لم أوقفه تلك الليلة بسبب السرعة وحدها
لم أوقفه تلك الليلة بسبب السرعة وحدها،
بل لأن شيئًا في قيادته المرتبكة، وانحرافه غير المنتظم بين الحارات، كان يوحي بأن الأمر أكبر من مجرد مخالفة عابرة يمكن تسجيلها والانصراف بعدها.
تجاوزني بسرعةٍ تجاوزت الحد بكثير، يقود شاحنته وكأنه يهرب من شيء وكأنه لا يرى الخط الفاصل، أو لا يهتم أصلًا بما قد يحدث بعد ثوانٍ قليلة.
خمسة عشر عامًا في هذه الوظيفة، تعلّمك أن معظم هذه المواقف تتكرر بنفس التفاصيل تقريبًا، نفس الروائح، نفس الأعذار، نفس الغضب الذي يتخفى أحيانًا خلف كلمات مرتجلة لا تقنع أحدًا.
كنت قد وصلت إلى نافذته بالفعل ودفتر المخالفات في يدي، مستعدًا لإنهاء الأمر خلال دقائق، كما فعلت مراتٍ لا تُحصى، دون أن يخطر ببالي أن هذه المرة ستتخذ منحًى مختلفًا تمامًا.
انخفض الزجاج ببطء ونظر إليّ الرجل، لم يكن مخمورًا ولم يكن غاضبًا أو متحديًا، بل كان ينهار بصمتٍ ثقيل، يبكي بطريقةٍ خافتة.
تمتم بكلماتٍ متقطعة وهو يمسك عجلة القيادة بقوةٍ مبالغ فيها، كأنها
عندما نظرت داخل السيارة،
لم أجد طفلًا كما توقعت، بل بطانية وردية مجعدة، ودُمية صغيرة على المقعد، وأوراقًا مبعثرة
شرح لي بتلعثم،
أنه كان في عمله الثاني، وأنه لم يرَ المكالمات إلا متأخرًا، وأن كل ما يريده الآن هو أن يصل فقط أن يصل قبل فوات الأوان.
هناك نظرة معينة،
لا يمكن لأي إنسان أن يختلقها، نظرة تظهر فقط عندما يكون المرء على وشك فقدان الشيء الوحيد الذي يعطي حياته معنى، وقد رأيتها واضحة في عينيه.
ومع ذلك
كان هناك شيء آخر.
شيء صغير،
تفصيلة لم أستطع تجاهلها، مهما حاولت إقناع نفسي أن الأمر واضح وبسيط كما يبدو على السطح.
سألته عن المسافة،
فأخبرني أنها اثنان وعشرون ميلًا، مسافة قد تبدو عادية في ظروفٍ أخرى، لكنها في تلك اللحظة تحديدًا بدت وكأنها أبعد بكثير مما ينبغي.
نظرت إلى دفتر المخالفات،
ثم إليه، ثم إلى داخل السيارة مرة أخرى، حيث
أغلقت الدفتر ببطء،
وأعدته إلى جيبي، لكنني لم أتحرك فورًا كما توقعت، بل بقيت واقفًا للحظة، أراقبه ثم قلت بهدوءٍ لم أشعر به فعلًا
افتح الشنطة.
تجمّد في مكانه.
لم يجب فورًا واكتفى بالنظر إليّ وكأن الكلمات قد توقفت في حلقه، بينما تغيرت ملامحه بشكلٍ خافت لكنه كان كافيًا ليزيد الشك الذي بدأ يتسلل داخلي.
لثوانٍ قليلة لم يتحرك، ولم يقل شيئًا، فقط ظل ممسكًا بعجلة القيادة، وكأنه يحاول أن يقرر ما إذا كان سيستمر في الحديث أم أن كل شيء سيتغير الآن.
ثم أخذ نفسًا بطيئًا وأومأ برأسه بشكلٍ بالكاد يُلاحظ، قبل أن يفتح الباب وينزل من السيارة، بخطواتٍ غير ثابتة، وكأن الأرض لم تعد تمنحه التوازن الذي يحتاجه.
سار نحو الخلف ببطء،
وأنا أتبعه بنظري دون أن أقترب، أراقب كل حركة، كل تردد، كل لحظة صمت بيننا، والتي بدت أطول بكثير مما يجب.
وقف أمام الشنطة.
مدّ يده نحوها
ثم توقّف.
في
أم أنني فتحت بابًا لشيءٍ آخر تمامًا.
ثم
بدأت الشنطة تُفتح.
بدأت الشنطة تُفتح ببطء،
صوت المفصلات كان خافتًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أعلى من أي شيء آخر، وكأن الصمت كله توقف فقط ليسمح لهذا الصوت أن يمرّ وحده.
شدّ الرجل الغطاء إلى الأعلى،
وتراجعت خطوة دون أن أشعر، ليس خوفًا مما قد أراه، بل من الفكرة نفسها فكرة أن يكون شكي في محلّه، وأن أكون قد أخطأت في تقدير الموقف بالكامل.
لكن الشنطة كانت فارغة.
فارغة تمامًا،
إلا من بعض الأدوات القديمة، وصندوق مهترئ، ولا شيء آخر يمكن أن يفسّر ذلك التوتر الذي رأيته في عينيه قبل لحظات.
نظر إليّ،
ولم يقل شيئًا، لكن نظرته كانت كافية لتجعلني أدرك أن ما كان يخشاه لم يكن ما بداخل الشنطة بل ما قد أظنه أنا.
أغلقها ببطء،
وكأن هذه الحركة البسيطة استنزفت ما تبقى لديه من قوة، ثم عاد إلى باب السيارة دون أن ينتظر إذنًا، أو حتى تفسيرًا لما حدث.
في تلك اللحظة،
شعرت