العثور على جراب هاتف أصفر في قاع البحر يعيد فتح قضية اختفاء بعد خمس سنوات
المحتويات
الأمواج تضرب الصخور أسفل المنزل بإيقاعٍ عميق بينما كان الهواء البارد يتسلل من النوافذ المفتوحة قليلًا حاملاً معه رائحة الملح وصوت المدّ لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا فبعد أقل من ساعة، بدأ شيءٌ خفي يتسلل إلى الجو توترٌ صامت يشبه الغيمة قبل العاصفة.
كان ديفيد أكثر هدوءًا من المعتاد على نحوٍ لم يغب عن ملاحظة ماركوس فقال ماركوس وهو يسكب النبيذ في الكؤوس
لدينا اجتماع مهم مع المستثمرين الأسبوع المقبل.
لكن ديفيد رد دون أن يرفع عينيه
لن أكون هناك.
توقف ماركوس لحظة وارتفعت حاجباه بدهشة.
ماذا تقصد؟
تنهد ديفيد ببطء كمن يزن كلماته قبل أن يطلقها.
أفكر في بيع حصتي.
ساد صمتٌ قصير على الطاولة صمتٌ ثقيل كأنه حجر سقط فجأة في ماءٍ راكد ومن ثم قال ماركوس ببطء وهو لا يصدق ما سمع
هل تمزح؟
أجاب ديفيد بإصرار
لا.
رفع ديفيد عينيه أخيرًا ونظر إليه مباشرة مضيفاً.
أنا جاد.
مال ماركوس قليلًا إلى الأمام ونبرته بدأت تفقد هدوءها.
هذه الشركة بنيناها معًا.
أجابه ديفيد ببرودٍ واضح
وأنا لم أعد أثق بالطريقة التي تُدار بها.
تصلبت ملامح ماركوس فجأة.
وما الذي يعنيه ذلك؟
نظر ديفيد إليه طويلًا، ثم قال ببطءٍ ثقيل المعنى
يعني أنني اكتشفت ما فعلته بالأموال.
وفي تلك اللحظة توقفت يد ماركوس في الهواء والكأس ما يزال بين أصابعه.
في تلك اللحظة المبهمة خفق قلب ميريديث باضطراب كأن حدسًا خفيًّا همس في أعماقها بأن ليلتهم تلك تحمل في طيّاتها ما لا يُحمد عقباه وأن سكونها الظاهر يخفي عاصفةً توشك أن تثور ولكي تهرب من ذلك الشعور الثقيل سارعت بتغيير الحديث وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة متوترة ومن ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عادية
في الحقيقة كان لديَّ خبرٌ
رفع ديفيد عينيه إليها وقد استبد به الفضول وقال
وما هو؟
مدّت يدها ببطء فوق الطاولة كأنها تثبّت خبرها قبل أن تنطق ثم قالت بهدوءٍ مهيب
أنا حامل.
ولثانيةٍ يتيمةٍ بدا الزمن كأنه توقف عن الجريان؛ صمتٌ مفاجئ ثم اتسعت عينا ديفيد بدهشةٍ عارمة وقال غير مصدق
حقًا؟
أومأت برأسها وعلى وجهها ابتسامة رقيقة تختلط فيها الفرحة بشيءٍ من القلق فنهض من مكانه دفعةً واحدة وعانقها بقوةٍ غامرة كأن ذراعيه تريدان احتواء العالم كله في تلك اللحظة لكن حين رفع رأسه كان هناك مشهدٌ آخر يتشكل في الطرف المقابل من الطاولة.
كان ماركوس ينظر إليهما نظرةً مختلفة تمامًا نظرةً باردة نظرةً لا يسكنها دفء ولا يمرّ بها طيف فرح وبعد لحظةٍ صامتة قال
تهانينا.
غير أن كلمته خرجت جافةً كأنها ورقة يابسة تسقط من غصنٍ ميت ثم جلس في مقعده ببطء وأردف بنبرةٍ متثاقلة
لكن يبدو أن توقيت هذا الخبر سيئ للغاية.
عقد ديفيد حاجبيه وسأله
ماذا تقصد؟
رفع ماركوس عينيه إليه وثبّت نظره فيه كمن يغرس سكينًا في صدر الحقيقة ثم قال ببطءٍ واضح
إذا انسحبت الآن ستُدمر الصفقة بالكامل.
جاء رد ديفيد باردًا قاطعًا
هذه ليست مشكلتي.
وعند تلك اللحظة لم يعد الحوار بالكلمات بل تحوّل إلى صدام إذ ارتفعت الأصوات، واشتعلت الأجواء، وتحوّل النقاش إلى عاصفةٍ من الاتهامات والحدّة والمرارة حتى وقف ديفيد فجأة وقد بلغ الغضب منتهاه ومن ثم قال بلهجةٍ حاسمة
انتهى الأمر يا ماركوس سأبيع حصتي الأسبوع القادم.
ظل ماركوس يحدّق فيه لثوانٍ طويلة صامتًا كتمثالٍ من حجر.
ثم انحنى قليلًا وقال جملة قصيرة جملةً لم يسمعها أحد لم تلتقطها آذان ديفيد إلا ميريديث وحدها إذ قال بصوتٍ خافتٍ قاطع
لن
عند تلك النقطة تحديدًا، توقفت الشرطة عن إعادة بناء تسلسل أحداث تلك الليلة إذ استعانت القيادات بأحد مؤلفي الروايات البوليسية صاحب حدسٍ لا يخطئ ليُسرد المشهد بأسلوبٍ يحاكي نبض الحقيقة فيعرض ملابسات الليلة كما لو كان الراوي قد شهدها بعينيه كانت سرديته متقنة، حبكته محكمة، وتحليله منطقيًا، يجعل كل خيط من الأحداث يبدو واضحًا وكل تصرّف مفهومًا.
لكن ما جرى بعد ذلك لم يكن هناك من يرويه وظل غامضًا كما لو ابتلعته اللحظة نفسها تاركًا خلفه صمتًا كثيفًا.
لكن الحقيقة كعادتها لم تبقى مدفونة طويلًا فبينما كان الصمت يخيّم على ما حدث بعد تلك اللحظة كانت خيوطٌ أخرى خفية تبدأ بالظهور خيوطٌ أخذت الشرطة تكتشفها شيئًا فشيئًا.
في مساء ذلك اليوم شقّ المحقق فلوريس طريقه مع فريق صغير إلى مرسى القوارب الخاص ب ماركوس حيث كان قاربه الأبيض الكبير لا يزال راسخًا في مكانه كرمزٍ صامتٍ لغموضٍ لم يُكشف وعلى جانبه كان مكتوبًا الاسم الذي حمل بين حروفه وعدًا بالمراوغة والسرّ SEA MIRAGE.
صعد أحد الضباط إلى سطح القارب وشرعوا بالتفتيش الدقيق ولم تمضِ سوى دقائق حتى نادى أحدهم بصوتٍ متوتر
سيدي يجب أن ترى هذا.
اقترب فلوريس بخطوات محسوبة وعينيه تتحسّس ما تحت مقعد التخزين الخلفي حيث تكدّست عدة أشياء بشكلٍ غامض
سلاسل حديدية ثقيلة، وأوزان معدنية تُستعمل عادةً في الصيد العميق، وأغطية قماشية سميكة.
لكن ما أسهم في شد انتباهه أكثر كان شيء آخر عبوات ضخمة من مواد تنظيف صناعية لها رائحةٌ حادة تحمل في طياتها أثرًا من الغموض التفت فلوريس إلى الضابط بجانبه وقال ببطءٍ جليّ
اتصل بالفريق الجنائي
توقف لحظة قبل أن يضيف وكأن كلماته تُسقط ثقلًا
وأحضِر أمر تفتيش رسمي.
في تلك اللحظة لم يعد الأمر مجرد تحقيق في اختفاء قديم بل كان التحقيق يتجه تدريجيًا إلى مسارٍ أعمق مسارٍ أكثر ظلمة وخطورة يكشف عن خبايا لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها قبل الآن.
وفي صباح اليوم التالي اتخذ فلوريس قرارًا لم يتخذ مثيله منذ خمس سنوات
إذ أصدر أمرًا لفرقة الغواصين بالبحث في قاع البحر في المنطقة ذاتها التي عُثر فيها على الهاتف الغامض.
حلّ صباح اليوم التالي وكان البحر هادئًا على نحوٍ غير معتاد الضباب الذي لطالما غطّى الساحل بدأ يتلاشى ببطء وكأن الطبيعة نفسها تُهيئ المشهد لسرٍ طالما بقي مدفونًا تحت أمواجٍ سوداء على الرصيف الصغير في كارمل كانت سيارات الشرطة مصطفة بانتظام فيما أنزل فريق الغواصين معداتهم الثقيلة إلى أحد القوارب التابعة لخفر السواحل.
بينما وقف المحقق ريموند فلوريس عند الحاجز الخشبي عينيه ثابتتان على المياه صامتًا كمن يترقب جوابًا من أعماق مجهولة.
بعد دقائق وصلت جانين وتوقفت بجانبه دون كلمة يحدّق كلاهما في البحر للحظة قبل أن يُخرق الصمت بنبرة هادئة
هل تعتقد أنهم سيجدون شيئًا فعلًا؟
ظلت عينا فلوريس معلقتين بالأفق وجاء صوته منخفضًا وحازمًا
البحر يخفي أشياء كثيرة لكنه لا يُخفيها إلى الأبد.
بعد دقائق من التحرك الهادئ شقّ القارب طريقه ببطء نحو النقطة التي عُثر فيها على الجراب الأصفر على بُعد بضع مئات الأمتار فقط من منزل الشاطئ الذي شهد بداية كل شيء بداية الغموض وفتيل الأسرار.
من فوق السطح بدا الماء هادئًا كمرآة صافية مسطحًا بلا حركة تذكر لكن ما تحت السطح الرمادي كان عالمًا آخر عالمًا يختبئ فيه الظلام والعمق معًا حيث الضوء خافت والرؤية محدودة وأسرار القاع
في تمام الساعة العاشرة قفز أول غواص
متابعة القراءة