لقد وارى خرافه تحت التراب.. فضحك الجميع، ولقّبوه بالمجنون
بوضوح، لم أستطع حتى وصفه، لكنني سمعته.
ارتعشت الأجساد حوله، وبرودةٌ مختلفة مرّت بينهم، ليست من الثلج، بل من كلماته، من المعنى الخفي الذي تحمله.
قال
أخبرني أن الجبل ليس ساكنًا، بل يتحرّك، يتنفّس، وأنه حين يتغيّر إيقاعه يجب أن تختبئ، فورًا، دون تردّد.
همس أحد رجال الإنقاذ، محاولًا التمسّك بالمنطق
هل كانت هلوسة؟ نتيجة البرد والخوف؟
هزّ ماتيو رأسه ببطء، بعنادٍ واضح
لا لم تكن كذلك.
نظر إلى يديه، الملطّختين بالتراب، وقال
هو من أخبرني متى أحفر، وأين، وكيف أبني هذا المكان وأنا فقط استمعت.
سقط الصمت من جديد، أثقل من الثلج الذي يحيط بهم، صمتٌ لا يُكسر، وكأن الحقيقة التي سمعوها أكبر من قدرتهم على الفهم أو الرفض.
اقترب أحد المنقذين من المدخل، ونظر إلى الداخل بحذر، ثم قال بصوتٍ خافت
هل يمكننا الدخول؟ نريد أن نرى.
تردّد ماتيو للحظة، وعيناه لا تزالان معلّقتين بالجبل، ثم أومأ ببطء، وكأنه يفتح لهم بابًا لشيءٍ أكثر من مجرد مأوى.
كان الداخل واسعًا بشكلٍ غير منطقي، أوسع بكثير مما يوحي به المظهر الخارجي الضيق، وكأن المكان يخفي في أعماقه سرًا غامضًا لا يُرى بالعين المجردة، بل يُشعر فقط.
كانت هناك مقصورات
لكن ذلك لم يكن ما أثار قلق المُنقذ، ولا ما جعل قلبه ينقبض بتوتر خفي يتسلل إلى أعماقه دون إنذار، بل كان هناك شيء آخر، شيء أكثر إزعاجًا.
الأرض.
الأرض تحديدًا كانت تحمل أثرًا غير مريح، وكأنها شهدت ما لا ينبغي لأحد أن يراه أو يفهمه بسهولة، وكأنها تخفي حكاية صامتة تحت سطحها البارد.
كانت هناك علامات واضحة، خطوط طويلة محفورة بعمق، أخاديد ممتدة وكأن شيئًا ثقيلًا قد جُر فوقها، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى بسهولة.
اقترب المُنقذ ببطء، وانحنى قليلًا وهو يمرر عينيه على تلك العلامات، ثم سأل بصوت منخفض يخفي قلقًا متزايدًا
ما هذا؟
لم يُجب ماتيو فورًا، بل ظل صامتًا للحظات، وكأن الكلمات علقت في حلقه، أو ربما لأنه لم يكن مستعدًا لقول الحقيقة بهذه السهولة.
أظلمت عيناه فجأة، وتغيرت ملامحه، وكأن ذكرى ما عادت تطارده من جديد، ذكرى لم تكن مريحة على الإطلاق.
ثم قال بصوت منخفض، يكاد يُسمع
لم تكن كل الخراف ملكي.
قطب المُنقذ حاجبيه، وشعر بعدم الفهم يتسلل إليه، فسأله بنبرة
ماذا تقصد؟
رفع ماتيو نظره ببطء شديد، وكأن كل حركة منه تحتاج إلى شجاعة، ثم قال وهو يواجهه أخيرًا
عندما أغلقت الباب سمعت شيئًا في الخارج.
ساد صمت ثقيل، صمت كأن الهواء نفسه توقف فيه عن الحركة، وكأن المكان كله ينتظر ما سيُقال بعد ذلك.
ثم أضاف، ونبرته تحمل ارتجافًا خفيًا
كانت هناك ضربات كأن أحدًا، أو شيئًا كان يحاول الدخول.
انخفضت درجة الحرارة فجأة، أو هكذا شعر المُنقذ، وكأن البرد لم يعد مجرد إحساس، بل حضورًا حقيقيًا يزحف حوله.
تابع ماتيو بصوت أبطأ
ظننت في البداية أنهم أشخاص لكن الأصوات لم تكن تشبه أصوات البشر، لم يكن فيها أي شيء مألوف.
سأله المُنقذ بسرعة، وقد بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي
وماذا فعلت؟
ابتلع ماتيو ريقه بصعوبة، وبدت عليه لحظة تردد قصيرة، ثم قال بصوت بالكاد يُسمع
فتحت الباب مرة واحدة.
شعر المُنقذ بعقدة تتكون في معدته، إحساس ثقيل لا يمكن تجاهله، وكأن شيئًا سيئًا للغاية يقترب من الاكتمال.
ثم همس، وكأنه يخشى الإجابة
وماذا حدث بعد ذلك؟
ابتسم ماتيو.
لكنها لم تكن ابتسامة ارتياح، لم تحمل أي طمأنينة أو راحة كما قد يُتوقع، بل كانت شيئًا مختلفًا تمامًا، ابتسامة غامضة تحمل خلفها
كانت ابتسامة غريبة، غير مريحة، وكأنها تخفي سرًا مظلمًا لا يمكن إدراكه بسهولة، أو كأنها اعتراف بشيء لم يُقال بعد.
قال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل ثقلًا مخيفًا
الآن لم يعد هناك حاجة لأن تتحدث الجبال.
في تلك اللحظة، انبعث صوت من أعماق الملجأ، صوت خافت في البداية، ثم بدأ يتضح شيئًا فشيئًا، كأنه يخرج من مكان بعيد جدًا.
كان ثغاء.
لكن لم يكن ثغاءً عاديًا، لم يكن ذلك الصوت المألوف الذي تصدره الخراف، بل كان يحمل نغمة مختلفة تمامًا.
كان أعمق أطول وأقرب إلى صوت بشري بطريقة مرعبة، كأن شيئًا يحاول تقليد الحياة دون أن يكون حيًا حقًا.
تراجع المُنقذ ببطء، خطوة بعد أخرى، دون أن يرفع عينيه عن الظلام، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى أعماقه بشكل لا يمكن إنكاره.
قال بصوت متردد
ماتيو؟
لكن ماتيو لم يكن ينظر إليه.
لم يعد موجودًا معه في تلك اللحظة.
كان ينظر نحو ظلام العمق، نحو ذلك المكان الذي لا يصل إليه الضوء، وكأن شيئًا هناك يجذبه أو يستدعيه.
حيث كان شيء ما يتحرك.
حركة خفيفة، لكنها كافية لإثارة الرعب، كأن الظلام نفسه بدأ ينبض بالحياة.
وفي قلب ذلك الصمت المتجمد، حيث كل شيء بدا متوقفًا، بدأت انهيارات جديدة
لكن هذه المرة
لم تكن قادمة من الجبل.
بل من الداخل.