اختفاء فتيات من كشك عصير ليمون - بعد 5 سنوات، يُصدم تسربٌ في العلية الشرطة… ويُعيد فتح كل شيء من جديد.
المحتويات
المنزل ببطء، فاستقبله هواء ثقيل ورائحة غبار قديم، كان المكان صامتًا بشكلٍ غير مريح، كأن الجدران نفسها تحفظ شيئًا لا يُقال.
تقدّم بحذر، وأرضية الخشب تصدر صريرًا خافتًا تحت قدميه، ثم تمتم
واضح أن لا أحد دخل هذا المكان منذ سنوات.
وصل إلى السلم المؤدي إلى العلية، وتوقف لحظة، ثم بدأ بالصعود، كل درجة كانت تُصدر صوتًا، وكل خطوة كانت تكسر ذلك الصمت الثقيل.
عندما فتح باب العلية، اندفعت نحوه موجة من الهواء الساخن ورائحة عفن خانقة، سعل قليلًا، ثم أشعل مصباحه اليدوي وقال
لننتهِ من هذا بسرعة.
انحنى وبدأ يزحف عبر العازل المتآكل، يتتبع أثر الماء، بقع داكنة، خشب رطب، قطرات تتساقط ببطء كل شيء بدا عاديًا في البداية.
ثم توقف.
عبس قليلًا، وقرّب الضوء.
ما هذا؟
كان هناك شيء غير مألوف، شيء لا يشبه الأنابيب ولا العازل، شيء موضوع هناك كأنه لا ينتمي للمكان.
اقترب أكثر، قلبه بدأ ينبض بشكلٍ غير مريح، ومدّ يده ببطء، وكأنه يخشى أن يكون ما يراه حقيقيًا.
وفي تلك اللحظة فهم.
تراجع فجأة، وكأن صدمةً كهربائية أصابته، ثم سقط للخلف وهو يلهث، وعيناه متسعتان من الرعب.
يا إلهي
حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن جسده لم يستجب، فبدأ يتراجع للخلف بسرعة، يزحف مبتعدًا عن المكان، كأن العلية نفسها تحولت إلى خطر.
بعد دقائق، كان يقف خارج المنزل، ويده ترتجف وهو يمسك هاتفه، نظر إلى الباب، ثم إلى النوافذ المغلقة، وكأن المنزل لم يعد مجرد مكان مهجور، بل شيء آخر تمامًا.
اتصل بالشرطة.
مرحبًا أنا في شارع كروسويند المنزل رقم 847
صمت لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ منخفض
أعتقد أنكم بحاجة للحضور فورًا.
جاءه الصوت من الطرف الآخر
ما المشكلة؟
ابتلع ريقه، ثم قال ببطء
الأمر ليس مجرد تسرب مياه هناك شيء في العلية.
استمرت المكالمة لثوانٍ قليلة،
ما اكتشفه في تلك العلية لم يكن عاديًا، بل كان الشرارة التي أعادت إحياء قضية اختفاء ظلّت لسنوات حبيسة الصمت، قبل أن تنفجر دفعة واحدة، وتهزّ مدينة فيساليا من جذورها.
عندما وصل المحققون، كان كروز لا يزال واقفًا أمام المنزل، شاحب الوجه، وعيناه معلّقتان بالمكان وكأنه لم يستوعب بعد ما رآه، فسأله أحدهم بهدوء
أنت من اتصل؟
أومأ برأسه ببطء، ثم قال
نعم أنا.
سأله المحقق مرة أخرى وهو يقترب منه
ماذا وجدت بالضبط؟
تردد كروز لثوانٍ، وكأن الكلمات ثقيلة، ثم قال
في البداية ظننت أنه مجرد عفن.
صمت لحظة، ثم تابع بصوتٍ أخفض
لكن بعد ذلك رأيت شيئًا آخر.
تغيّرت نبرة المحقق قليلًا وهو يسأله
مثل ماذا؟
ابتلع كروز ريقه، ثم قال ببطء شديد
ألواح مكسورة وطلاء وردي ولافتة مكتوب عليها عصير ليمون بخمسةٍ وعشرين سنتًا.
ساد صمت قصير، قبل أن يسأله أحدهم بنبرة أكثر جدية
هل أنت متأكد مما تقول؟
أجاب هذه المرة دون تردد
رأيتها بوضوح نفس اللافتة التي ظهرت في الأخبار قبل سنوات.
لم يكن ذلك كل شيء، فمع استمرار التفتيش، بدأت تظهر تفاصيل أخرى أكثر إزعاجًا، كوبان بلاستيكيان صغيران، وإبريق متصدع، وعلبة قهوة قديمة ممتلئة بعملات معدنية باهتة، أشياء بسيطة في ظاهرها، لكنها لم تكن في مكانها الصحيح، ولم يكن من المفترض أن تكون هناك أصلًا.
ومع ذلك، لم تكن هذه هي الصدمة الحقيقية.
الشيء الذي أوقف الجميع كان دفترًا صغيرًا.
دفتر ملاحظات حلزوني قديم، التقطه أحد المحققين بحذر، ثم فتحه ببطء، وقلب الصفحة الأولى، قبل أن تتجمّد ملامحه فجأة.
سأله زميله بصوتٍ منخفض
ماذا
لم يُجب فورًا، ظلّ ينظر إلى الصفحة لثوانٍ، ثم قرأ بصوتٍ خافت
اليوم الأول توقفوا عن البكاء عندما أخبرتهم عن عصير الليمون.
في غضون ساعات قليلة، تغيّر كل شيء، لم يعد المنزل مجرد مكان مهجور يمرّ به الناس دون انتباه، بل تحوّل إلى موقع محاصر بالشرطة، امتدّ الشريط الأصفر حوله، وامتلأت المنطقة بالحركة، وكأن الصمت الذي خيّم عليه لسنوات قرر أخيرًا أن ينكسر دفعة واحدة.
داخل مركز شرطة فيساليا، كانت طاولة الأدلة تمتلئ تدريجيًا، وُضعت الأكياس واحدة تلو الأخرى، وكل قطعة تحمل وزنًا أكبر من شكلها البسيط، كشك عصير الليمون المحطّم، ملابس الفتاتين، الأكواب البلاستيكية الصغيرة، الإبريق المتصدع، وعلبة القهوة التي امتلأت بعملات معدنية باهتة، أشياء عادية في ظاهرها، لكنها لم تكن في مكانها الصحيح، ولم يكن من المفترض أن تجتمع كلها في ذلك المكان.
ومع ذلك، لم تكن هذه هي أكثر ما جذب الانتباه.
كان الدفتر.
دفتر الملاحظات الحلزوني، الذي وُضع بعناية، وكأنه أخطر ما تم العثور عليه، لأن كل صفحة فيه لم تكن مجرد كلمات، بل تسجيل دقيق لتفاصيل امتدت لأيام، وربما أكثر، تفاصيل لم يكن من المفترض أن تُكتب أصلًا.
وقف أحد المحققين يقلب الصفحات ببطء، وعيناه تتحركان بين السطور، قبل أن يقول بصوتٍ منخفض، يكاد لا يُسمع
كل صفحة أسوأ من التي قبلها.
لم يعلّق أحد فورًا، لكن الصمت الذي تلا كلماته كان كافيًا ليقول كل شيء.
رفع المحقق فانس نظره أخيرًا، وقال بنبرة ثابتة تخفي خلفها ثقل الفكرة
هذا المكان لم يكن مهجورًا كما ظننا لقد استُخدم.
توقّف لثانية، ثم أضاف بهدوء أشد
كزنزانة احتجاز.
كانت الكلمة ثقيلة، وكأنها استقرت في الهواء دون أن يجد أحد ردًا عليها.
في تلك اللحظة، لم يعد هناك مجال للتأجيل، التقطت فانس الهاتف،
جاء الصوت من الطرف الآخر مترددًا
مرحبًا؟
قالت بهدوء مهني، لكنه لم يخفِ الجدية
السيد كول هارويك؟
نعم من معي؟
توقفت لحظة قصيرة، ثم قالت
أنا المحققة فانس من شرطة فيساليا.
ساد صمت خفيف، قبل أن يعود صوته، هذه المرة أكثر توترًا
هل هناك شيء؟
أجابت ببطء، وهي تختار كلماتها بعناية
لقد وجدنا بعض الأشياء عليك الحضور فورًا.
لم يسأل ماذا، ولم يطلب تفسيرًا
كأن شيئًا داخله كان قد فهم بالفعل أن الأمر له علاقة بابنتيه.
ومع استمرار فحص الأدلة، بدأت الصورة تتضح تدريجيًا.
لم تكن التفاصيل مبعثرة كما بدت في البداية بل كانت تتجمع بهدوء، قطعةً بعد أخرى، لتقوده نحو اتجاه واحد.
اتجاه واضح.. اسم واحد.
لم يكن غريبًا على أحد بل كان مألوفًا بشكلٍ يثير القلق.
غلين ماسترسونسون.
جار العائلة.
رجلٌ عرفه الجميع، حضر تجمعاتهم، شاركهم أحاديثهم، ووقف بينهم في ليلة الاختفاء نفسها، بل كان من بين من انضموا إلى فرق البحث، وجه مألوف لم يثر الشك، بل منح شعورًا زائفًا بالأمان.
قال أحد المحققين وهو يقلب الملف ببطء
هذا الرجل كان هناك في الليلة الأولى؟
أجابه الآخر دون أن يرفع عينيه
نعم كان ضمن فريق البحث.
تبادلوا نظرة صامتة، قبل أن يقول فانس بصوتٍ منخفض، وكأنه يربط كل شيء أخيرًا
كان هناك ليُبعد الشك عنه.
لكن ماسترسونسون لم يكن هناك ليتم استجوابه.
فبعد أسابيع قليلة فقط من اختفاء الفتاتين، باع المنزل وغادر، انتقل إلى ولاية أخرى، واختفى بهدوء، دون أن يترك خلفه ما يلفت الانتباه، وكأن خروجه كان محسوبًا ومخططًا له بدقة.
وكأن كل شيء كان يسير وفق توقيتٍ يعرفه هو وحده.
على مدى خمس سنوات، عاش كول هارويك
متابعة القراءة