لم تهرب العروس… ولم يختفِ العريس كما ظنّ الجميع، لكن ما حدث في يوم الزفاف كان أبعد من الخيال
بصوتٍ ضعيف.
يوم زفافٍ سعيد
رامي! أين أنت؟! ماذا حدث لك؟! انهارت ياسمين بالبكاء.
وفي تلك اللحظة
أدرك الجميع أن الحقيقة ليست كما ظنّوا.
لكن ما لم يدركوه بعد
هو أنّ ما حدث لرامي لم يكن مجرّد حادث.
الحديقة التي كانت قبل دقائق تموج بالهمسات الساخرة والاتهامات القاسية
غمرها فجأة صمتٌ ثقيل، صمتٌ يكاد يُسمع له صوت.
تجمّد الجميع في أماكنهم.
كلّ عينٍ معلّقة بتلك الشاشة العملاقة، وكلّ نفسٍ محبوس في الصدور
لا أحد يجرؤ على الكلام ولا أحد يصدّق ما يراه.
وفجأة دخل طبيبٌ إلى إطار البثّ.
كان يرتدي معطفًا أبيض، وملامحه متوترة، لكنه حاول أن يبدو متماسكًا وهو يتحدث
أنا الطبيب المسؤول عن حالة السيد رامي أعتذر إن كنّا قد أربكنا الحفل، لكنّه أصرّ أصرّ بشدّة أن يتحدث إلى عروسه قبل إدخاله إلى غرفة العمليات.
ارتجف المكان
وشعرت القلوب بأنّ ما سيُقال ليس عاديًا.
أكمل الطبيب، وصوته
في طريقه إلى الحفل شهد رامي حادثًا مروّعًا حافلة مدرسية اصطدمت بصهريج وقود واشتعلت النيران في لحظات.
شهقت بعض النساء، ووضعت إحداهن يدها على فمها.
لم يتردّد
تابع الطبيب، وعيناه تلمعان بإعجابٍ صامت
دخل وسط النيران وهو يرتدي بدلته وأنقذ طفلًا ثم عاد وأنقذ آخر ثم ثالثًا حتى أخرج خمسة أطفال كانوا محاصرين داخل الحافلة.
ساد ذهولٌ كامل.
الوجوه التي كانت تسخر تحوّلت إلى وجوهٍ مذهولة خجِلة بل ومكسورة.
لكن
توقّف الطبيب لثانية، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال.
عندما عاد للمرة الأخيرة لإنقاذ السائق انفجر الصهريج.
ارتعشت القاعة.
وسقطت دموعٌ صامتة من عيون لم تكن تتوقّع أن تبكي.
تعرّض رامي لحروقٍ خطيرة ونزيفٍ داخلي حالته حرجة ومع ذلك
نظر الطبيب إلى الشاشة، وكأنه يرى رامي أمامه
أول شيء طلبه عندما وصل إلى المستشفى لم يكن طبيبًا ولا مسكّنًا بل هاتفه ليشرح
انهارت ياسمين تمامًا.
لم تعد تقوى على الوقوف ولا حتى على البكاء بصوتٍ واضح.
وفجأة عاد صوت رامي.
يا حبيبتي
كان صوته أضعف من أن يُسمع لكنه وصل إلى قلبها مباشرة.
بدأت الممرّضات في دفع سريره نحو غرفة العمليات، والأجهزة من حوله تصدر أصواتًا متسارعة.
لا أريدكِ أن تظنّي أنّي تركتكِ
قالها بصعوبة، كل كلمة تُنتزع من بين أنفاسه
أنا تزوّجتكِ في قلبي قبل أن أصل إلى هنا
رامي! لا لا تفعل هذا قاوم! أرجوك قاوم!
صرخت ياسمين، ويديها ملتصقتان بالشاشة الباردة، وكأنها تحاول عبور المسافة المستحيلة بينهما.
العريس الذي سخروا منه
العريس الذي وصفوه بالهارب
لم يكن هاربًا
بل كان بطلًا يركض نحو النار، لا بعيدًا عنها.
سأنتظركِ
همس رامي، وعيناه تذبلان ببطء
لا تخلعي فستانك
ثم أغمض عينيه.
وفي اللحظة التالية
انطفأت الشاشة.
انقطع البثّ.
وعاد الصمت
لكنّه لم يكن كالسابق.
لم يغادر أحد.
لم يجرؤ أحد على المغادرة.
بل على العكس
بدأ الجميع يقتربون من ياسمين.
حتى أولئك الذين سخروا منها قبل قليل
وقفوا حولها ورفعوا أيديهم بالدعاء.
تحوّلت الورود التي كانت للفرح
إلى رموز أمل.
والحفل الذي كان على وشك الانهيار
تحوّل إلى لحظة إنسانية لا تُنسى.
مرّت الساعات بطيئة ثقيلة كأن الزمن نفسه ينتظر.
عشر ساعات كاملة داخل غرفة العمليات.
ثم خرج الطبيب.
كلّ العيون تعلّقت به.
كلّ القلوب توقّفت تنتظر كلمة واحدة.
ابتسم.
لقد نجا
انفجر المكان بالبكاء لكنّه هذه المرة بكاء فرح.
بعد ثلاثة أشهر
لم يُقم الزفاف في حديقة فاخرة
ولا تحت أضواءٍ مبهرة
بل داخل مصحٍّ لإعادة التأهيل.
كان رامي يجلس على كرسيّ متحرّك
تحمل ملامحه آثار ما مرّ به
ندوبٌ على وجهه ويديه لكنها لم تكن عيوبًا
بل كانت أوسمة.
وعندما دخلت ياسمين
مرتديةً الفستان نفسه
الفستان الذي امتلأ بالدموع يومًا
لم ترَ أمامها
بل رجلًا
اختار أن يُنقذ الآخرين أولًا
ثم يعود ليهبها حياته إلى الأبد.