بنتي ليلى

لمحة نيوز

بس هو لف وراح تاني… كأن الموضوع خلص.

رجعت لليلى، قعدتها على الكنبة، كانت ساكتة… ساكتة بطريقة خوفتني أكتر من أي صريخ.

بعد شوية… مسكت إيدي فجأة.

بصتلي… وعينيها مليانة خوف لأول مرة.

وقالت جملة خلت قلبي يقع:
"ماما… في دم"

اتجمدت مكاني لحظة…
"دم؟ إزاي يعني؟"

قالت وهي بتبص بعيد:
"وأنا برجع… كان في دم"

جريت على الحمام…
وبصيت.

كان بسيط… آه… بس كان حقيقي.

رجعت لها بسرعة، قلبي بيدق بعنف، ناديت على أبوها تاني:
"تعالى شوف!"

دخل، بص بسرعة، وسكت ثواني… وبعدين قال ببرود:
"يمكن جرح في الزور… عادي"

الكلمة دي كانت آخر حاجة كنت قادرة أسمعها.

لأن في اللحظة دي…
كنت متأكدة إن الموضوع مش عادي.

عدّت ساعات قليلة…
بس كانت تقيلة كأنها أيام.

ليلى بقت أضعف، مش قادرة تتحرك كتير، حتى الكلام بقى قليل، وكل شوية تقفل عينيها كأنها بتفصل.

وفجأة… قالتلي بصوت ضعيف:
"ماما…"

قربت منها بسرعة:
"نعم يا حبيبتي؟"

قالت وهي شبه مش قادرة تتكلم:
"في دم… تاني… بس من تحت"

ساعتها ما فكرتش.

ما استنيتش. ما سألتش حد.

قومت بسرعة، جبت هدومها، لبستها وأنا إيدي بترتعش، شلتها وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا، من غير إذن، من غير نقاش، من غير أي حاجة غير خوف واحد بس… عليها.

وأنا في الطريق… كانت ساكتة.

ماسكة إيدي… إيدي أنا.

مش أنا اللي ماسكاها… هي اللي كانت ماسكاني.

وكأنها

خايفة تسيبني.

وأنا كنت خايفة أخسرها.

وصلنا المستشفى، دخلنا الطوارئ، أول ما الممرضة شافت وشها اتغير، نادت دكتور بسرعة، اتحركوا حوالينا بشكل خلاني أحس إن الموضوع أكبر بكتير من اللي كنت متخيلاه.

حطوها على سرير، بدأوا يركبوا محاليل، يسحبوا تحاليل، أسئلة كتير بتتسأل، وأنا واقفة مش فاهمة حاجة غير إن بنتي بتضيع من إيدي.

ليلى كانت باصة في السقف ساكتة.

مفيش شكوى ولا حتى دلوقتي.

الدكتور دخل بعد شوية، بص لها، وبص لي، ووشه مكنش مريح.

قال بصوت جاد:
"النزيف ده مش طبيعي"

قلبي وقع…
"يعني إيه؟"

بص في التحاليل اللي بدأت تظهر، وقال:
"لازم نتصرف بسرعة… الحالة محتاجة تدخل فورًا"

في اللحظة دي…
حسيت إن الأرض بتسحب من تحت رجلي.

الدكتور ما كانش بيهزر… ونبرة صوته ما سابتش أي مساحة للشك، كانت واضحة، حادة، ومليانة استعجال يخوف أكتر من الكلام نفسه.

بص لي وقال:
"إحنا محتاجين ندخلها عمليات فورًا… النزيف مش مسيطر عليه"

حسيت إن وداني بتصفر… كأن الصوت بقى بعيد، والكلام مش واصل كامل، بس كلمة واحدة فضلت ترن جوايا:
"فورًا"

قلت وأنا مش قادرة أستوعب:
"عمليات؟! بس دي كانت… كانت بس بتقول بطنها بتوجعها وجع بسيط"

بصلي نظرة طويلة… وقال بهدوء تقيل:
"مستحيل ده نتيجة وجع بسيط "

ما لحقتش أسأل أكتر، لأنهم كانوا خلاص بيجهزوها، ممرضات حوالين السرير، أجهزة، محاليل، خطوات سريعة… كل حاجة بتتحرك

أسرع مني، أسرع من استيعابي.

اتصلت بأبوها، إيدي بتترعش، وصوتي مكسور:
"تعالى بسرعة… ليلى داخلة عملية"

سكت لحظة… وبعدين قال:
"عملية إيه؟"

ما عرفتش أشرح… قلت بس:
"تعالى"

وصل بعد شوية، وشه متغير، لأول مرة أشوف عليه الخوف بالشكل ده، مش اعتراض، مش عصبية… خوف صريح.

الدكتور خرج لنا تاني، وفي إيده ورق، قال وهو بيبص لنا الاتنين:
"لازم تمضوا على إقرار العملية"

أبوها مد إيده ياخد الورق، بس الدكتور كمل كلامه قبل ما يمضي:
"إحنا هنحاول نوقف النزيف الأول… لكن في احتمال نضطر نشيل المبيض المصاب"

الكلمة عدّت عليا تقيلة…
"نشيل؟!"

الدكتور كمل، وصوته أهدى… بس أخطر:
"ولو النزيف ما وقفش… ممكن نضطر نشيل الرحم علشان ننقذ حياتها"

ساعتها الدنيا وقفت.

رحم… بنت صغيرة… لسه ما عاشتش، ما فهمتش يعني إيه حياة أصلاً، ممكن تخسر حاجة زي دي؟

بصيت لأبوها كان واقف ساكت.

ما جادلش ما قالش "مفيش حاجة"…
ما قالش "بتدلع"

كان باصص على الورقة… وبعدين على باب العمليات… وكأنه شايف كل حاجة فاتت قدامه في لحظة.

ومضى.

القلم كان تقيل في إيده وأنا حسيت إن التوقيع ده مش على ورق… ده على غلطة.

خدوها مننا بسرعة، السرير اتحرك، وأنا ماشية جنبها، مسكة إيديها، وهي عينيها مقفولة، وشها شاحب… هادية بشكل يخوف.

قبل ما تدخل الباب شدت على إيدي شوية.

بصيت ليها بس هي ما فتحتش عينيها.

الباب اتقفل وساعتها ما

بقاش في حاجة أعملها غير إني أستنى.

الدقايق بقت ساعات والساعات بقت عمر كامل.

كل سيناريو وحش عدى في دماغي، كل لحظة سكت فيها، كل مرة قلت "بكرة"، كل مرة صدقت إنها كويسة… كلهم رجعوا يطاردوني.

بصيت لأبوها…
كان قاعد ساكت، إيده على وشه، أول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده.

مفيش كلمة اتقالت بس كل حاجة كانت واضحة.

الندم كان حاضر… بس متأخر.

بعد وقت طويل الباب اتفتح.

الدكتور خرج.

وقف قدامنا، وبص لنا، ووشه المرة دي كان أهدى شوية… بس التعب باين عليه.

قال:
"إحنا قدرنا نسيطر على النزيف"

نفسي رجع فجأة…
"يعني هي كويسة؟"

هز راسه وقال:
"لحقناها في آخر لحظة"

الجملة دي كانت كفيلة تخليني أرتعش.

آخر لحظة.

يعني لو كنا اتأخرنا شوية بس شوية…

كمل وقال:
"شيلنا المبيض المصاب… والباقي استجاب، ومضطرين نتابع حالتها الفترة الجاية كويس جدًا"

ما كنتش سامعة باقي الكلام.غير إنها عايشة.

بس ده كان كفاية.

عدّى أسبوع وخرجنا من المستشفى.

ليلى كانت ضعيفة… حركتها بطيئة، صوتها أهدى، بس عايشة، وكل خطوة كانت بتاخدها كانت بالنسبالي انتصار.

البيت بقى مختلف هادئ زيادة عن اللزوم.

مفيش صوت عالي مفيش تجاهل.. مفيش كلمة "بتدلع"

أبوها بقى يسألها كل شوية:
"حاسّة بإيه؟"

مش علشان يطمن علشان يسمع وهي بدأت تتكلم.

بهدوء… واحدة واحدة.

تحكي عن الوجع… عن الخوف… عن إحساسها إنها لو اشتكت أكتر

ممكن تتعبنا… فاختارت تسكت.

ساعتها فهمت.

إن السكوت مش قوة…
وإن الوجع لما ما يتسمعش… بيكبر.

وإن الطفل لما يسكت… مش معناه إنه كويس…
ممكن يكون فقد الأمان.

بصيت لها وهي نايمة…
هاديّة، بس المرة دي مش من التعب… من الأمان.

وقلت لنفسي…
إحنا خدنا فرصة تانية.

مش كل الناس بياخدوها.

الغلط كان تقيل وثمنه كان ممكن يبقى حياتها.

بس المرة دي عدّت بصعوبة…
بس عدّت.

ومن يومها ما بقاش في حاجة اسمها "بكرة"

"في ناس بتسكت علشان متتعبكش… وبتتوجع أكتر لأنها لوحدها." ❤️

تم نسخ الرابط