لمسة واحدة… للمرأة التي أكرهها، كانت كفيلة أن تشعل النهاية التي انتظرتها سنوات…
اسمي مارا
ومنذ عشرة أعوام، لامست يداي جسد المرأة التي كرهتها أكثر من أي شيء على هذه الأرض، ولم تكن تلك اللمسة عادية بل كانت بداية النهاية التي انتظرتها طويلًا.
حدث ذلك عام 1862، عندما كنت في الرابعة والعشرين، وفي تلك الليلة أخيرًا، لم أعد خائفة، ولم أعد أتراجع، وحوّلت حمامًا يوميًا إلى طقس أخير لن تنجو منه.
وُلدتُ عبدة في مدينة ريو دي لونا، ابنة امرأة اسمها إيزابيل، كانت قوية رغم القهر، تعمل في مطبخ القصر الكبير، وتُخفي ألمها خلف صمتٍ طويل لا ينكسر بسهولة.
أما أبي فلم أعرفه أبدًا
ماتت أمي وأنا في التاسعة، سقطت ضحية حمى اجتاحت العبيد، وتركَتني وحدي في عالم لا يرحم، بلا سند، وبلا أحد يحميني من قسوته.
كبرتُ داخل حي سان مارتينو، في قصر استعماري ضخم، مطلي بالأصفر، مزين بالأزرق، وحدائقه واسعة، لكنه رغم جماله كان سجنًا مغلقًا لا يُرى من الخارج.
نوافذه مزخرفة بالحديد، وواجهته تحمل شعار عائلة فيريرا، نسر ذهبي يلمع في الشمس، بينما نحن في الداخل لا نملك حتى ظلًا نحتمي به.
منذ صغري، تعلمت كل شيء التنظيف، الترتيب، تقديم الطعام، والانحناء في الوقت المناسب، حتى أصبح الصمت جزءًا مني، والخوف عادة لا أستطيع التخلص منها.
لكن في سن الحادية عشرة، تغير كل شيء عندما أُسندت إليّ مهمة واحدة،
أصبحت المسؤولة عن حمامات السيدة لوسيندا سيدة القصر.
كانت في السابعة والثلاثين، جميلة بشكل يخدع من يراها، بشعر أشقر ناعم، وبشرة بيضاء تحميها من الشمس وكأن الضوء عدوها، وجسد تعرف كيف تستخدمه جيدًا.
لكن خلف هذا الجمال كانت روحها مظلمة، باردة، خالية من الرحمة، وعيناها تحملان نظرة لا ترى فينا بشرًا، بل أدوات تُستخدم ثم تُنسى.
قسوتها لم تكن صاخبة بل هادئة، مدروسة، تجعل الإهانة تبدو وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية التي لا يمكن الهروب منها.
كل ليلة، في الثامنة تمامًا، يبدأ الطقس نفسه
صوتها يملأ المكان
مارا جهّزي الحمام الآن.
كنت أصعد السلالم حاملة دلاء الماء الساخن، أختبر حرارته بيدي مرارًا، خوفًا من خطأ صغير قد يكلفني ألمًا لا يُحتمل.
أُضيف أملاحًا عطرية مستوردة، وبتلات ورد، وزيوتًا تفوح في المكان، حتى يبدو كل شيء فاخرًا رغم أنني أعرف جيدًا ما ينتظرني بعدها.
العذاب الحقيقي لم يكن في التحضير، بل في اللحظة التي تدخل فيها.
بمجرد أن تدخل لوسيندا يتغير كل شيء.
الهواء نفسه يصبح أثقل، والخوف يتسلل إلى صدري دون إذن، كأنني أعرف أن كل دقيقة بعدها لن تمر بسلام أبدًا.
كانت تقف أمامي بثقة باردة، وكأنها تستمتع بكل لحظة إذلال أمرّ
كنت ألمس الحرير، والقطن المصري، أتعامل معها بحذر شديد، ليس احترامًا بل خوفًا من العقاب الذي ينتظر أي خطأ صغير.
انتبهي جيدًا هذا الدانتيل أغلى منك يا مارا، كانت تقول بابتسامة خفيفة، ولو تمزق سأجعل جلدك يدفع الثمن بالكامل.
حوض الرخام ببطء، كأنها ملكة تتوج نفسها، بينما أقف أنا في مكاني مجرد ظل لا يُرى.
ثم يبدأ دوري الحقيقي
أغسلها بيدي، من قدميها حتى رأسها، دون أن أتوقف، دون أن أرتاح، كأنني آلة لا يحق لها التعب أو الرفض.
كنت أنفذ كل شيء بصمت، لكن داخلي كان يشتعل، وكل كلمة منها كانت تترك أثرًا لا يُمحى، كجرح صغير يتراكم حتى يصبح شيئًا أكبر.
لم تكن تكتفي بالأوامر
كانت تتحدث، تضحك، تُهين، وكأنها تجد متعة خاصة في تحطيم ما تبقى داخلي من كرامة.
انظري إلى يديكِ يا مارا، قالت مرة وهي تفتح عينيها ببطء، سوداء، خشنة كيف تجرؤين على لمس بشرتي؟
ولم تتوقف الإهانات عند حدود الحمّام؛ بل جعلتها لوسيندا طقسًا يوميًا لا يقل قسوة، وكأنها تسعى لأن تذكّرني، في كل لحظة، بأنني لا أملك شيئًا ولا أساوي شيئًا.
ابتكرت نظامًا غريبًا، شاذًا، لا يهدف إلا إلى إذلالي ببطء.
أثناء تناول الطعام، كانت تجلس بكامل أناقتها، محاطة بعائلتها وضيوفها، تضحك بصوتٍ خافت، ثمدون أي سببتُسقط عمدًا فتات الخبز أو
لم يكن ذلك خطأ
كان مقصودًا.
كانت تنظر إليّ، تلك النظرة التي أعرفها جيدًا، ثم تقول بنبرة باردة تخفي خلفها لذة قاسية
يا للخسارة يا مارا انظري ماذا فعلتِ. التقطي هذا الطعام وبما أنكِ من أسقطته، يمكنكِ تناوله الآن.
لم تكن تنتظر ردًا.
لم أكن أملك ردًا.
كنت أتحرك فورًا، كأن جسدي تعوّد أن يسبق أوامرها، أن يركع قبل أن تكتمل كلماتها.
أجثو على ركبتيّ فوق الأرضية الباردة، التي كانت تعكس صورتي بشكلٍ مشوّه، أمام أعين الجميع أمام ضحكاتهم المكتومة، ونظراتهم التي لم تكن ترى فيّ إنسانة.
بل مشهدًا.
عرضًا.
شيئًا للتسلية.
أمد يديّ المرتجفتين، أجمع الفتات قطع اللحم التي التصق بها الغبار، والخبز الذي تلطّخ بما لا يُؤكل، ثم أقرّبه من فمي.
كنت أبتلعه.
ببطء.
بصمت.
كل لقمة كانت تمر في حلقي كأنها حجر، وكل نظرة كانت تثقل صدري أكثر من أي طعام فاسد.
انظري إليها تأكل كالحيوان، كانت تقولها وهي تبتسم، وكأنها ألقت نكتة خفيفة، فيضحك من حولها، أو يشيحون بوجوههم لكن لا أحد يتوقف.
ولا أحد يتدخل.
ولا أحد يرى.
استمر هذا ليلة بعد ليلة.
عامًا بعد عام.
اثنتي عشرة سنة كاملة، وأنا أبتلع الإهانة كما أبتلع ذلك الطعام القذر، دون صوت، دون دموع، لأنني كنت أعلم جيدًا أن