رفضوا ترقيتي في المصنع

لمحة نيوز

ولا اعتمادها للشحن!
بدأ العرق يظهر على جبينه.
فبعد أقل من ساعتين
كان وفد الخليج سيصل لتفقد المصنع والشحنة الجديدة الخاصة بالأجهزة الطبية.
وأي خطأ في تلك الشحنة
قد يُسقط العقد كله.
اقترب مني سامر مرة أخرى وقال بصوت منخفض يحاول السيطرة على أعصابه
اسمعي يا أمينة لا تُكبّري الموضوع.
ضحكت بسخرية مريرة.
ثم قلت
أنا لم أصنع الفضيحة يا باشمهندس أنت صنعتها حين قررت أن الخبرة أصبحت عيبًا لأن صاحبتها تقدمت في السن.
حاول الإمساك بذراعي.
لكن فجأة ظهر ابني من جهة المستودعات وهو يقول بغضب
أبعد يدك عن أمي.
ساد توتر ثقيل.
حتى رجال الأمن الذين اقتربوا للتدخل
ترددوا.
كانوا يعرفونني جميعًا.
أحدهم عملتُ يومًا على منع خصم راتبه بعدما اتُّهم ظلمًا بإتلاف بضاعة.
والآخر كنتُ أنا من علّمته كيف يكتب تقارير الأعطال حتى لا يطرده المدير القديم.
نظر أحد رجال الأمن إلى سامر بخجل وقال
هي لم تكسر شيئًا يا باشمهندس.
صرخ سامر
لكنها عطّلت المصنع!
وهنا تدخل فني الأنظمة الشاب، نفسه الذي ناداني قبل قليل خالة أمينة، وقال بصوت مرتبك
لا يا فندم المصنع هو المبرمج على حسابها.
ساد الصمت.
نظر سامر إليه بصدمة
ماذا؟
ابتلع الشاب ريقه وقال
معظم صلاحيات التشغيل الرئيسية مرتبطة بمفاتيح الأستاذة أمينة منذ سنوات.
ثم أضاف بخوف
حتى التحديثات الأخيرة كانت من عملها.
بدأت الهمسات تنتشر بين العمال.
يعني المصنع كله متوقف بسببها؟
معقول؟
إذن كنا نعمل طوال الوقت على نظام هي التي أنشأته؟
أما ريم
فبدأت ترتبك فعلًا.
اقتربت من الحاسوب تحاول تشغيل أحد الأوامر
الموجودة في الملف.
لكن الشاشة رفضت التنفيذ.
ثم ظهرت رسالة أخرى
صلاحية غير معتمدة.
ارتبكت أكثر.
وأخذت تضغط الأزرار بعشوائية.
فقلت بهدوء بارد
قلت لكِ امتلاك الملفات لا يعني فهم المصنع.
وفي تلك اللحظة
انطلق إنذار جديد أشد قوة من السابق.
ركض مسؤول الجودة وهو يصرخ
الشحنة الطبية متوقفة بين الفحص والتغليف!
اقتربتُ تلقائيًا من الشاشة.
ورغم أنني لم أعد موظفة
فإن عينَيّ التقطتا الكارثة فورًا.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة كانت تحتاج اعتمادًا أخيرًا من النظام.
وبدون ذلك
لن تُسجّل درجات الحرارة ولا بيانات التعقيم.
أي أن الشحنة لو خرجت بهذا الشكل
فقد تصل إلى المستشفيات دون ضمان حقيقي لسلامتها.
شعرت بقشعريرة في جسدي.
أما سامر
فكان يفكر فقط في الوفد.
أخرج هاتفه بسرعة وبدأ يصرخ في أحد المدراء
أجّلوا الوفد نصف ساعة بأي طريقة!
لكن الرد جاءه أسوأ مما توقع.
أغلق الهاتف ببطء
ثم نظر إلى الجميع وقال بصوت مكسور
وفد الخليج وصل بالفعل.
انتشر الذعر أكثر.
أحد الموظفين همس
لو عرفوا أن الشحنة متوقفة انتهينا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
بدأ هاتفي يهتز داخل حقيبتي.
نظرت إليه.
رقم الإدارة العليا.
لم أرد.
عاد الاتصال مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وأخيرًا
ظهرت رسالة قصيرة على الشاشة
أين الأستاذة أمينة؟
نظرت إلى الهاتف طويلًا دون كلام.
ثم أطفأت الشاشة بهدوء.
لكن سامر لمح الرسالة.
اقترب مني بسرعة وقال
الإدارة تتصل بك؟!
لم أجب.
فقال بتوتر
أمينة اسمعيني نستطيع أن نحل المشكلة.
ضحكتُ بمرارة.
الآن فقط تذكّرتم أنني أفهم؟
خفض عينيه للحظة.
ولأول
مرة منذ سنوات
لم يجد ما يقوله.
أما العمال
فبدأوا يتحدثون واحدًا تلو الآخر.
عامل من خط الإنتاج الثالث قال
لولا الأستاذة أمينة لكنتُ قد فُصلت العام الماضي.
وقالت عاملة أخرى
كانت تبقى بعد انتهاء ورديتها لتساعدنا مجانًا.
وأضاف رجل خمسيني من قسم الصيانة
هي الوحيدة التي كانت تعلمنا بدلًا من أن تهيننا.
بدأ الغضب يتحول داخل المكان.
ليس ضدي
بل ضد سامر.
شعر بذلك فورًا.
فصرخ بعصبية
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى ريم
كانت تنظر إلى الأرض بخوف.
ثم اقترب مني فني الأنظمة الشاب هامسًا
خالة أمينة المصنع فعلًا لن يعمل بدونك.
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة أمامي
وإلى العمال الواقفين بوجوه متوترة
ثم إلى بطاقة العمل القديمة الموضوعة أمامي فوق الطاولة.
اثنان وعشرون عامًا
انتهت بورقة استقالة.
وفجأة
رن هاتف سامر بصوت مرتفع.
فتح المكالمة بسرعة.
ثم تجمد وجهه تمامًا.
كان المتحدث من الإدارة العليا.
سمعناه يقول بعصبية
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
رفع سامر عينيه نحوي ببطء
بينما ساد الصمت داخل المصنع كله.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
أدرك الجميع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها دائمًا
أن المرأة التي سخروا من تجاعيد وجهها قبل ساعة واحدة
كانت وحدها تحمل المصنع كله فوق كتفيها.
ظلّ صوت الإدارة العليا يتردّد داخل المصنع كصفعةٍ ثقيلة
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
لم يتحرك أحد.
حتى سامر
بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
أغلق الهاتف ببطء، ثم نظر نحوي بعينين مضطربتين لأول مرة منذ عرفته.
وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا
الإدارة
تريد التحدث معك.
لم أتحرك.
أخذت بطاقتي القديمة من فوق الطاولة، تأملت صورتي الباهتة عليها لثوانٍ، ثم وضعتها داخل حقيبتي.
قلت ببرود
لكنني لم أعد موظفة هنا.
ازدادت الفوضى حولنا.
أصوات الإنذارات.
العمال المتجمهرون.
أجهزة المسح المتوقفة.
ووفد الخليج الذي بدأ يتحرك داخل قسم الاستقبال دون أن يفهم أحد كيف يشرح له ما يحدث.
اقترب سامر خطوة أخرى وقال بتوتر واضح
أمينة أرجوكِ.
ضحكتُ بسخرية متعبة.
قبل ساعة فقط
كان وجهي لا يصلح لاستقبال العملاء.
والآن
أصبحوا يبحثون عني كأن المصنع يختنق بدوني.
رنّ هاتفي مرة أخرى.
هذه المرة
أجبت.
جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة أجنبية هادئة
الأستاذة أمينة؟ أنا هالة منصور من الإدارة الإقليمية.
صمتُّ.
فأكملت
نحتاج عودتك فورًا إلى النظام.
قلت ببرود
أنا استقلت.
نعلم ذلك.
إذن لماذا تتصلون بي؟
ساد صمت قصير
ثم قالت بصراحة
لأن المصنع متوقف بالكامل.
نظرت حولي.
إلى الوجوه المرتبكة.
إلى العمال الذين ينتظرون.
إلى ابني الواقف قرب المستودع وعيناه لا تفارقانني.
ثم قلت
هذا ليس خطئي.
نعرف.
ولأول مرة
شعرت أنهم يقولون الحقيقة فعلًا.
قالت هالة بهدوء
راجعت سجلات النظام منذ دقائق كل البنية الرئيسية مرتبطة بصلاحياتك القديمة.
ابتسمت بمرارة.
أخيرًا فهموا.
لكن بعد ماذا؟
قالت
نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية.
سألتها فورًا
بعقد رسمي؟
ترددت للحظة
ثم قالت
نعم.
رفعت عيني نحو سامر.
كان يراقبني بقلق شديد.
فقلت بوضوح
لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.

ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم.
نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة.
ثم أكملت
ولا ذلك الشاب أيضًا.
قالت هالة مباشرة
تم.
تنفست ببطء.
ثم قلت
تم نسخ الرابط