في صباح جنازة أبي قال المغسل
في صباح جنازة أبي، قال المغسل إن المرحوم يرفض أن يترك ما في قبضة يده حتى بعد موته. ساد الصمت بين الحاضرين، لكن زوجي شحب وجهه فجأة وطلب منهم أن يتركوا القبضة كما هي ويكملوا تجهيز الجثمان. وقتها لم أفهم سبب خوفه من يد رجل فارق الحياة قبل ساعات، خصوصًا أنه كان يرفض منذ الصباح أن أراه للمرة الأخيرة.
وأنا أقف خارج غرفة الغُسل، وأستمع إلى حديث المغسِّل عن القبضة المنغلقة، وأرى زوجي يراقب الساعة كل بضع دقائق وكأن الزمن يطارده، بدأت أشعر أن أبي كان يحاول أن يحذرني من شيء ما قبل وفاته. لم يكن ذلك مجرد إحساس عابر، بل شعور ثقيل أخذ يكبر داخلي مع كل دقيقة تمر، ومع كل محاولة من زوجي لإنهاء كل شيء على عجل.
كانت أسئلة كثيرة تدور في رأسي في تلك اللحظة. لماذا كان أبي يتحدث بتلك الطريقة الغريبة في آخر لقاء بيننا؟ ولماذا كان زوجي متوترًا إلى هذا الحد؟ ولماذا بدا الجميع مستعدين للدفن بسرعة لم أفهم سببها؟
لكن، وبينما كان الرجال يتناقشون حول القبضة المغلقة وما إذا كان ينبغي فتحها أم تركها كما هي، بدأ شيء آخر يقلقني أكثر من اليد نفسها.
شيء لا يتعلق بأبي...
بل بي أنا.
لأنني كلما حاولت تذكر ما حدث منذ الفجر شعرت بوجود فراغ غريب داخل ذاكرتي.
فراغ لا أستطيع تفسيره.
كنت أتذكر أنني بكيت.
وأتذكر أنني تحدثت مع بعض النساء.
وأتذكر أن زوجي أحضر لي كوب شاي عندما كنت أجلس منهارة في إحدى الغرف.
ثم...
لا شيء.
كانت الساعات التالية كلها ضبابية.
وكأن أحدهم محاها من رأسي.
حاولت استعادة التفاصيل مرة تلو الأخرى.
لكن دون فائدة.
كنت أتذكر طعم الشاي فقط.
وأتذكر أن مذاقه بدا مختلفًا قليلًا.
حلواً أكثر مما اعتدت.
ثم أتذكر أن رأسي أصبح ثقيلًا بصورة مفاجئة.
وبعدها استيقظت في غرفتي.
لا أكثر.
شعرت بقشعريرة باردة تمر في ظهري.
وحاولت إقناع نفسي
فقد كنت منهارة.
ومتعبة.
ولم أنم طوال الليل.
لكن شيئًا داخلي رفض هذا التفسير.
رفضه بقوة.
وفي تلك الأثناء خرج أحد أقاربنا من غرفة الغُسل واقترب مني بهدوء.
كان رجلًا كبيرًا في السن.
ومن أكثر الناس قربًا إلى أبي.
نظر إليّ بحزن.
ثم قال
رحمه الله... لم يكن يتوقع أحد أن يرحل بهذه السرعة.
هززت رأسي بصمت.
لكنه أكمل بعد لحظة
مع أنه كان قلقًا في الفترة الأخيرة.
رفعت رأسي نحوه فورًا.
وسألته
قلقًا من ماذا؟
تردد للحظة.
ثم قال
لا أعرف بالتحديد... لكنه كان يشعر أن هناك أمورًا ليست على ما يرام.
تسارعت نبضات قلبي.
أي أمور؟
أجاب
كان يتحدث أحيانًا عن مشاكل في الشركة... وعن أشخاص لم يعد يثق بهم كما كان يفعل سابقًا.
سكت قليلًا.
ثم أضاف
وكنت أراه أحيانًا يراجع الملفات بنفسه حتى وقت متأخر من الليل.
شعرت أنني أسمع أبي يتحدث من جديد.
ففي الأشهر الأخيرة فعلًا أصبح أكثر انشغالًا.
وأكثر حذرًا.
وكان يخرج أحيانًا من مكتبه بمجرد أن يدخل زوجي إليه.
وكنت أظن أن الأمر مجرد خلافات عمل عادية.
أما الآن...
فبدأت أشك أن المسألة أكبر من ذلك بكثير.
وقبل أن أسأله المزيد ظهر زوجي فجأة.
وكأنه كان يراقب الحديث من بعيد.
اقترب بسرعة.
ووضع يده على كتفي.
ثم قال للرجل
يعذرها الله... هي متعبة جدًا اليوم.
كانت جملة عادية.
لكن الطريقة التي قالها بها لم تكن عادية.
وكأنه يريد إنهاء الحديث فورًا.
لاحظ الرجل ذلك أيضًا.
فاكتفى بالدعاء لأبي وابتعد.
أما أنا فالتفتُّ إلى زوجي مباشرة.
وقلت
أريد أن أسألك شيئًا.
قال
تفضلي.
حدقت في عينيه.
من كان مع أبي عندما مرض؟
للمرة الأولى ارتبك.
ارتباكًا حقيقيًا.
وليس مجرد حزن.
ثم قال
أخبرتك.
أريد أن أسمعها مرة أخرى.
بلع ريقه.
ثم أجاب
كنت معه.
وحدك؟
نعم.
ومتى اتصلت بالإسعاف؟
سكت ثانية.
ثم ذكر وقتًا معينًا.
لكنني أدركت فورًا أنه ليس الوقت نفسه الذي أخبرني به في الصباح.
وكان الفرق بين الروايتين أكثر من نصف ساعة.
نصف ساعة كاملة.
شعرت بشيء ينقبض داخل صدري.
لكني لم أعلّق.
فقط حفظت المعلومة في ذهني.
لأن أبي كان دائمًا يقول إن الكاذب لا يسقط بسبب كذبة واحدة.
بل بسبب الكذبة الثانية التي ينساها.
ومع مرور الساعات انتهت إجراءات الدفن أخيرًا.
لكن الشعور بالراحة الذي عادة ما يأتي بعد دفن الأحبة لم يأتِ.
بل على العكس.
كان شعوري يزداد سوءًا.
وكأن أبي لم يُدفن وحده.
بل دُفن معه سر كبير.
سر يحاول أحدهم إخفاءه تحت التراب.
وفي تلك الليلة عدت إلى منزلي منهكة.
لكن النوم لم يزرني.
كلما أغمضت عيني رأيت وجه أبي.
وسمعت صوته.
وتذكرت سؤاله الأخير
هل تثقين بكل من حولك؟
كانت جملة بسيطة.
لكنها أصبحت الآن مخيفة.
لأنني بدأت أشعر أنه لم يسألها عبثًا.
وقرابة منتصف الليل حدث شيء غيّر كل شيء.
رن هاتفي.
وعندما نظرت إلى الشاشة وجدت اسمًا لم أتوقعه.
محامي أبي.
أجبته فورًا.
فسمعت صوته الجاد يقول
أعتذر عن الإزعاج يا ابنتي... لكن يجب أن نلتقي غدًا.
شعرت بالتوتر.
لماذا؟
قال
هناك أمر أوصاني والدك بإبلاغك به شخصيًا.
تجمدت.
أمر ماذا؟
أجاب بعد لحظة صمت
أمر لا أستطيع مناقشته عبر الهاتف.
ثم أنهى المكالمة.
بقيت أحدق في الشاشة لوقت طويل.
وقلبي يخفق بعنف.
لأن أبي لم يكن من النوع الذي يترك وصايا عشوائية.
وإذا كان قد ترك شيئًا عند محاميه...
فلا بد أنه أمر مهم.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مكتبه.
كان يقع في بناية قديمة وسط المدينة.
وحين دخلت وجدت الرجل ينتظرني.
وبجانبه ملف بني اللون.
ملف سميك.
أكثر سمكًا مما توقعت.
أشار إلى المقعد المقابل.
وجلست.
ثم دفع الملف نحوي ببطء.
وقال
والدك سلمني هذا قبل ثلاثة أشهر.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وسألته
ما هذا؟
أجاب
احتفظت
ثم نظر مباشرة في عيني.
وأكمل
وقال لي بوضوح... إذا حدث لي شيء مفاجئ، فلا أسلم الملف لأحد سوى ابنتي.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
وضعت يدي على الملف.
لكنني لم أفتحه بعد.
كنت أخشى ما قد أجده داخله.
وكأنني أعرف مسبقًا أن حياتي لن تعود كما كانت بعد تلك اللحظة.
أما المحامي فتنهد طويلًا.
ثم قال الجملة التي جعلت قلبي يتوقف للحظة
والدك لم يكن يخشى الموت يا ابنتي...
سكت قليلًا.
ثم أكمل بصوت منخفض
كان يخشى عليكي.. كان يخشى أن يبدو موته طبيعيًا.
شعرت بأن الكلمات استقرت فوق صدري كصخرة ثقيلة، وبقيت أحدق في وجه المحامي لعدة ثوانٍ عاجزة عن الرد، لأنني كنت أعرف أبي أكثر من أي إنسان آخر
وأعرف أنه لم يكن من الرجال الذين يستسلمون للوساوس أو يطاردون الأوهام، بل كان يقضي أيامه في حساب كل خطوة قبل أن يخطوها
وإذا وصل به الأمر إلى أن يترك ملفًا كاملًا لدى محاميه ويعطيه تعليمات خاصة لا تُفتح إلا بعد وفاته، فذلك يعني أنه كان يرى شيئًا لم نكن نراه نحن، أو أنه بدأ يربط بين أحداث متفرقة بدت للآخرين عادية بينما بدت له خطيرة بما يكفي ليتوقع أن تنتهي حياته بسببها.
أخذ المحامي الملف من أمامي وفتحه عند صفحة معينة ثم دفعها نحوي، فوجدت أمامي عدة أوراق مرتبة بعناية، وكانت كلها مكتوبة بخط أبي، وفي أعلى الصفحة الأولى كتب جملة قصيرة
هذه ليست اتهامات... بل ملاحظات.
وتحتها بدأت قائمة طويلة من التواريخ والأحداث.
في أحد الأسطر كتب
تم تغيير نوع الدواء دون سبب طبي واضح.
وفي سطر آخر
اختفاء بعض ملفات العقود من المكتب.
ثم
محاولة متكررة لمعرفة تفاصيل الوصية.
ثم
وجود خسائر لا تتناسب مع حجم المشاريع المنفذة.
ورغم أن أي ملاحظة منها بمفردها لم تكن كافية لإثبات شيء، فإن اجتماعها كلها في ملف واحد جعلني أشعر بأن أبي كان يعيش وسط
رفعت رأسي نحو المحامي وسألته
هل أخبرك بشيء آخر؟
تنهد الرجل طويلًا.
ثم قال
في آخر لقاء بيني وبينه كان قلقًا أكثر من أي وقت مضى.
ابتلعت ريقي