قال الطبيب: لم يتبق لكِ سوى يومين
على الطاولة
لا. ما حدث هو العكس تمامًا. كانت النتائج تُخفى والآن فقط أصبحت واضحة.
نظر حيدر إلى الأوراق
ثم إليّ
ثم إلى أمينة.
وللمرة الأولى
فهم.
فهم أن الغرفة لم تعد له.
خرج صوته منخفضًا، حادًا
ماذا قالت لكِ تلك المرأة؟
لم تنتظر أمينة ردي.
أخرجت الزجاجة غير المُعلّمة من مئزرها
ووضعَتها أمامه.
وقالت ببساطة
هذا ما قاله.
اختفى اللون من وجهه تمامًا.
ساد الصمت.
حتى صوت الأجهزة بدا أعلى
كأنه يراقب.
تراجع خطوة إلى الخلف
ثم أخرى.
وقال بصوتٍ متماسك بالكاد
أنتم لا تفهمون ما ترونه.
عقدت ليلى ذراعيها وقالت بهدوء إن ما لديها يكفي لاستدعاء قسم السموم وإبلاغ الشرطة إن لزم الأمر.
نظرتُ إليه من سريري. كنت ما زلت ضعيفة، لكنني لم أعد
وقلت بهدوء سمعتك في الردهة.
تغيّر وجهه فورًا، ولم يكن ذلك ندمًا، بل كراهية انكشفت أخيرًا.
اقترب قليلًا وهمس إذن كان يجب أن تموتي الليلة الماضية.
تمتمت أمينة بغضب، وتقدّمت ليلى خطوة إلى الأمام، بينما أغلق الموثّق حقيبته بهدوء.
أما أنا، فقد شعرت بشيء بارد يستقر داخلي، وقلت بثبات
لا أنت من انتهى.
نظر حيدر نحو الباب بسرعة، كأنه يحسب طريق الهروب. لم يُهزم بعد، لكنه لم يعد مسيطرًا.
في تلك اللحظة ظهرت ممرضة عند الباب، وأخبرتنا أن الشرطة في طريقها للتحدث معي.
انحنت أمينة بجواري وهمست هناك أمر يجب أن تريه.
ثم أخرجت هاتفي، الهاتف نفسه الذي أخذه مني، وفتحت رسالة.
كان الاسم محفوظًا نور
وجاء في آخر رسالة أرسلها
إذا وقّعت
رفعتُ عيني نحوه
ولأول مرة، لم أرَ فيه أي قوة.
وصلت الشرطة، وتحوّل الهدوء المصطنع إلى حركة سريعة وأسئلة مباشرة. حاول حيدر في البداية أن يتماسك، أن يتحدث بثقة، أن يُعيد ارتداء قناعه مرة أخيرة لكن الأدلة كانت أبسط من أن تُنكر، وأثقل من أن تُخفى.
الزجاجة.
التحاليل.
الرسائل.
وحين فُتح هاتفه بالكامل ظهرت نور.
لم تكن مجرد اسم.
كانت شريكة.
امرأة تعمل في صيدلية خاصة، تعرف كيف تمرّر الأشياء الصغيرة دون أن تُلاحظ، وكيف تجعل السمّ يبدو كدواء. اعترفَت سريعًا، أسرع مما توقّع، وكأنها كانت تنتظر لحظة سقوطه.
أما هو فظل صامتًا.
لم ينظر إليّ عندما أخذوه.
ولم يحاول
كأن كل شيء انتهى داخله قبل أن ينتهي خارجيًا.
بعد أيام، كنت لا أزال في نفس الغرفة لكنني لم أعد نفس المرأة.
بدأ العلاج الحقيقي.
ببطء لكن بثبات.
قالت ليلى إن الضرر كبير، لكنه ليس نهاية.
وأن جسدي رغم كل ما مرّ به ما زال يقاوم.
ابتسمت حينها.
لأول مرة منذ وقت طويل شعرت أنني أفعل الشيء نفسه.
عادت أمينة إلى المنزل لكن ليس كخادمة.
بل كإنسانة اختارت أن تبقى.
أما أنا فلم أعد أفكّر في ما فقدت.
بل في ما نجا.
البيت لم يعد مجرد جدران.
والمال لم يعد هدفًا.
والثقة لم تعد سهلة كما كانت.
لكنني كنت ما زلت هنا.
وذلك كان كافيًا.
وفي بعض الليالي، حين أستيقظ على هدوءٍ غريب أتذكّر تلك الليلة.
ليلة لم أمت فيها
رغم أن كل شيء كان مُعدًا
ثم أغمض عينيّ من جديد،
وأتنفّس ببطء
كأنني أتعلم الحياة
من البداية.