في تلك الليلة، احتمت أرملةٌ بأطفالها داخل مغارةٍ متجمّدة، ظنًّا منها أنها نجت من البرد…

لمحة نيوز

صدرها، ثم اندفعت عائدة إلى المغارة، وكان الأطفال قد استيقظوا، وكان طارق أوّل من رآها.
هل وجدتِ طعامًا؟
فتحت كريمة كفّها، ولمعت القطعة الفضية تحت ضوء الصباح.
لم تُجب.
جثت أمامهم واحتضنتهم جميعًا بيأسٍ ممزوجٍ برجاءٍ خافت، كأنها، في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ شهور، لمست شيئًا يشبه الأمل.
لكنها لم تكن تعلم أن تلك الفضة لم تكن مصادفة، وأنها حين أخذتها أيقظت سرًّا مدفونًا منذ عقود سرًّا مصنوعًا من الدم، والطمع، وأرواحٍ لم تهدأ.
قضت بقية الصباح جالسة فوق بطّانيتها المهترئة، تحدّق مرارًا في القطع الخمس التي جلبتها، وقد لفّتها في طرف شالها، وكانت تفركها بطرف ثوبها حتى تلمع أكثر.
لم تكن تعرف لمن تعود، ولا إن كان الأخذ من المجهول سرقة، ولا إن كان ذلك القبو ملكًا لأحد أم أنه هدية سقطت من السماء لامرأة لم يعد لديها شيء.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط
أطفالها لم يذوقوا طعامًا حقيقيًا منذ ما يقارب يومين.
اقترب طارق، وأشار إلى القطع.
هل تكفي للفاصوليا؟
نظرت إليه وقالت
تكفي ولأكثر.
قالتها دون يقين.
اتّسعت عينا لُجين.
هل أصبحنا أغنياء؟
شعرت كريمة بوخزةٍ في صدرها، أرادت أن تضحك لكنها لم تستطع.
لا يا صغيرتي لكننا لن ننام الليلة وبطوننا خاوية.
أخفت أربع قطع، واحتفظت بواحدة، ثم جعلتهم ينهضون.
ساروا نحو القرية عبر الطريق الحجري، كان طارق يحمل سامي أحيانًا وتحمله كريمة أحيانًا أخرى، بينما كانت لُجين تلتقط الحصى اللامعة من الطريق، لا تزال ترى الجمال حيث لم يعد الكبار يرون سوى التعب.
وعندما دخلوا قرية عين الجبل، عادت النظرات نفسها شفقة، احتقار، فضول.
لكن كريمة لم تتوقف.
توجّهت مباشرة إلى الدكّان.
رفع الحاج رُوقي رأسه بضيق.
ماذا تريدين الآن؟
لم تتكلم.
وضعت القطعة الفضية على الطاولة.
أخذها الرجل، قلّبها بين أصابعه،
عضّها بأسنانه ثم تغيّر وجهه.
من أين لكِ هذه؟
أعطاني إياها
قريبٌ مرّ من هنا.
كذبت دون أن ترمش.
ظلّ ينظر إليها طويلًا، ثم، دون أن تختفي الشكوك تمامًا من ملامحه، أعطاها كيس قمح، ونصف كيس فاصوليا، وخبزًا باردًا، وشمعتين، وقطعة دهنٍ قديم.
لم يُعطها باقيًا.
فقط قال ببرود
هذا يكفي.
كانت كريمة تعرف أنه يسرقها، لكنها لم تجادل، جمعت ما أعطاها وخرجت، تشعر بوخزٍ خفيف يسري في ظهرها.
وقبل أن تنعطف عند الزاوية سمعت الهمسات الأولى الأرملة معها مال، الأرملة لم تعد تتسوّل، الأرملة تُخفي شيئًا.
في تلك الأمسية طهت الفاصوليا في علبةٍ معدنية قديمة وجدتها بين أنقاض البيت المهجور، بلا ملح ولا توابل ولا أي شيء، ومع ذلك أكل الأطفال كأنهم أمام مائدة عيد.
لحست لُجين أصابعها، وطلب سامي المزيد، أما طارق فأخفض عينيه نحو طبقه، وللمرة الأولى منذ وفاة أبيه رأته كريمة يُرخي جسده قليلًا.
أما هي، فأكلت في النهاية، قليلًا كأنها تفعل ذلك فقط لأنها مضطرة.
لكن الراحة لم تدم.
فمع غروب الشمس، وامتداد ظلّ الجبل، عادت الأسئلة تثقل صدرها من جديد من الذي خبّأ تلك النقود؟ ولماذا لم يطالب بها أحد؟ وماذا ستفعل إن جاء صاحبها يومًا؟
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت تغسل ثياب أطفالها في بركةٍ صغيرة من ماء المطر، سمعت صوت حوافر خيل.
وكان ذلك الصوت وحده كافيًا
ليجعل الدم ينسحب من أطرافها.
نظرت كريمة نحو الطريق الضيّق فرأت ثلاثة رجال يصعدون، اثنان منهم من عمّال أرض آل البدري، أمّا الثالث فكان يعقوب، رئيس العمّال عند عزّات، رجلًا طويلًا، نحيفًا، على خده ندبة قديمة، وعيناه تحملان تلك الابتسامة الباردة التي لا تحتاج إلى شفاه.
وقفت كريمة فورًا، وقالت لأطفالها دون أن تلتفت إليهم حتى، بصوتٍ خافتٍ حازم، أن يدخلوا إلى عمق المغارة وألا يُصدروا أي
صوت.
ترجّل يعقوب ببطء، وأخذ يتأمّل المكان بنظرةٍ واثقةٍ سامة، كأن الأرض وما عليها ملكٌ له.
انظري فقط الأرملة وجدت لنفسها مأوى في الجبل.
لم تُجب كريمة.
هذه الأرض لها صاحب وكل ما فيها كذلك، المغارة، والكوخ، والحجارة حتى الغبار.
أنا فقط أحتمي مع أطفالي لا مكان لنا نذهب إليه.
اقترب خطوة أخرى.
عزّات رجل كريم لكنه لا يحب من يقتحم ما يخصه، إن أردتِ البقاء فعليكِ أن تدفعي.
لا أملك شيئًا.
دائمًا هناك ما يُدفع.
نظرتها إليه كانت كافية لتفهم ما يقصده قبل أن يُكمل، فشعرت بالغثيان، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
لا.
ضحك ضحكة قصيرة.
إذن لديكِ ثلاثة أيام إمّا أن ترحلي أو تدفعي عشرين جنيهًا.
عشرون جنيهًا مبلغ مستحيل.
هذا كثير.
لا تفاوضيني السيّد هو من يأمر.
ثم مال برأسه قليلًا نحو المغارة، وخفّض صوته
وإيّاكِ أن تعبثي فيما لا يعنيك في الجبل أشياء سيئة تحدث، الناس تختفي والأطفال يضيعون.
قبضت كريمة على يديها بقوة، أرادت أن تبصق في وجهه، أن تصرخ، أن تضربه بحجرٍ حتى ينفلق رأسه لكنها لم تفعل، فقط نظرت إليه بكراهيةٍ صافية جعلته يتوقف عن الابتسام لحظة.
ثم امتطى حصانه، وغادر مع رجاله، تاركًا خلفه الغبار والتهديد.
خرج طارق من المغارة، شاحب الوجه.
هل سيطردوننا؟
نظرت كريمة نحو البيت المهجور.
خلف تلك الجدران وتحت الغطاء الخشبي كانت الصناديق المليئة بالنقود القديمة تنتظر، مالٌ يكفي ربما للطعام، وربما لشراء سقف وربما لشراء وقت، لكن معه أيضًا الخوف، والشك، وذلك الصوت الغامض في الليلة الأولى، والإحساس بأن الجبل لا يعطي شيئًا مجانًا.
لا أدري.
في تلك الليلة، وبعد أن نام الأطفال، عادت كريمة إلى البيت الطيني، تحمل شمعة مشتعلة، ونزلت إلى القبو، وبدأت تفحص الصناديق بعناية أكبر، فوجدت في أحدها فضة، وفي آخر أوعية مغلقة بداخلها شيء جاف،
وفي صندوقٍ في الزاوية كتابًا بغطاء جلدي متآكل.
فتحته.
لم تكن تقرأ بطلاقة، لكنها كانت تفهم ما يكفي أسماء، تواريخ، أرقام، بعض الصفحات بدت حسابات، وأخرى قوائم، وفي النهاية وجدت جملة مكتوبة بحبر أسود غليظ، استطاعت أن تقرأها كاملة، وهي تتهجّا
من يلمس هذا الكنز يحمل لعنة الموتى الذين حرسوه.
مرّت قشعريرة باردة في جسدها.
وفي تلك اللحظة
سمعت خدشًا.
ليس من الخارج ولا من الأعلى
بل من الجدار الخلفي.
رفعت الشمعة، فعاد الصوت حكّ بطيء، مُلحّ، كأن أظافر تنغرس في طينٍ رطب.
تراجعت.
ثم سمعت نفسًا.
بطيئًا ثقيلًا قريبًا جدًا.
تجمّد الدم في عروقها، وصعدت الدرج مسرعة، سقطت الشمعة من يدها، تعثرت، خرجت إلى الهواء الطلق، ولم تتوقف حتى وصلت إلى المغارة، تحت سماءٍ مكتظة بالنجوم.
انحنت، تلهث، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
حاولت أن تقنع نفسها أنه حيوان حاولت أن تصدّق ذلك فعلًا لكنها في أعماقها، كانت تعرف أن ذلك البيت يخفي أكثر من نقود.
مرّ اليومان التاليان كجحيمٍ صامت.
تظاهرت كريمة بالهدوء أمام أطفالها، تحكي لهم القصص، وتقسّم آخر ما تبقّى من الطعام بدقّة، وتغنّي لهم بينما في داخلها كان الخوف ينمو ساعة بعد ساعة، لأنها كانت تعلم أن يعقوب سيعود، وتعلم أنهم لن يستطيعوا الهرب بعيدًا، وتعلم أيضًا أنه إن كانت تلك النقود قد تنقذهم فعليها أن تعرف كم منها نعمة وكم منها كارثة.
في الليلة الثانية نزلت مجددًا.
هذه المرة، لم تحمل شمعة، بل شعلة صنعتها من خِرقٍ ودهنٍ قديم.
كان الضوء أقوى.
وفي عمق القبو، خلف صندوقين كبيرين لاحظت أن الجدار ليس من الحجر كباقي المكان، بل من طينٍ أحدث.
وكان فيه ثقب صغير.
خرج منه هواء بارد ورائحة غريبة، طينٍ مبتل ممزوج بشيءٍ حلوٍ فاسد.
أزاحت الصناديق، وأمسكت معولًا صدئًا، وضربت الجدار.
تفتّت بسهولة.
فتحت
فجوة ونظرت.
كان خلفه نفق ضيّق ينحدر داخل الجبل.
شعرت برغبةٍ في الهرب
لكنها دخلت.
انحنت لتسير، والعوارض
تم نسخ الرابط