يوماً، لكن الأيام مرت ولم يعد أبداً."

توقفت الرياح للحظة، وكأن الفناء كله أصبح يستمع إلى تلك الكلمات القديمة.

"لكن رغم ذلك، كنت دائماً تؤمن أنه سيعود، وكنت تقول إنك ستذهب يوماً للبحث عنه."

شعرت بانقباض في صدري وأنا أواصل قراءة السطور التالية.

"في أحد الأيام خرجت للبحث عنه. كنت في العاشرة فقط عندما قلت إنك ذاهب إلى محطة الحافلات لأن أحدهم أخبرك أنه رآه هناك."

تجمدت يدي للحظة فوق الورقة.

ثم قرأت الجملة التالية ببطء.

"لكن منذ ذلك اليوم… لم تعد أبداً."

مرت قشعريرة باردة في جسدي كله، بينما أكملت السطر الأخير من الرسالة.

"لقد انتظرتك كل يوم منذ ذلك الحين. كل ليلة أسمع خطوات في الفناء وأظن أنك عدت أخيراً."

رفعت عيني عن الورقة للحظة.

كان الفناء صامتاً تماماً.

حتى الهواء بدا ساكناً.

تابعت قراءة النهاية.

"لهذا دفنت هذا الصندوق هنا. لأنني أعلم أنك ستعود يوماً ما إلى المنزل."

ثم السطر الأخير.

"مع حبي… أمك."

خفضت الرسالة ببطء.

كان الصمت في الفناء ثقيلاً بطريقة غريبة، وكأن السنوات الأربعين التي مرت منذ كتابة تلك الكلمات ما زالت معلقة في الهواء.

أعدت الصورة والرسالة داخل الصندوق المعدني ببطء.

وفي تلك اللحظة تذكرت شيئاً فجأة.

الضوضاء.

الطقطقة.

والتنهيدة التي سمعتها في الليل.

نظرت إلى أصيص البلوميريا المائل.

وهزست رأسي بسرعة، محاولاً

طرد الفكرة التي بدأت تتشكل في عقلي.

في تلك الليلة حاولت النوم مبكراً.

لكن عند الساعة الواحدة تماماً بعد منتصف الليل، عاد الصوت مرة أخرى.

طقطقة… طقطقة…

جلست في السرير فوراً.

كان الصوت نفسه.

قادماً من الفناء الخلفي.

ثم جاء الصوت الثاني.

تنهيدة بطيئة.

حزينة.

لا أعرف لماذا نهضت من السرير تلك المرة.

لكنني فعلت.

مشيت ببطء نحو الباب الخلفي.

فتحت الباب قليلاً.

تم نسخ الرابط