بنتي ليلى
ليلى عمرها ما كانت من البنات اللي بتشتكي أو تطلب حاجة… كانت دايمًا تقول أنا كويسة حتى وهي موجوعة، علشان كده أول مرة قالتلي بطني بتوجعني، حسيت إن في حاجة مش طبيعية
كانت قاعدة قدامي على الكنبة، ضامة بطنها بإيديها الصغيرة، وشها شاحب بشكل غريب، وعينيها فيها وجع مكتوم كأنها بتحاول تقاومه لوحدها من غير ما تزعج حد.
قربت منها بهدوء، حطيت إيدي على شعرها وسألتها وأنا بحاول أخبي خوفي:
"وجعك جامد يا ليلى؟"
بصتلي لحظة… وسكتت، وكأنها بتفكر تقول الحقيقة ولا تخبيها زي كل مرة، وبعدها قالت بصوت واطي مكسور:
"شوية… بس مش قادرة أستحمل"
الجملة دي نزلت عليا تقيلة… تقيلة بشكل خلاني أحس إن الموضوع مش مجرد مغص عادي، لأن ليلى مش من النوع اللي يشتكي، ولا حتى يطلب حاجة.
مديت إيدي بسرعة على الموبايل وكلمت أبوها، صوتي كان مهزوز وأنا بقول:
"ليلى تعبانة… وبطنها بتوجعها جامد، لازم نكشف عليها حالًا"
سكت ثواني على الطرف التاني، وبعدين رد ببرود غريب:
"إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ ده مغص عادي… شوية دوا وهيبقى تمام"
حاولت أتماسك، بس خوفي كان باين في صوتي:
"بس ليلى عمرها ما كانت بتشتكي… لو قالت تعبانة يبقى الموضوع مش بسيط"
قاطعني بسرعة وكأنه قفل باب النقاش من غير ما يسمعني:
"بلاش قلق زيادة… سيبيها ترتاح وخلاص"
بصيت لليلى… كانت مغمضة عينيها وبتضغط على بطنها أكتر، سنانها ضاغطة على بعض كأنها بتحاول تمنع نفسها حتى من التأوه.
سألتها بهدوء وأنا حاسة بقلق بيكبر جوايا:
"نروح الدكتور؟"
هزت راسها ببطء… وقالت جملة كسرتني من جوا:
"مش عايزة أتعبكم"
في اللحظة دي… حسيت إن في
سكت…
وأيوه، سكت فعلًا، وده كان أسوأ قرار أخدته في حياتي.
لأن السكوت اللي افتكرناه راحة… كان بداية كارثة إحنا ما كناش شايفينها.
عدّى اليوم، وليلى حاولت تكمل كأن مفيش حاجة، قامت بالعافية، أكلت لقيمات بالعافية، وكل شوية تحط إيدها على بطنها وترجع تشيلها بسرعة لما تاخد بالها إني باصة لها.
كنت شايفة…
شايفة كل حاجة.
شايفة إنها مش طبيعية، شايفة التعب اللي في عينيها، شايفة إنها بتخبي وجعها، بس في نفس الوقت كنت بحاول أقنع نفسي بكلامه… يمكن فعلًا مغص عادي… يمكن أنا اللي مكبرة الموضوع.
ليلتها نامت بدري، على غير عادتها، من غير ما تلعب ولا حتى تتكلم، دخلت أوضتها وقفلت النور وسابتني واقفة برا حاسة إن في حاجة غلط بس مش قادرة أحددها.
دخلت عليها بعد شوية… لقيتها نايمة على جنبها، إيديها على بطنها، ووشها باين عليه إنها حتى في النوم مش مرتاحة.
وقفت جنب السرير شوية… بصيت عليها وسألت نفسي سؤال واحد بس:
"هو أنا غلطت لما سكت؟"
بس زي كل مرة… قلت لنفسي: بكرة.
بكرة هنبقى نشوف، بكرة لو الوجع كمل نكشف، بكرة لو زاد نتصرف… وكأن الوجع ممكن يستنى لحد بكرة.
عدّى يوم ورا يوم…
والوجع ما راحش.
بالعكس… كان بيزيد.
ليلى بقت أهدى من الأول، سكوتها زاد، ضحكتها اختفت، حتى صوتها بقى أهدى كأنها بتوفر مجهودها في الكلام.
كانت تصحى الصبح بالعافية، تقعد على السرير دقيقة قبل ما تقوم، تحاول تبتسملي وتقول "أنا كويسة"، بس الابتسامة كانت باينة إنها مصطنعة، ضعيفة، ومكسورة.
تفطر
تروح المدرسة… وترجع مهدودة كأنها شالت فوق طاقتها، تدخل أوضتها وتقفل على نفسها، وأوقات كتير تنام من غير حتى ما تخلّص يومها.
كل مرة أسألها:
"بطنك لسه بتوجعك؟"
كانت ترد بسرعة:
"لأ… خفيت"
حتى وهي ماسكة جنبها بإيدها.
وكل مرة كنت بصدق… أو بحاول أصدق.
الدوا خلص… وهي ما قالتش.
والوجع رجع… أقوى.
بقى جزء من يومها… من حركتها… من سكوتها.
وفي مرة، وأنا واقفة في المطبخ، سمعتها من بعيد بتقول "آه" واطية جدًا، جريت عليها بسرعة، أول ما شافتني سكتت فورًا وقالت:
"مفيش حاجة"
بس كان في حاجة…
وأنا كنت عارفة.
بس برضه… سكت.
لأن فكرة إن يكون في حاجة كبيرة كانت مرعبة لدرجة إني فضلت أهرب منها.
لحد ما جه اليوم اللي كل حاجة بدأت فيه تتغير.
كانت واقفة في الصالة، فجأة سكتت… مسكت في الكرسي، وشها اتغير، وكأن الدنيا لفت بيها.
جريت عليها وقلت:
"مالك؟"
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت:
"مفيش… بس دوخت شوية"
الدنيا سكتت لحظة…
بس جوايا، الخوف بدأ يكبر.
وشها بقى باهت بشكل واضح، عينيها دايمًا مرهقة، وحتى حركتها بقت أبطأ… كأن جسمها بيستنزف حتة حتة.
رجعت كلمت أبوها تاني، نفس القلق، نفس الخوف، ونفس الرد:
"بتدلع… مفيش حاجة"
ساعتها حسيت إني واقفة لوحدي… بين إحساسي اللي بيقولي إن في خطر، وبين صوت بيحاول يقنعني إن ده عادي.
وفي ليلة قبل النوم…
سمعت صوتها بتناديني.
الصوت كان ضعيف… أضعف من أي مرة فاتت.
دخلت أوضتها بسرعة، لقيتها قاعدة على السرير، ماسكة بطنها، وشها شاحب، وعينيها فيها دموع محبوسة.
قربت منها وقلت:
"
بصتلي… وسكتت لحظة طويلة…
وبعدين قالت بصوت مكسور:
"الوجع زاد أوي…"
كانت الكلمة طالعة منها بالعافية… كأنها بتجمع آخر قوة عندها علشان تقولها، وأنا في اللحظة دي حسيت إن الخوف بقى حقيقي، مش مجرد إحساس.
قعدت جنبها بسرعة، مسكت إيديها، كانت ساقعة بشكل غريب، سألتها وأنا بحاول أتمالك نفسي:
"طب قوليلي… من إمتى والوجع بالشكل ده؟"
بصتلي وسكتت شوية، وبعدين قالت:
"من بدري… بس كنت فاكرة هيخف"
الجملة دي وجعتني أنا قبل ما تكون وجعتها، لأن “بدري” دي معناها إننا اتأخرنا… اتأخرنا أكتر مما كنت متخيلة.
قلت لها بهدوء:
"خلاص، بكرة الصبح نروح للدكتور، ماشي؟"
هزت راسها ببطء، بس من غير ما تقول حاجة، ومدت جسمها على السرير، وفضلت ماسكة بطنها كأنها خايفة تسيبها.
فضلت قاعدة جنبها شوية، أبص على وشها، وأحاول أقنع نفسي إن بكرة مش بعيد… وإن كل حاجة هتكون بسيطة.
بس الحقيقة إن الليلة دي كانت أطول ليلة عدت عليا.
كل شوية أصحى من النوم أبص عليها، أسمع نفسها، أراقب حركتها، وأقنع نفسي إنها كويسة… رغم إن كل حاجة كانت بتقول العكس.
وقبل الفجر بشوية…
صحيت على صوت خبط خفيف.
قومت بسرعة، خرجت من أوضتي، الصوت كان جاي من الحمام.
قربت وقلت:
"ليلى؟"
مفيش رد.
خبطت تاني…
"ليلى، إنتي جوه؟"
جالي صوتها… ضعيف جدًا:
"ماما…"
فتحت الباب بسرعة…
واللي شفته ساعتها… عمري ما هنساه.
كانت واقفة بالعافية، ماسكة الحوض، جسمها بيترعش، وبتستفرغ، وشها أبيض بطريقة مرعبة، كأن الدم اختفى منه فجأة.
جريت عليها ومسكتها قبل ما تقع، وقلت بخوف:
"مالك؟ إيه
قالت وهي بتنهج:
"بطني… مولعة نار"
في اللحظة دي ما فكرتش… خرجت بيها على طول، ناديت على أبوها وأنا صوتي بيترعش:
"قوم… لازم نروح دلوقتي، البنت مش كويسة"
خرج وهو متضايق، باصص لنا بنص عين، وقال:
"إيه في إيه؟"
قلت بعصبية وخوف:
"مش شايف حالتها؟ لازم نكشف حالًا"
بصلها بسرعة… وقال نفس الجملة اللي بقت بتطاردني:
"سيبيها ترتاح… وهتبقى كويسة"
بصيت له وأنا مش مصدقة:
"كويسة إيه؟ دي مش قادرة تقف!"