قال الطبيب: لم يتبق لكِ سوى يومين

لمحة نيوز

وفي تلك اللحظة، انفتح باب غرفتي.
دخل حيدر بابتسامةٍ مصطنعة تشبه ابتسامة زوجٍ مثالي، يحمل ملفًا تحت ذراعه، وملامح حزنٍ مرسومة بعناية على وجهه، حزنٌ لم يعد قادرًا على خداعي كما كان من قبل.
ما إن سمعت أمينة صوت الباب حتى صمتت فورًا على الطرف الآخر من الخط، وكأنها اختفت فجأة.
كان رد فعلي غريزيًا تمامًا، فقلت عبر الهاتف الأرضي وأنا أحاول إخفاء ارتجاف صوتي نعم يا أمي لا، لا أعلم إن كان هذا سيُريحك سأتصل بكِ لاحقًا.
أغلقت الهاتف ببطء، بينما ظل حيدر ينظر إليّ لثانيةٍ أطول من اللازم، ثم سأل وهو يقترب من السرير والدتكِ؟
أومأت برأسي وقلت أرادت أن تدعو لي.
وضع الملف على الطاولة، ثم عدّل وسادتي برقةٍ زائفة كانت كفيلة بأن تثير اشمئزازي، وقال بنبرةٍ هادئة هذا جيد، سيفيدك أن تكوني في سلام.
في سلام كدت أن أضحك، لكنني اكتفيت بإغماض عينيّ للحظة كأنني منهكة، وحين فتحتهما مجددًا، كان قد تغيّر تمامًا؛ لم يعد هناك أي أثر لذلك الحنان المصطنع، بل حلّ مكانه استعجالٌ واضح.
قال وهو يفتح الملف يقول الطبيب إنكِ قد تشعرين بمزيد من الارتباك خلال ساعات قليلة، لذلك أحضرت بعض الأوراق، لا شيء معقد، فقط في حال أردتِ ترتيب الأمور.
نظرت إلى الملف دون أن ألمسه، وسألته بهدوء أي نوع من الأوراق؟
أجاب بسرعة أمور المنزل،

الحسابات، بعض التصاريح لا تقلقي، يمكنني شرح كل شيء.
لم يكن مستعدًا حتى للانتظار كان يريد إدارة كل شيء قبل أن أموت.
همست ليس الآن أشعر بدوار.
لمحت انقباضًا سريعًا في فكه قبل أن يستعيد قناعه فورًا، ثم قال كما تشائين يا حبيبتي.
كلمة حبيبتي بعد ما سمعته في الردهة بدت لي وكأنها شيءٌ مقزز يزحف على جلدي.
بعد دقائق، وما إن خرج مرة أخرى، حتى سارعت إلى الهاتف الأرضي واتصلت بأمينة، فأجابت من الرنّة الأولى.
قلت بصوتٍ خافت للغاية هو ما زال هنا.
ردّت بسرعة أنا في طريقي يا سيدتي، لكن استمعي إليّ جيدًا لقد سمعت ما قاله، وهذا ليس كل شيء.
شعرت ببرودةٍ تتسلل إلى ذراعي، وسألتها ماذا تقصدين؟
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول أقصد أن هذا الرجل كان يحاول قتلكِ ببطء منذ أسابيع.
في تلك اللحظة، اختفى كل شيء من حولي؛ لم أعد أسمع صوت المستشفى، ولا الممر، ولا حتى أنفاسي.
همست لا رغم أنني كنت أعرف في داخلي أن الأمر ليس مستحيلًا.
تابعت أمينة في آخر مرة دخلت فيها المطبخ، رأيته يتخلص من دوائكِ الجيد ويستبدله بعبوة مشابهة، كما رأيته يضيف قطرات داكنة إلى الشاي الذي كان يُحضّره لكِ كل ليلة. 
في البداية ظننتها شيئًا من الطبيب، لكنني سمعته يتحدث في الهاتف مع امرأة، وقال لها إن الأمر لن يطول، وإن كبدكِ بدأ ينهار
كما ينبغي.
شعرت بغثيانٍ حاد واضطررت إلى تغطية فمي، بينما بدأت التفاصيل تتجمع في رأسي بشكلٍ مرعب؛ الليالي، ذلك الطعم المعدني الغريب
وازداد التعب بشكلٍ مفاجئ، وإصراره الغريب على أن يُحضّر لي الشاي بنفسه كل ليلة، وعدم سماحه لأي أحد بالاقتراب من مطبخي، 
حينها فقط بدأ كل شيء يتضح بطريقة مخيفة.
قالت أمينة بصوتٍ بسيط، صادق، لا يعرف التزييف
يا سيدتي، اسمعيني جيدًا حتى لو لم أكن أمامكِ. إن استسلمتِ الآن فسيكون هو الفائز. لذلك لا، لن نستسلم.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وقلت
ماذا نفعل؟
ساد صمتٌ قصير لكنه لم يكن ترددًا، بل تفكيرٌ سريع.
ثم قالت بحزم
أولًا لا توقّعي على أي شيء.
ثانيًا يجب أن أصل إلى البيت قبله.
ثالثًا نحتاج إلى طبيبٍ لا يخاف.
أغمضت عينيّ.
نعم كان الطبيب في المستشفى حذرًا، لكن شيئًا في عينيه لم يكن مطمئنًا. لم يكن كذبًا بل استسلام، كأنه يقرأ نتائج لا تتطابق مع حالتي.
همستُ
هناك طبيبة اسمها دكتورة ليلى. أخصائية كبد. كانت تعمل مع ابن عمي، وطلب مني يومًا أن أذهب إليها لأخذ رأيٍ ثانٍ لكن حيدر رفض.
قاطعتني أمينة فورًا
نحتاجها الآن. اتصلي بها.
لم يكن معي هاتفي
لكنني كنت أحفظ رقمها عن ظهر قلب.
طلبته بيدي المرتجفة، وانتظرت.
جاءني صوتٌ هادئ، يقظ
دكتورة ليلى؟
قلت بسرعة
أنا زهراء التقينا
من قبل في منزل عالية. أحتاج مساعدتك الآن من فضلك، ولا أريد أن يعلم زوجي.
لم تسأل كثيرًا.
قالت فقط
أخبريني باسم المستشفى ورقم الغرفة. أنا قريبة.
أغلقت الهاتف، فعادت أمينة تقول
أنا في طريقي إلى البيت. أين الأوراق المهمة؟
نظرتُ إلى الباب، وكأن حيدر قد يعود في أي لحظة.
قلت بسرعة
في غرفة المكتب الدرج السفلي من خزانة الكتب اليسرى. هناك ملف أزرق فيه أوراق الملكية، وذاكرة USB، ومظروف بلونٍ كريمي فيه وصيتي.
سألتني
وصيتكِ؟
قلت
نعم منذ عامين. تركتُ فيها كل شيء تقريبًا لحيدر في حال لم يكن لدي أطفال.
والآن؟
شعرتُ بقلبي يخفق بقوة.
قلت ببطء
الآن لن أترك له حتى حقي في الموت بسلام.
أطلقت أمينة ضحكة خافتة، وقالت
هكذا أريدكِ.
كانت الساعة التالية أطول ساعة في حياتي.
دخل حيدر وخرج مرتين.
مرة ليضع عصيرًا لم ألمسه، ومرة أخرى ليعيد الحديث عن الأوراق.
تظاهرتُ بالنوم بالارتباك بالضعف.
وفي كل مرة كان يلمس يدي كنتُ أقاوم رغبتي في سحبها بعيدًا.
وفي لحظةٍ ما، وقف قرب النافذة، يُرسل رسائل من هاتفي وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة.
راقبته من تحت جفوني، بهدوء
أتابع كل حركة
كأنها دليلٌ جديد.
في تمام الساعة السادسة والربع، سُمع طرقٌ خفيف على الباب.
دخلت امرأة ترتدي معطفًا أبيض، شعرها مربوط إلى الخلف في ذيلٍ مشدود، ونظرتها
صافية حادة لدرجةٍ كادت تجعلني أبكي.
قالت بثبات
أنا الدكتورة ليلى. جئت
تم نسخ الرابط