لقد وارى خرافه تحت التراب.. فضحك الجميع، ولقّبوه بالمجنون

لمحة نيوز

لقد أخفى خرافه تحت الأرض فضحك الجميع، ولقّبوه بالمجنون، وظنّوا أن نهايته اقتربت، لكن ما حدث بعد ذلك جعلهم يتمنّون لو أنهم صدّقوه منذ البداية.
في تلك القرية الجبلية الصغيرة، حيث تحمل الرياح قصصًا قديمة وتهمس بأسرار منسية، لم يكن أحد يأخذ ماتيو ريفاس على محمل الجد، رغم أنه كان يومًا مثالًا يُحتذى به.
قالوا إنه تغيّر كثيرًا، ولم يعد كما كان في السابق، بعد حادثة غامضة وقعت في أحد فصول الشتاء، حادثة لم يعرف أحد حقيقتها، لكنها تركت أثرًا عميقًا في روحه.
كان قبل ذلك راعيًا بسيطًا، يعمل بصمت، ويكسب احترام الجميع، وكانت خرافه مصدر فخره، وكان يعرف الجبل كما يعرف كفّ يده، دون أن يضل طريقه يومًا.
لكن بعد تلك الحادثة، أصبح قليل الكلام، كثير الشرود، يحدّق في القمم لساعات طويلة، وكأنه يرى شيئًا لا يراه غيره، أو ينتظر أمرًا لا يفهمه أحد.
ومع مرور الوقت، بدأ يفعل أشياء غريبة، أشياء أثارت قلق الجيران، وجعلتهم يتهامسون حوله في كل مكان، حتى تحوّلت قصته إلى مادة للسخرية.
أكثر ما أقلقهم حدث في أوائل الخريف، حين بدأ بالحفر في أرضه، ليس حفرة عادية، بل حفرة عميقة ومنظمة، كأنها جزء من خطة مدروسة بدقة.
اختار مكانًا منخفضًا، محاطًا بالصخور، ومحميًا من الرياح، وبدأ يعمل يومًا بعد يوم بإصرار غريب، يعمّق الحفرة، ويدعّم جدرانها بالخشب، ويغطيها بالتراب المضغوط.
كان الجيران يراقبونه من بعيد، يتبادلون النظرات والضحكات، غير مدركين أن ما يفعلُه لم يكن جنونًا بل استعدادًا لشيء لم يخطر على بال أحد.
وفي إحدى الأمسيات، قال أحدهم ساخرًا
لقد فقد عقله تمامًا.


ورد آخر وهو يضحك
سيُدمّر أرضه بيديه إن استمر هكذا!
لكن تلك الضحكات لم تدم طويلًا.
في اليوم الذي جمع فيه ماتيو خرافه، وقادها بهدوء، واحدًا تلو الآخر، نحو تلك الحفرة العميقة، وكأنها تعرف وجهتها دون مقاومة.
في البداية، لم يفهم أحد ما يحدث، حتى ارتفع صوت مذعور يصرخ، ليكشف الحقيقة التي لم يتوقعها أحد، ويحوّل السخرية إلى صمت ثقيل.
إنه يُنزلها إلى الحفرة!
وخلال لحظات، انتشر الخبر في أرجاء القرية كالنار، وبدأ الجميع يدرك أن الأمر أخطر مما ظنّوا، وأن ما يحدث أمامهم ليس مجرد تصرّف غريب.
ركض الجيران نحو التل، وواجهوه بغضب وخوف، بينما كان هو يعمل بهدوء، دون أن يلتفت إليهم، وكأن ما يفعله أهم من كل شيء آخر.
ماذا تفعل؟
رفع رأسه أخيرًا، ونظر إليهم بنظرة ثابتة، خالية من التردد، وقال بهدوء أثار القشعريرة في قلوبهم
أحميها.
من ماذا؟
رفع عينيه نحو القمم البعيدة
كانت في عينيه نظرة مختلفة نظرة لا تُشبه الجنون، بل اليقين. يقينٌ ثقيل، واضح، كأنّه يرى ما لا يراه أحد سواه.
ما هو آتٍ
ساد صمتٌ غريب، صمتٌ خانق، كأن الكلمات نفسها تردّدت في الخروج.
الانهيارات الجليدية تأتي دائمًا قال أحد الجيران بلا اكتراث لا شيء جديد.
هزّ ماتيو رأسه ببطء، بثقةٍ هادئة لكنها مقلقة.
هذه ليست كذلك.
حاولوا منعه، ألحّوا عليه، خوّفوه، جادلوه بالعقل.
قالوا إنه يُهدر قطيعه بيده، وأن الخراف ستموت تحت الأرض، بلا هواء بلا نور بلا حياة.
لكن ماتيو كان قد فكّر في كل شيء.
أنشأ فتحاتٍ للتهوية.
خزّن الطعام.
حسب المساحة بدقة.
لم يكن ما بناه حفرة بل ملجأ.
انزلوا إن أردتم النجاة
قالها أخيرًا بنبرةٍ حاسمة أو ابقوا وانتظروا الجبل وهو ينهار فوقكم.
لم يُصدّقه أحد.
في تلك الليلة، داخل الحانة، تضخّمت الحكايات، واشتدّ الضحك، وصارت الكلمات أكثر قسوة.
قالوا إن ماتيو قد فقد عقله.
بعد أيامٍ طويلة، حين تمكّنت فرقُ الإنقاذ أخيرًا من الاقتراب، لم يجدوا قريةً كما توقّعوا، ولا بيوتًا مدمّرة، ولا أثرًا للحياة، بل وجدوا ما يشبه قبرًا هائلًا ابتلع كل شيء.
امتدّت أمامهم طبقاتٌ كثيفة من الثلج المتراصّ، أمتارٌ فوق أمتار، صلبةٌ كأنها حجر، صامتةٌ كأنها تخفي سرًا، ولا شيء غير ذلك، لا صوت، لا حركة، لا حياة.
لكن، وبين هذا الصمت الثقيل، لاحظ أحدهم أمرًا غريبًا، تفصيلةً صغيرة لم تكن تنتمي لهذا الموت الأبيض، بقعةً منخفضة، كأن الأرض هناك لم تستسلم بالكامل.
تجمّعوا حولها ببطء، والقلق يتسلّل إلى نظراتهم، ثم بدأوا الحفر، بحذرٍ في البداية، وكأنهم يخشون إيقاظ شيءٍ نائمٍ تحت الثلج، ثم بسرعةٍ متزايدة.
مرّت ساعات طويلة، تلتها أيام مرهقة، والبرد ينهش أطرافهم، حتى فجأة، ارتطمت إحدى المعاول بشيءٍ صلب، صوتٌ مختلف كسر الرتابة، صوت خشبٍ مدفون.
صرخ أحدهم بصوتٍ مرتجفٍ من الإثارة
هنا! يوجد شيء هنا، تحتنا مباشرة!
تغيّر إيقاع العمل فورًا، صاروا أكثر حذرًا، أكثر تركيزًا، يزيلون الثلج طبقةً طبقة، حتى بدأت معالم بنيةٍ غريبةٍ تظهر تدريجيًا من تحت الركام.
كانت هناك غرفة مدفونة، سقفٌ صلب، وجدرانٌ مدعّمة، وفي المنتصف، بابٌ ثقيلٌ مُحصّن، كأنه صُمّم ليواجه نهاية العالم، لا مجرد عاصفة.
تبادلوا النظرات، ثم تقدّم أحدهم، وطرق الباب بقوة، صوته يتردّد
في الفراغ الأبيض
هل يوجد أحد بالداخل؟ هل تسمعني؟
لم يأتِ أي رد، فقط صمتٌ أعمق، صمتٌ جعل قلوبهم تنقبض، وكأنهم طرقوا على فراغٍ بلا نهاية، أو على شيءٍ لا يجب إزعاجه.
ثم فجأة.
صوتٌ مكتوم، ضربةٌ خفيفة، جاءت من الداخل.
تجمّدوا في أماكنهم، أنفاسهم معلّقة بين التصديق والخوف، قبل أن يبدأ الباب بالتحرّك ببطءٍ شديد، صريره يخدش السكون.
انفتح الباب تدريجيًا، وكشف عن وجهٍ بشري، شاحبٍ، مغطّى بالتراب، بلحيةٍ كثيفة، وعينين مرهقتين، لكنهما حيّتان.
كان ماتيو.
خلفه، لم يكن الصمت، بل صوتٌ خافت، متقطّع، صوت خراف على قيد الحياة، تتحرّك في الظلام وكأنها تتشبّث بالنجاة مثله.
وقف فريق الإنقاذ في ذهولٍ كامل، غير قادرين على استيعاب ما يرونه، وكأنهم أمام معجزةٍ لا تخضع لأي منطقٍ يعرفونه أو يثقون به.
تقدّم أحدهم أخيرًا، بصوتٍ منخفض، مرتبك
كيف عرفت؟ كيف توقّعت كل هذا؟
لم يُجب ماتيو فورًا، بل رفع عينيه ببطء نحو الجبل، أو ما تبقّى منه، كأنّه ينظر إلى كائنٍ حي، لا مجرد صخورٍ ميتة.
قال بعد صمتٍ ثقيل
لم أكن أعرف ليس تمامًا.
تردّد الرجل، ثم سأله
إذًا كيف؟ ماذا حدث؟
تصلّبت ملامح ماتيو قليلًا، وكأنّه يقاوم رغبةً في الصمت، أو يخشى أن تبدو كلماته جنونًا، لكنه في النهاية قرّر أن يتكلّم.
قال بصوتٍ منخفض، ثابت
الجبل هو من أخبرني.
لم يعلّق أحد، لم يجرؤ أحد حتى على السخرية، فقد كان في صوته شيءٌ يمنعهم من ذلك، شيءٌ أثقل من الشكّ نفسه.
تابع وهو يحدّق في الفراغ
في الشتاء الماضي، علقتُ هناك في الأعلى، سقطتُ داخل شقٍ عميق، وكنت متأكدًا أنني سأموت، أن النهاية اقتربت.

ابتلع أنفاسه ببطء، ثم أكمل
لكنني لم أكن وحدي كان هناك شيء آخر، لم أره
تم نسخ الرابط