لمسة واحدة… للمرأة التي أكرهها، كانت كفيلة أن تشعل النهاية التي انتظرتها سنوات…
المحتويات
بشيء واحد.
العقاب.
الجلد أمام الجميع أو ما هو أسوأ.
تعلمت الصمت.
تعلمت كيف أدفن كل شيء في داخلي.
لكن الصمت لا يعني الفراغ.
في كل ليلة، عندما تعود إلى حمّامها، وعندما تلامس يداي بشرتها من جديد، كان شيء آخر يتصاعد داخلي.
ليس خوفًا.
لم يعد خوفًا.
بل غضب بارد، عميق، ثقيل، يتخمر في صدري ببطء، كأنه ينتظر لحظة واحدة فقط لينفجر.
كنت أشعر به في أطراف أصابعي، في أنفاسي، في نظرتي التي لم تعد كما كانت.
لكني كنت أُخفيه.
أُتقنه.
أُخفيه حتى عن نفسي.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أقف خلفها، أساعدها كالمعتاد، قالت فجأة، دون أن تفتح عينيها، بصوتٍ هادئ
أنتِ عبدتي المفضلة يا مارا
توقفت يداي لثانية.
لكنها لم تلاحظ.
أو ربما لاحظت، ولم تهتم.
أكملت، بابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها
لأنكِ لا تتفاعلين أبدًا لا تبكين لا تصرخين لا تعترضين. أنتِ كدمية قماش.
ضحكت.
ضحكة قصيرة، حادة، مرت في أذني كشيء ينكسر.
وفي تلك اللحظة لم أشعر بالإهانة.
بل بشيء آخر. شيء تغيّر.
كأن تلك الكلمات لم تُحطّمني بل أيقظت شيئًا كان نائمًا منذ سنوات.
في ليلة حارة من ليالي مارس في ريو دي لونا، كانت الرطوبة خانقة إلى حدٍ يكاد يُثقل الصدر، وكانت رائحة البحر تزحف في الأزقة والبيوت ببطء، كأنها تُحاصر كل شيء ولا تسمح له بالهروب.
في ذلك اليوم تحديدًا، لم تكن الإهانة عابرة ككل مرة، بل كانت أعمق وأثقل وأكثر قسوة مما اعتدت تحمّله؛ إذ وقفت لوسيندا أمام ضيوفها، بكامل أناقتها وبرودها، وأمرتني دون تردد أن أنحني وأتناول الأرز الذي سقط على الأرض، مختلطًا بترابٍ انسكب من أصيص زهور مكسور.
ارتفعت ضحكات الحاضرين من حولي، لا خجل فيها ولا رحمة، بل إعجاب واضح بما أسموه أسلوبها في التأديب، وفي تلك اللحظة، وأنا أبتلع الإهانة كما أبتلع ذلك الطعام القذر، شعرت بشيء ينكسر داخلي ليس ضعفي، بل صبري نفسه، ذلك الذي دام سنوات طويلة وكنت أظنه بلا نهاية.
مرّت الساعات بعدها ببطء ثقيل، كأن الزمن نفسه يراقب ما سيحدث، حتى أعلنت لوسيندا، بنبرة متبرّمة تخلو من أي أثر لما فعلته بي، أنها ستأخذ حمامًا طويلًا لأن الحرارة لا تُحتمل، وأنها تحتاج إلى استرخاء عميق يعيد لها صفاءها، وكأن العالم كله خُلق ليخدم راحتها فقط.
بدأتُ في تجهيز كل شيء كما اعتدت دائمًا؛ أملاح الاستحمام، الزيوت العطرية، الماء بدرجته الدقيقة التي تحفظها يداي أكثر مما تحفظها ذاكرتي، لكن هذه المرة كان هناك اختلاف لا يمكن إنكاره لم يكن ذهني شاردًا ولا خائفًا، بل كان ثابتًا على فكرة واحدة، واضحة
كنت أعرف هذا الطقس أكثر مما تعرفه هي نفسها؛ أعرف اللحظة التي تسترخي فيها تمامًا، وأعرف كيف يتباطأ تنفسها، وكيف تفقد انتباهها تدريجيًا، وأي ثانية تحديدًا تصبح فيها بلا دفاع كنت أعرف كل ذلك، وكنت أعرف أنني لن أحصل على فرصة أفضل من هذه.
صعدتُ الدرج ببطء، يتصاعد من الماء بخار كثيف يملأ المكان، ومع كل خطوة كان هدوء غريب يتسلل إلى داخلي، يزيح الخوف الذي لازمَني لسنوات طويلة. لم أعد تلك الفتاة التي ترتجف من صوتها لم أعد أنتظر الأوامر بخوف بل كنت أتحرك بثبات لم أعرفه من قبل.
كان الحمّام مضاءً بشموع معطّرة، يتراقص ضوؤها الذهبي على الجدران الرخامية، فيخلق ظلالًا تتحرك ببطء، وكأنها تراقب ما سيحدث. انعكس الضوء على سطح الماء، فبدا ساكنًا وهادئًا على نحوٍ مخادع.
ساعدتُها على خلع ملابسها بحركات آلية اعتدتها حتى صارت جزءًا مني، لكن عينيّ لم تكونا كما كانتا من قبل؛ لم تكونا خاضعتين ولا خائفتين، بل كانتا تراقبان وتحسبان، خاصة تلك المسافة الصغيرة بين عنقها وسطح الماء المسافة التي بدت فجأة أقصر من أي وقت مضى.
سألتني، دون أن تنظر إليّ هل الماء مثالي؟ ثم مدّت قدمها لتختبر حرارته، قبل أن تنزل ببطء داخل الحوض، وتستقر
أجبتها بهدوء نعم يا سيدتي، تمامًا كما تحبّينه، وبدأتُ بتدليك كتفيها بدقة متناهية، حتى أغمضت عينيها تدريجيًا، مستسلمة لذلك الشعور المألوف، واثقة تمامًا أنني لن أكون سوى ما كانت تراني عليه دائمًا خادمة صامتة، بلا إرادة.
وبصوتٍ ثقيل يقترب من النعاس، همست هل تعلمين لماذا أقدّر طاعتك يا مارا؟ لأنك خُلقتِ لتخدمي إنها صفة فطرية فيكِ.
مرّت كلماتها ببطء، لكنها هذه المرة لم تؤلمني لم تُحطّمني بل أكدت لي شيئًا واحدًا فقط.
في تلك اللحظة، بينما كانت غارقة في غرورها واطمئنانها، اتخذتُ قراري الأخير. وضعتُ يديّ بثبات على كتفيها، وشعرت بثقل السنوات كلها ينتقل إلى أصابعي، كأن كل إهانة وكل نظرة وكل كلمة قاسية قد وجدت طريقها أخيرًا إلى تلك اللمسة.
لم أرتجف.
لم أتردد.
انحنيت قليلًا، واقترب صوتي من أذنها، وقلت بهدوء لم أعرفه في نفسي من قبل هدوء لا يحمل خوفًا، بل يحمل نهاية
سيدتي لقد علّمتِني حقًا كل ما أحتاج معرفته عن معاناة الآخرين.
قبل أن تستوعب كلماتي، كنت قد استجمعت كل ما في داخلي من قوة، قوة لم تكن لحظة غضب عابرة، بل حصيلة سنوات طويلة من القهر والعمل والصمت، دفعتها بها دفعة واحدة إلى الأسفل. انزلقت في الماء، وارتطم
متابعة القراءة