كنت تخرجت حديثًا من كلية الاقتصاد لكن جيبي كان فارغًا تقريبًا

لمحة نيوز

كان الفناء مظلماً، ولا يضيء الأرض سوى ضوء أصفر خافت قادم من عمود إنارة بعيد في الزقاق.

ثم رأيته.

بجوار أصيص الزهور المكسور…

كان هناك ظل صغير.

شكل طفل.

لم يكن جسداً واضحاً، بل بدا كأنه ظل أفتح قليلاً من الظلام المحيط به.

كان رأسه منحنياً.

ولم يتحرك.

شعرت بالخوف، لكن الشعور الأقوى كان شيئاً آخر.

حزن عميق.

خرجت الكلمات من فمي دون أن أفكر.

"هل عدت أخيراً؟"

رفع الظل رأسه ببطء.

لم أستطع رؤية وجهه بوضوح، لكنني شعرت وكأنه ينظر نحوي مباشرة.

تذكرت الصندوق المعدني الذي تركته بجوار الباب.

أخذته بسرعة.

فتحته.

أخرجت الصورة القديمة.

ورفعتها أمام الظل.

قلت بصوت هادئ:

"كانت أمك تنتظرك."

أصبح الهواء في الفناء أكثر برودة.

اهتز الظل قليلاً.

ثم بدأ يقترب ببطء.

خطوة.

ثم خطوة أخرى.

حتى توقف أمام الصورة مباشرة.

بقي هكذا لعدة ثوانٍ طويلة.

ثم هبت الرياح فجأة بين الأشجار.

تحركت الأوراق الجافة فوق الأرض.

وسمعت صوتاً خافتاً جداً.

كأنه ذكرى بعيدة.

"أمي…"

بدأ الظل يتلاشى ببطء.

لكن قبل أن يختفي تماماً، سمعت صوت الباب الأمامي للمنزل يُفتح خلفي.

التفت.

كانت صاحبة المنزل تقف عند المدخل.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

همست بصوت مرتجف:

"هل… كان هنا؟"

لم أجب فوراً.

لكنها نظرت إلى الفناء وكأنها تعرف الجواب مسبقاً.

ثم قالت بصوت مكسور:

"قبل أربعين عاماً… خرج ابني الصغير للبحث عن والده."

توقفت للحظة.

"ولم يعد أبداً."

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

أخرجت الصندوق المعدني.

وسلمتها

الرسالة.

أمسكتها بيدين مرتجفتين.

همست:

"كنت أظن أنني لن أقرأ هذه الكلمات أبداً."

وقفت في الفناء لوقت طويل دون أن نتكلم.

كانت الرياح تمر بهدوء بين الأشجار.

ثم حدث شيء غريب.

سقط أصيص الزهور المكسور بالكامل على الأرض.

وانتشر التراب في كل اتجاه.

وفي وسطه ظهر شيء صغير.

سوار طفل قديم.

ركعت صاحبة المنزل فوراً.

أمسكته بين أصابعها المرتجفة.

وقالت بصوت مكسور:

"كان هذا له…"

ضمته إلى صدرها.

وفي تلك اللحظة تغير الهواء في الفناء.

اختفى ذلك الشعور البارد.

لم يعد الصمت ثقيلاً.

بل أصبح هادئاً.

هادئاً جداً.

رفعت المرأة عينيها نحو السماء.

وقالت بهدوء:

"يمكنك أن ترتاح الآن."

مرت نسمة خفيفة بين الأشجار.

تحركت أوراق البلوميريا كما

لو أن أحدهم ركض عبر الفناء للمرة الأخيرة.

ثم عاد كل شيء إلى السكون.

في تلك الليلة…

لم أسمع أي طقطقة.

ولا أي تنهيدة.

مرّت عدة أيام بعد ذلك.

وفي أحد الصباحات، دعتني صاحبة المنزل إلى الفناء.

كان المكان قد تغير.

اختفى الأصيص المكسور.

وفي مكانه وُضع صليب خشبي صغير مزين بأزهار بيضاء.

قالت بهدوء:

"حتى يكون لديه مكان يعود إليه."

ثم نظرت إليّ بابتسامة حزينة لكنها مطمئنة.

وقالت:

"شكراً لأنك ساعدتني في العثور على ابني."

هززت رأسي ببطء.

وقلت:

"أعتقد أنه هو من وجدنا."

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

وللمرة الأولى منذ أن التقيت بها، بدت هادئة حقاً.

بعد أسبوعين فقط، حصلت على أول وظيفة لي في شركة صغيرة.

لم يكن الراتب كبيراً، لكنه كان بداية جيدة.

وفي

اليوم الذي غادرت فيه الغرفة، رافقتني صاحبة المنزل إلى الباب.

قالت لي:

"سيبقى لك مكان هنا دائماً."

قبل أن أرحل، نظرت مرة أخيرة إلى الفناء.

الصليب الأبيض.

الأزهار.

وشجرة البلوميريا.

حركت الرياح أوراقها بلطف.

ولثانية واحدة…

ظننت أنني سمعت ضحكة طفل.

لكن هذه المرة…

لم يكن الصوت مخيفاً.

بل بدا حراً.

لأن بعض الأرواح لا تحتاج إلى الانتقام.

كل ما تحتاجه أحياناً…

أن يستمع إليها أحد أخيراً.

تم نسخ الرابط