منذ أسبوعين تقريبًا، وابنتي تستيقظ كل ليلة وهي تبكي

لمحة نيوز

اقترب من سرير روان، وفي اللحظة التي انحنى فيها نحوها همست ابنتي وهي نائمة بصوت مرتجف:

“بابا… لا تخليها تزعل مني.. بابا… هل رجعت أختي الصغيرة؟”

ثم ساد صمت ثقيل لثوانٍ… قبل أن يرفع سامر رأسه فجأة وكأنه شعر بوجود الكاميرا.

أغلقتُ جهاز المراقبة بسرعة.

كان قلبي يخبط بعنف لدرجة أنني شعرتُ أنه سيوقظ البيت كله.

سمعت خطواته تقترب من غرفة النوم، فقفزت إلى السرير بسرعة وأغمضت عينيّ، بينما كانت يداي ترتجفان تحت الغطاء.

دخل الغرفة بهدوء.

توقف قرب السرير للحظات طويلة.

شعرتُ بنظراته فوق وجهي مباشرة، ثم تنفس ببطء وتمدد بجانبي أخيرًا.

لكنني لم أنم.

طوال الليل بقيت أسمع صوت روان داخل رأسي:

“بابا… هل رجعت أختي الصغيرة؟”

وفي كل مرة أتذكر الطريقة التي تجمد بها سامر بعد الجملة، كان شيء ثقيل يهبط داخل صدري.

عند الصباح، بدا كل شيء طبيعيًا بشكل مستفز.

رائحة الشاي الأسود ملأت المطبخ.
صوت المذياع القديم عند الجيران كان يصدح بأغنية عراقية قديمة.
والباعة بدأوا ينادون في الشارع الضيق أسفل البيت.

أما أنا، فكنت أشعر أن البيت كله يخفي شيئًا تحت جدرانه.

دخلت روان المطبخ ببطء، وشعرها منكوش وعيناها نصف مغلقتين من التعب.

جلست على الكرسي الصغير وهي تضم دميتها إلى صدرها.

وضع سامر قطعة خبز أمامها مبتسمًا:
“صباح الخير يا أميرتي.”

رفعت عينيها إليه.

ثم سألت فجأة:
“أنت زعلت أمس؟”

توقفت يده في الهواء.

“لماذا؟”

هزّت كتفيها وقالت:
“لأنها جاءت.”

شعرتُ بأصابعي تبرد حول كوب الشاي.

أما سامر فابتسم ابتسامة صغيرة متوترة وقال:
“كنتِ تحلمين فقط.”

لكن روان لم ترد.

فقط خفضت رأسها وهمست:
“هي لا تحب عندما تدخل غرفتي.”

ساد الصمت.

حتى صوت المذياع عند الجيران بدا بعيدًا فجأة.

ثم وقف سامر بسرعة وقال إنه سيتأخر عن المستشفى.

قبّل رأس روان وغادر.

لكنني لاحظت شيئًا غريبًا جدًا قبل خروجه…

كان ينظر إلى ابنتنا وكأنه يريد أن يقول شيئًا ثم يتراجع.

بعد ذهابه، بقيتُ أراقب روان بصمت.

كانت تأكل ببطء شديد، وعيناها متعلقتان بباب الممر الطويل المؤدي إلى غرفتها.

اقتربتُ منها وسألتها بهدوء:
“روان… من هي أختك الصغيرة؟”

رفعت رأسها نحوي.

ثم قالت جملة جعلت الدم ينسحب من وجهي كله:

“بابا يعرفها.”

لم أتكلم.

أكملت هي بصوت طفولي مرتبك:
“أحيانًا يتكلم معها عندما يظنني نائمة.”

شعرتُ بشيء بارد يتحرك داخل معدتي.

“وماذا يقول؟”

فكرت قليلًا قبل أن تهمس:
“يقول… سامحيني.”

في تلك اللحظة تحديدًا، عرفت أن الأمر أكبر من مجرد خيال طفل.

أوصلتُ روان إلى المدرسة بنفسي.

كانت السماء رمادية والهواء محملًا بغبار بغداد الثقيل، والسيارات تتحرك ببطء وسط الزحام المعتاد.

لكن رأسي كان في مكان آخر تمامًا.

طوال الطريق، كنت أعيد سماع كلمة واحدة:
“سامحيني.”

بعد أن دخلت روان المدرسة، بقيتُ جالسة داخل السيارة عدة دقائق أحاول التفكير بهدوء.

ثم فعلت شيئًا لم أتخيل يومًا أنني سأفعله.

عدتُ إلى البيت وبدأت أراجع تسجيلات الكاميرا القديمة.

في البداية لم أجد شيئًا مهمًا.

ليالٍ

عادية.
روان نائمة.
أحيانًا تستيقظ وتجلس قليلًا ثم تعود للنوم.

لكن بعد عدة أيام من التسجيلات…

ظهر سامر.

دخل الغرفة عند الثانية فجرًا تقريبًا.

وقف قرب السرير طويلًا دون حركة.

ثم جلس على الأرض بجانب روان وأسند رأسه إلى حافة الفراش.

وبقي هكذا عدة دقائق كاملة.

شعرتُ بالخوف يتسلل داخلي ببطء.

تابعت تسجيل ليلة أخرى.

دخل أيضًا.

لكن هذه المرة كان يحمل شيئًا صغيرًا بيده.

ورقة ربما.

ظل ينظر إليها ثم قال بصوت خافت بالكاد التقطته الكاميرا:

“كنتِ ستشبهينها كثيرًا…”

تجمدتُ مكاني.

أعدتُ المقطع أكثر من مرة.

ثم سمعت الجملة التالية بوضوح أكبر:

“كان يجب أن تكونا معًا.”

أغلقت التسجيل فورًا.

لم أعد قادرة على التنفس.

شعرتُ أن البيت يدور حولي.

من “أنتما”؟

ولماذا يتحدث سامر وكأن روان كان لها شخص آخر منذ البداية؟

في تلك اللحظة، تذكرت شيئًا دفنته داخل رأسي منذ سنوات.

ليلة ولادتي.

كنتُ متعبة جدًا.
أتذكر الأضواء البيضاء القاسية فوقي.
ورائحة المعقمات.
وصوت سامر وهو يطلب من الأطباء الإسراع.

ثم الظلام.

لكن قبل أن أفقد وعيي تمامًا…

كنت متأكدة أنني سمعت بكاءين.
وليس بكاء طفل واحد.

يومها، عندما أخبرت سامر بذلك بعد الولادة، ابتسم وقال إن الصوت لطفل في غرفة مجاورة.

ولأنني كنت مرهقة ومخدرة، صدقته.

لكن الآن…

لم أعد واثقة من أي شيء.

في المساء، عاد سامر متأخرًا كعادته.

كان يبدو مرهقًا، لكن أكثر ما أخافني هو أنه بدا طبيعيًا جدًا.

جلس يشاهد الأخبار.


شرب الشاي.
وسأل روان عن واجباتها المدرسية.

بينما كنتُ أراقبه بصمت وأشعر أنني أعيش مع رجل لا أعرفه.

وفي منتصف العشاء، سألت روان فجأة:

“بابا… لماذا لا تأتي هي عندما تكون أمي موجودة؟”

سقطت الملعقة من يد سامر.

رن صوتها الحاد فوق البلاط كطلقة.

حدّق في روان طويلًا.

أما أنا، فشعرتُ بأن الهواء اختفى من الغرفة.

ابتسم سامر أخيرًا ابتسامة متعبة وقال:
“لأنك تتخيلين أشياء يا حبيبتي.”

لكن روان هزّت رأسها بعناد.

ثم قالت:
“لا… أنت فقط تخاف أن تراها أمي.”

وفي تلك اللحظة…

رأيت الخوف الحقيقي على وجه سامر لأول مرة منذ زواجنا.

في تلك الليلة، لم أنم.

ظللت مستيقظة أحدق في الظلام بينما تتردد جملة روان داخل رأسي بلا توقف:

“أنت فقط تخاف أن تراها أمي.”

أما سامر، فبقي صامتًا طوال الليل.

لم يحاول لمس يدي.
لم يسألني ما الذي يشغلني.
ولم يدخل غرفة روان كما يفعل دائمًا.

وكأن شيئًا ما انكسر داخله أخيرًا.

عند الفجر تقريبًا، نهض من السرير بهدوء وخرج إلى الصالة.

انتظرت دقائق ثم تبعته.

كان جالسًا وحده قرب النافذة المفتوحة، والسيجارة تحترق بين أصابعه رغم أنه أقلع عن التدخين منذ سنوات.

الشارع أسفل البيت كان هادئًا إلا من صوت شاحنة خبز بعيدة، وضوء أصفر باهت يتسلل من عمود الكهرباء القريب.

لم يلتفت نحوي عندما قلت:

“من هي؟”

ظل صامتًا.

اقتربت أكثر.

“من التي تتحدث عنها روان؟”

أغلق عينيه للحظة طويلة، ثم قال بصوت مرهق:

“عودي للنوم يا رغد.”

ضحكت بصدمة.

“بعد

كل هذا ما زلت تظن أنني سأصدقك؟”

رفع رأسه أخيرًا نحوي.

ولأول مرة منذ عرفته…
بدا خائفًا فعلًا.

ليس خوف رجل انكشف وهو يخون زوجته.
ولا خوف رجل ارتكب خطأ عابرًا.

بل خوف شخص عاش سنوات كاملة يدفن جثة داخل صدره.

قلت بصوت مرتجف:
“هل كانت لي طفلة أخرى؟”

تغير وجهه فورًا.

وهنا فقط…
عرفت أنني أصبت الهدف.

تراجع قليلًا فوق الكرسي وكأنه فقد القدرة على الوقوف.

ثم مرر يده على وجهه بتعب وقال:

“لم أكن أريدك أن تعرفي بهذه الطريقة.”

شعرت بالغثيان.

تمسكت بحافة الطاولة حتى لا أسقط.

“إذًا هذا حقيقي…”

خفض رأسه.

“نعم.”

توقفت الدنيا حولي تمامًا.

حتى صوت الشارع اختفى.

“أين هي؟”

لم يجب.

تم نسخ الرابط