لم أوقفه تلك الليلة بسبب السرعة وحدها
يكن هناك شك، لم يعد هناك شيء أبحث عنه أو أحاول فهمه.
عدت إلى سيارتي،
وأدرت المحرك، لكنني لم أتحرك فورًا، فقط وضعت يدي على المقود، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنني أستعد لشيء أكبر من مجرد قيادة سريعة.
ثم شغّلت الأضواء.
تحول الطريق في لحظة إلى ومضاتٍ حمراء وزرقاء،
وترددت صفارة الإنذار في الفراغ من حولنا، وكأنها تعلن بداية سباق لا يملك أيٌّ منا رفاهية خسارته.
أبلغت المركز بصوتٍ ثابت،
أنني أرافق سيارة خاصة إلى المستشفى لطفل في حالة حرجة، وجاء الرد بعد لحظة صمت قصيرة، بكلمة واحدة فقط انطلق.
وانطلقت.
دفعت السيارة إلى أقصى ما تسمح به،
أفتح الطريق أمامه، أزيح السيارات، أتجاوز الإشارات، بينما كان هو خلفي مباشرة، يتمسك بكل متر نقترب فيه من المستشفى وكأنه آخر ما يملكه.
كل ثانية كانت تمرّ
لم تكن ثمينة كما يقال دائمًا، بل كانت باهظة، وكأن الزمن نفسه يطالب بثمنٍ لا يستطيع هذا الرجل دفعه
عند أحد التقاطعات،
أغلقت أربع حارات الطريق بالكامل، ولم يكن هناك مجال للمرور، فاندفعت إلى المنتصف، وفرضت طريقًا بالقوة، بالصوت، وبالأضواء التي لم تترك خيارًا لأحد.
تبعني دون تردد،
كأن حياته كلها معلقة على هذه اللحظة، وكأن أي تأخير إضافي قد يكون كافيًا ليُنهي كل شيء قبل أن يبدأ.
وصلنا في وقتٍ لم أحققه من قبل،
خمسة عشر دقيقة تقريبًا، وربما أقل، توقفت عند مدخل المستشفى، ولم أنتظر حتى أطفئ المحرك قبل أن أراه يندفع إلى الداخل.
تعثر مرة،
ثم تماسك، ثم ركض، وكأنه يطارد آخر لحظة يمكن أن تبقى له في هذا العالم.
لم ينظر خلفه،
ولم يقل شيئًا، ولم أشعر أن ذلك مهم أصلًا، لأن هناك أشياء لا تحتاج إلى كلمات لتُفهم.
كان من المفترض أن أرحل.
أن أعود إلى دوريتي،
أن أكتب ما حدث بطريقة رسمية، وأن أتعامل مع الأمر كأي موقف آخر انتهى، لكن شيئًا ما بداخلي رفض أن يتحرك من مكانه.
فبقيت.
مرّت ساعة،
أو ربما أكثر قليلًا، لم أعد أعدّ الوقت، فقط كنت أراقب الأبواب الزجاجية، والوجوه التي تدخل وتخرج، وكلها تحمل نفس التعب، نفس القلق، نفس الصمت الثقيل.
ثم خرج.
كان نفس الرجل
لكن ليس تمامًا، بدا وكأن السنوات مرّت فوقه دفعةً واحدة، ليس أكثر هدوءًا، بل أكثر فراغًا، كأن شيئًا بداخله قد غادر بالفعل.
توقف عندما رآني،
وكأنه تذكر فجأة أنني كنت جزءًا من هذه الليلة، ثم اقترب ببطء، وأنا أخرج من السيارة دون أن أعرف ما الذي يجب أن أقوله.
لم أسأله الكثير،
سألت فقط الشيء الوحيد الذي كان يهم.
هل لحقت؟
أومأ مرة واحدة،
وارتجف فمه قبل أن تخرج الكلمات، وكأنها أثقل مما يستطيع حمله.
نعم
قالها بصوتٍ بالكاد يُسمع،
كانت ما تزال مستيقظة.
شعرت بشيء يضيق في صدري،
لكنني لم أقاطعه، لأنني أدركت أن ما سيقوله بعد ذلك هو كل ما تبقى له.
نظر إلى يديه،
ثم قال بصوتٍ مكسور
لم تعد تستطيع رفع ذراعيها
لكنها
توقف لثانية،
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول أن يثبت نفسه قبل أن يقول الجملة التي أنهت كل شيء.
قالت أبي، لقد جئت.
تلك الكلمات القليلة،
كانت أثقل من كل ما سمعته طوال سنوات عملي، لأنها لم تكن مجرد جملة، بل نهاية عالمٍ كامل لرجلٍ يقف أمامي الآن.
حاول أن يشكرني،
مدّ يده، لكنه لم يستطع إكمال الحركة، وكأن جسده استسلم أخيرًا لما كان يؤجله منذ البداية.
انهار.
أمسكته قبل أن يسقط،
وبقيت واقفًا معه هناك، في ممر المستشفى، بينما كان يبكي كما لو أن كل ما بداخله قد انكسر دفعةً واحدة دون أي محاولة لإصلاحه.
لم أكتب المخالفة.
ولم أسجّل السرعة.
ولو سألني أحد،
سأقول إنني استخدمت تقديري، لأن القانون أحيانًا يكون مجرد سطور على ورق، بينما الواجب الحقيقي هو أن يصل أبٌ في الوقت المناسب ليسمع تلك الكلمات الأخيرة.
لأن بعض اللحظات،
لا يمكن استعادتها مهما دفعت
ولو تأخرت دقيقة واحدة فقط
ما كان ليسمعها أبدًا.