رفضوا ترقيتي في المصنع
المحتويات
الجملة الأخيرة وأنا أنظر إلى ريم
وأريد ملفاتي كاملة دون ورقة ناقصة.
خفضت ريم رأسها فورًا.
أما سامر
فكان واقفًا كمن يُسحب منه الهواء ببطء.
قالت هالة
هل تعودين الآن؟
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة داخل المصنع
ثم قلت
سأعود
لكن بصفتي الشخص الوحيد هنا الذي يعرف كيف يُنقذ هذه الكارثة.
وأغلقت الخط.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة
ابتعد رجال الأمن من الطريق.
وتحرك العمال تلقائيًا ليفسحوا لي ممرًا وسط المصنع.
كأنهم لا يرون موظفة عادية
بل آخر فرصة لإنقاذ المكان كله.
حين جلست أمام الحاسوب القديم مجددًا
شعرت وكأنني أعود إلى حرب قديمة أعرفها جيدًا.
الشاشة السوداء.
الحروف الخضراء.
الأوامر النصية التي سخروا منها سنوات.
اقترب فني الأنظمة الشاب وهمس
كلهم ينتظرونك.
أجبته بهدوء
إذن لا يُزعجني أحد.
حتى سامر
لم يجرؤ على الاعتراض.
بدأت أراجع سجلات النظام بسرعة.
الأوامر.
سجل الدخول.
صلاحيات التشغيل.
تقارير الجودة.
ثم فجأة
توقفت يدي.
ضيّقت عيني نحو الشاشة.
وأعدت فتح الملف مرة أخرى.
لا
هذا مستحيل.
لكن الأرقام كانت أمامي بوضوح.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت مباشرة إلى ريم.
كانت ترتجف.
سألتها بصوت هادئ أخطر من الصراخ
أنتِ من وافق على تجاوز الجودة هذا؟
ارتبكت فورًا.
أنا أنا لم أقصد
اقترب سامر بسرعة وقال بعصبية
ليس الآن يا أمينة.
لكنني تجاهلته تمامًا.
وأعدت النظر إلى الشاشة.
ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة الطبية
كانت قد سجلت درجات حرارة أقل من الحد المطلوب أثناء التغليف.
أي أن التعقيم لم يكن مضمونًا بالكامل.
ولو خرجت الشحنة بهذا الشكل
فقد تصل أجهزة طبية ملوثة إلى المستشفيات.
رفعت رأسي فورًا وقلت بصوت حاد
أوقفوا الشحنة حالًا.
تجمّد المكان.
صرخ سامر
هل جننتِ؟!
التفتُّ إليه بحدة
هل تريد إرسال أجهزة غير مضمونة التعقيم فقط حتى تُرضي الوفد؟!
قال بانفعال
الفرق بسيط!
ضربت الطاولة بقوة لأول مرة.
في الأجهزة الطبية
لا يوجد شيء اسمه فرق بسيط.
ساد الصمت.
حتى العمال توقفوا عن الحركة.
ثم التفتُّ نحو مسؤول الجودة وقلت
من الذي وقّع اعتماد هذه الدفعة؟
نظر الرجل بتردد نحو ريم.
وهنا انهارت ريم أخيرًا.
وضعت يدها على فمها وقالت بصوت مرتجف
سامر قال إن الأمر طبيعي وقال إننا لو أوقفنا الشحنة سنخسر العقد.
تحول كل شيء فجأة.
كل العيون اتجهت نحو سامر.
أما هو
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
قال بعصبية
هي لا تفهم شيئًا!
لكن أحد العمال صرخ من الخلف
بل أنت الذي لا تفهم!
ثم قال آخر
الأستاذة أمينة كانت تبقى بعد دوامها لتُصلح أخطاءكم!
وقالت عاملة من قسم التغليف
هي الوحيدة التي كانت تعلّمنا بدل أن تُهيننا.
وفجأة
بدأ الجميع يتكلم.
عامل وراء عامل.
موظف وراء موظف.
كل واحد يتذكر موقفًا قديمًا معها.
كيف حمتهم.
كيف ساعدتهم.
كيف كانت تبقى وحدها بعد انتهاء الوردية حتى لا يُخصم من رواتبهم بسبب الأعطال.
أما سامر
فبدأ يفقد السيطرة تمامًا.
صرخ
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى رجال الأمن
كانوا ينظرون إليه ببرود.
اقتربت هالة منصور من جهة الاستقبال بعدما دخلت المصنع
كانت تتابع الشاشات بوجه متوتر.
ثم سألتني مباشرة
هل الوضع خطير؟
أشرت إلى التقارير أمامي.
قلت
لو خرجت هذه الشحنة قد نؤذي مرضى.
شحب وجهها فورًا.
أخذت الملف من يدي بسرعة وبدأت تقرأ.
ثم رفعت رأسها نحو سامر ببطء.
هل كنت تعلم بهذا؟
فتح فمه
لكنه لم يجد جوابًا.
قالت بحدة
أوقفوا الشحنة فورًا.
تحرك قسم الجودة مباشرة.
وأُغلقت بوابات التحميل.
أما وفد الخليج
فبدأ يطالب بتفسير عاجل لما يحدث.
وفي وسط الفوضى كلها
عدتُ إلى الشاشة.
أصلحت صلاحيات المخزون.
ثم أجهزة القراءة.
ثم خطوط التغليف.
أصوات الماكينات بدأت تعود تدريجيًا.
خط بعد خط وجهاز بعد جهاز.
حتى عاد صوت المصنع للحياة من جديد.
لكن هذه المرة لم يعد أحد ينظر إليّ كموظفة عجوز.
بل كشخص أنقذ المصنع من كارثة حقيقية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بابتسامة مذهولة
اشتغل النظام
ثم أضاف هامسًا
كل شيء رجع.
لكنني لم أبتسم.
كنت أنظر فقط إلى الشحنة الموقوفة.
إلى الكارثة التي كانت ستخرج إلى الناس فقط لأن بعضهم أراد إرضاء الوفد بأي ثمن.
في صباح اليوم التالي
لم يدخل سامر المصنع.
وصل قرار الإيقاف الرسمي قبل بداية الوردية بساعة واحدة فقط.
أما ريم
فتم سحب منصبها الإداري مؤقتًا، وإحالتها إلى التحقيق الداخلي بعد توقيعها على تجاوزات الجودة.
انتشر الخبر في المصنع كله بسرعة.
لكن الغريب
أن أحدًا لم يشعر بالشماتة.
كان المكان هادئًا على غير عادته.
هادئًا كأن الجميع اكتشف فجأة كم كان قريبًا من كارثة حقيقية.
وفي
وصلت هالة منصور مرة أخرى.
لكن هذه المرة
لم تأتِ وسط فوضى وصفارات إنذار.
بل دخلت بهدوء، تحمل ملفًا أزرق رسميًا بيديها.
ثم طلبت رؤيتي.
جلستُ أمامها داخل غرفة الاجتماعات الصغيرة التي قضيت نصف عمري أدخلها فقط حين تحدث مشكلة لا يعرف أحد حلها.
وضعت الملف أمامي وقالت مباشرة
الإدارة راجعت كل شيء.
لم أتكلم.
فأكملت
التحقيق أثبت أن سامر ضغط على قسم الجودة لتجاوز مشكلة التعقيم حتى لا يخسر وفد الخليج.
نظرتُ إلى الطاولة بصمت.
ثم قالت
كما أثبت التحقيق أيضًا أن المصنع كان يعتمد فعليًا على النظام الذي طورته بنفسك طوال السنوات الماضية دون توثيق رسمي، ودون منحك المنصب أو الراتب الذي تستحقينه.
ابتسمتُ بمرارة خفيفة.
كأنهم اكتشفوا الحقيقة بعد أن احترق نصف المكان.
فتحت هالة الملف أمامي.
ثم قالت
الإدارة تريد تعيينك رسميًا مديرة للإنتاج.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف القديم
كان واضحًا داخل الغرفة.
نظرتُ إلى العرض طويلًا.
المنصب الذي حلمت به سنوات.
المنصب الذي عملت لأجله حتى تورمت قدماي من الوقوف.
المنصب الذي استُخدمت خبرتي للوصول إليه عشرات المرات لكن اسمي كان دائمًا يُنسى في النهاية.
قالت هالة بابتسامة
هذه المرة سيكون كل شيء باسمك.
رفعت عيني إليها بهدوء.
ثم سألتها
ولماذا الآن فقط؟
لم تُجب.
لأننا كلتينا تعرف الإجابة.
الآن فقط
بعد أن خافوا.
أغلقت الملف بهدوء.
ثم دفعته نحوها.
تغيرت ملامحها فورًا.
أنتِ ترفضين؟
أومأت برأسي.
نعم.
بدت مصدومة فعلًا.
لكن هذا المنصب كان حقك
تنهدت ببطء.
ثم نظرت عبر الزجاج إلى العمال بالخارج.
قلت بهدوء متعب
قضيت عمري أظن أن بقائي هنا هو الأمان.
صمتُّ لحظة
ثم أكملت
لكنني اكتشفت متأخرة أن المكان الذي يُهينك كل يوم قد يتحول مع
متابعة القراءة