منذ أسبوعين تقريبًا، وابنتي تستيقظ كل ليلة وهي تبكي
صرخت لأول مرة:
“أين ابنتي؟!”
ارتجفت يده حول السيجارة.
ثم قال الجملة التي مزقت شيئًا داخلي للأبد:
“لم تمت.”
شعرت بأن الأرض اختفت من تحتي.
كنت أظن أن أسوأ الاحتمالات هو أن طفلة ماتت أثناء الولادة.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
ابنتي كانت حية طوال هذه السنوات.
حية…
بعيدة عني.
تراجعت خطوات إلى الخلف وأنا أحدق فيه كأنني أراه لأول مرة.
“ماذا فعلت؟”
أطرق رأسه طويلًا.
ثم بدأ يتكلم بصوت مكسور:
“كنت غارقًا في الديون وقتها.”
ضحكت بذهول.
“ديون؟”
“كنت في بداية عملي… المستشفى الخاص الذي كنت أعمل فيه أغلق… ووالدي مات وترك لنا البيت مرهونًا… وكانت أمي تضغط عليّ طوال الوقت.”
كان يتكلم ببطء وكأنه يعترف بجريمة دفنها داخله سنوات طويلة.
“عندما أخبرنا الطبيب أن الحمل توأم… خفت.”
لم أستوعب ما أسمعه.
“خفت؟!”
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
“لم أكن أملك ثمن العملية أصلًا… كنا مهددين بالطرد من البيت… وكانت هناك عائلة تبحث عن طفلة منذ سنوات.”
شعرتُ ببرودة تجتاح جسدي كله.
“لا…”
لكنني كنت أعرف الحقيقة قبل أن يكمل.
أعرفها من عينيه.
قال بصوت خافت:
“أمي أقنعتني أن الأمر سيكون أفضل للجميع.”
اختنق نفسي.
“بعتم ابنتي؟”
صرخ فجأة:
“لم نبعها!”
ثم سكت.
وكأنه أدرك أن الكلمة الصحيحة لا تقل بشاعة.
أكمل بصوت أضعف:
“العائلة
حدقت فيه بصدمة.
“وأنت وافقت؟!”
أغلق عينيه.
“كنت خائفًا.”
“سرقت طفلتي لأنك خائف؟!”
بدأ صوته ينهار أخيرًا:
“كنت أظنك ستموتين أثناء الولادة… النزيف كان شديدًا… والأطباء أدخلوك العناية ساعات… وأمي كانت تكرر أن الله أعطانا فرصة للنجاة…”
كنت أرتجف بعنف.
“لا تذكر الله في هذا.”
ساد الصمت.
ثم سألته بصوت بالكاد خرج:
“أين هي الآن؟”
تردد طويلًا.
ثم قال:
“لا أعرف.”
شعرتُ أنني سأجن.
“ماذا تعني لا تعرف؟!”
“العائلة انتقلت من بغداد بعد سنوات… وانقطعت الأخبار.”
اقتربت منه ببطء.
“إذًا لماذا بدأت تدخل غرفة روان كل ليلة؟”
وهنا انهار أخيرًا.
دفن وجهه بين يديه وقال:
“لأنهم عادوا.”
تجمدتُ مكاني.
رفع رأسه وعيناه ممتلئتان بالدموع لأول مرة.
“قبل شهر تقريبًا… اتصلت بي امرأة.”
كان صوته يرتجف.
“قالت إن الزوجين اللذين ربّيا الطفلة ماتا في حادث… وإن البنت بدأت تسأل عن أوراقها الحقيقية.”
شعرتُ بأن أنفاسي تختفي تدريجيًا.
“وكان اسمك ما يزال موجودًا؟”
هز رأسه ببطء.
“بشكل غير مباشر… أخطاء قديمة… أوراق لم تُمحَ كلها.”
ثم همس:
“عرفت وقتها أن السر انتهى.”
جلستُ على الكرسي المقابل له لأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
كان الفجر قد بدأ يظهر خلف
قلت بعد صمت طويل:
“روان لم تكن ترى شبحًا… أليس كذلك؟”
أغلق عينيه.
“لا.”
“إذًا كيف كانت تعرف؟”
تنفس ببطء.
“الأطفال يلاحظون أكثر مما نظن.”
ثم أكمل بصوت متعب:
“أحيانًا كنت أدخل غرفتها وأتحدث دون وعي… أحيانًا كنت أبكي قرب سريرها… كنت أقول أشياء لا أتذكرها حتى.”
تذكرت فورًا كلمات روان:
“بابا يزعل عندما تدخل هي.”
“السرير لا يكفينا.”
“هي تبكي أحيانًا.”
وفهمت أخيرًا.
ابنتي لم تكن ترى أحدًا.
كانت فقط تشعر بالفراغ الذي تركته أختها داخل البيت.
وكان سامر، بثقله وذنبه وخوفه، يملأ الغرفة بذلك الحضور الغائب كل ليلة.
لهذا كانت تنام عند طرف السرير.
لهذا كانت تشعر أن هناك مكانًا ليس لها وحدها.
وضعت يدي فوق فمي وبدأت أبكي بصمت لأول مرة منذ بداية الكابوس.
ليس خوفًا.
بل حزنًا.
حزنًا على طفلة عاشت ثماني سنوات بعيدًا عني…
وعلى طفلة أخرى كانت تشعر طوال الوقت أن شيئًا ناقصًا في حياتها دون أن تفهمه.
بعد يومين، بدأت التحقيقات الرسمية.
لم يكن الأمر مثل الأفلام.
لا مطاردات.
لا اعترافات درامية داخل المحاكم.
فقط أوراق قديمة.
أسماء.
سجلات مستشفيات.
واتصالات طويلة.
عرفنا أخيرًا أن الطفلة كانت تعيش في أطراف أربيل مع خالتها بعد وفاة العائلة التي ربّتها.
اسمها
لم تعد تحمل اسمنا أصلًا.
وفي صباح بارد بعد أسابيع طويلة، أخذوني لرؤيتها.
كانت روان تمسك يدي بقوة طوال الطريق.
المكان كان مركز رعاية صغيرًا، بجدران باهتة ورائحة معقمات خفيفة.
جلستُ هناك وأنا أشعر أن قلبي سيتوقف.
ثم فُتح الباب.
ودخلت طفلة صغيرة برفقة الأخصائية الاجتماعية.
شعرها أقصر من شعر روان قليلًا.
لكن عينيها…
كانتا عينَيّ تمامًا.
شعرتُ بأن العالم كله اختفى للحظة.
لم تركض نحوي.
لم تكن تعرفني أصلًا.
وقفت تنظر إليّ بحذر، بينما كنت أحاول ألا أنهار أمامها.
اقتربت روان خطوة صغيرة.
ثم قالت بخجل طفولي:
“أنا روان.”
ظلت الطفلة تنظر إليها طويلًا.
ثم همست:
“أشعر أنني أعرفك.”
بدأت روان تبكي فورًا.
أما أنا، فلم أعد قادرة على الوقوف.
جلست على الأرض ويدي فوق فمي بينما الدموع تنزل بلا توقف.
وفي الخارج…
بدأ المطر يهطل فوق نوافذ المركز بهدوء.
مرت شهور طويلة بعدها.
لم تنتقل ابنتي الثانية للعيش معنا مباشرة.
كان ذلك صعبًا عليها.
لها حياة أخرى.
ذكريات أخرى.
وأم أخرى ربتها بطريقتها.
لكننا بدأنا نقترب منها تدريجيًا.
زيارة بعد أخرى.
مكالمة بعد أخرى.
أما سامر…
فلم يعد كما كان أبدًا.
بدا كأنه كبر عشرين سنة خلال أشهر قليلة.
لكنه رغم كل شيء…
لم يقل مرة واحدة “أنا آسف.”
وكأن
وفي ليلة هادئة بعد شهور طويلة، نامت الطفلتان أخيرًا داخل البيت نفسه لأول مرة.
وضعت لهما سريرين متقابلين داخل الغرفة.
وبعد أن أطفأت الضوء، سمعت روان تهمس لأختها:
“إذا ضاق سريرك… تعالي عندي.”
ضحكت الطفلة الأخرى بخفة.
ثم ضحكت روان بعدها مباشرة.
وكانت تلك أول مرة منذ سنوات…
أشعر أن البيت يتنفس بشكل طبيعي.
وقبل أن أغلق الباب، التفتت روان نحوي وقالت بنبرة طفولية هادئة:
“الآن فهمت لماذا كان السرير يضيق كل ليلة.”
وفي تلك اللحظة فقط…
أدركت أن ابنتي لم تكن ترى أشباحًا أبدًا.
الشيء الوحيد الذي كان يطارد هذا البيت طوال السنوات الماضية…
هو الذنب.