في صباح جنازة أبي قال المغسل

لمحة نيوز

بصعوبة.
ماذا قال؟
أجاب
قال إنه إذا مات فجأة، فلا ينبغي التعامل مع الأمر باعتباره وفاة طبيعية قبل مراجعة هذا الملف بالكامل.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
ولأول مرة منذ وفاة أبي بدأ الحزن يفسح مكانه لشعور آخر.
شعور أقرب إلى الخوف.
الخوف من أن يكون أبي قد رحل وهو يعلم أن الخطر يقترب منه.
والخوف الأكبر من أن يكون ذلك الخطر ما زال قريبًا مني أنا.
غادرت مكتب المحامي بعد أكثر من ساعتين، لكنني لم أعد إلى منزلي مباشرة.
بقيت داخل السيارة فترة طويلة أحدق عبر الزجاج الأمامي دون أن أرى شيئًا.
كانت صور الأيام الأخيرة تدور في رأسي بلا توقف.
تحذيرات أبي.
توتره.
أسئلته الغريبة.
ثم استعجال زوجي للدفن.
ومنعه لي من رؤية الجثمان.
والساعات المفقودة من ذاكرتي.
وفجأة تذكرت شيئًا جعل قلبي يقفز داخل صدري.
كوب الشاي.
ذلك الكوب الذي شربته قبل أن أفقد وعيي.
لماذا كنت أتذكر طعمه حتى الآن؟
ولماذا بدا مختلفًا عن أي شاي شربته من قبل؟
أخرجت هاتفي فورًا واتصلت بطبيبة أعرفها منذ سنوات.
وحجزت موعدًا عاجلًا في نفس اليوم.
وعندما جلست أمامها ورويت لها ما حدث، طلبت بعض الفحوصات والتحاليل.
لم أفهم سبب اهتمامها المفاجئ في البداية.
لكنها اتصلت بي مساء اليوم التالي بنفسها.
وكان صوتها جادًا على نحو أقلقني.
قالت
هل أنت متأكدة من توقيت فقدانك للوعي؟
أجبت
نعم.
سكتت لحظة.
ثم قالت
التحاليل أظهرت وجود آثار مادة مهدئة في جسمك.
شعرت وكأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة كلها.
لم أستطع الكلام.
فأكملت هي
الكمية ليست كبيرة، لكنها كافية لتفسير فقدانك للوعي لساعات.
أغلقت الهاتف بعدها بوقت قصير.
وجلست وحدي في الصالة.
كانت الشمس تغيب خلف النوافذ.
والبيت غارقًا في الصمت.
لكن داخلي لم يكن صامتًا أبدًا.
لأن الشك الذي كان يهمس في رأسي منذ يومين بدأ يتحول إلى شيء أكثر وضوحًا.
أكثر رعبًا.
شخص ما لم يكتفِ بإبعادي
عن أبي.
بل جعلني أفقد وعيي عمدًا.
وشخص ما كان يريد إنهاء الدفن بأسرع وقت ممكن.
وشخص ما كان خائفًا من القبضة المغلقة أكثر من خوفه على الميت نفسه.
وفي تلك الليلة لم أستطع البقاء في المنزل.
جمعت بعض أغراضي وغادرت إلى شقة صغيرة كانت لأبي في أحد أحياء المدينة.
شقة قديمة نادرًا ما كان يستخدمها.
لكنه كان يحتفظ بمفتاحها دائمًا.
وعندما دخلتها شعرت وكأن رائحته ما زالت تملأ المكان.
جلست في مكتبه الصغير.
وأمام كومة من الأوراق القديمة.
ثم بدأت أراجع كل ما تركه.
ساعات طويلة مرت وأنا أقلب الملفات والعقود والملاحظات.
حتى عثرت على دفتر صغير أسود اللون.
كان مخبأ داخل درج جانبي.
وعندما فتحته وجدت عشرات الملاحظات المكتوبة بخطه.
مواعيد.
أرقام.
أسماء شركات.
وأسماء أشخاص.
لكن هناك اسمًا تكرر أكثر من مرة.
اسم أحد الموظفين الكبار في الشركة.
الرجل الذي كان يعمل مع أبي منذ سنوات.
وبجانب اسمه كتب أبي أكثر من مرة
يجب مراجعة العقود التي وقعها.
شعرت أنني اقتربت خطوة جديدة من الحقيقة.
لكن الحقيقة نفسها كانت أكبر مما توقعت.
وفي صباح اليوم التالي تلقيت اتصالًا جديدًا من المحامي.
وطلب مني الحضور فورًا.
وعندما وصلت وجدته ينتظرني ومعه رجلان لم أعرفهما.
قدم أحدهما نفسه باعتباره محققًا ماليًا.
أما الآخر فكان خبيرًا قانونيًا يعمل مع الشركة منذ سنوات.
نظر إليّ المحامي وقال
بعد مراجعة الملف ظهرت أمور خطيرة.
تسارعت نبضات قلبي.
وسألته
مثل ماذا؟
فتح المحقق المالي ملفًا أمامه.
ثم قال
هناك تحويلات مالية خرجت من الشركة خلال الأشهر الماضية.
وما المشكلة؟
أجاب
المشكلة أنها خرجت إلى شركات وسيطة لا تقدم أي خدمات حقيقية.
ثم أضاف
ومعظم هذه التحويلات انتهى في حسابات مرتبطة بأشخاص مقربين من أحد أفراد العائلة.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
لكن الرجل لم يذكر اسمًا.
ولم أسأله.
لأنني بدأت أخاف من
الإجابة.
ومع توسع المراجعة ظهرت حقائق أخرى.
عقود مبالغ في قيمتها.
مشاريع متوقفة عمدًا.
خسائر غير منطقية.
ووثائق تحمل توقيعات تثير الشبهات.
وكان واضحًا أن شخصًا ما يعمل منذ فترة طويلة لإضعاف الشركة من الداخل.
لكن السؤال الأهم ظل بلا جواب.
هل كانت وفاة أبي جزءًا من ذلك كله؟
أم مجرد مصادفة؟
مر يوم آخر.
ثم يوم ثالث.
وفي مساء اليوم الرابع تلقيت اتصالًا لم أتوقعه.
كان من أحد الأطباء الذين أشرفوا على استقبال أبي في المستشفى ليلة وفاته.
قال إنه يريد مقابلتي.
وعندما التقينا أخبرني بمعلومة جعلت كل شيء يزداد تعقيدًا.
قال إن الوقت المسجل لوصول أبي إلى المستشفى لا يتطابق مع الوقت الذي أخبرني به زوجي.
بل إن هناك فارقًا كبيرًا بينهما.
فارق يكفي لأن يطرح أسئلة كثيرة.
أسئلة لم يعد من الممكن تجاهلها.
وفي تلك اللحظة فقط اتخذت قراري.
لم أعد أستطيع اعتبار ما يحدث مجرد مصادفات متراكمة.
ولم أعد أستطيع إقناع نفسي بأن كل شيء طبيعي.
لذلك عدت إلى المحامي في صباح اليوم التالي.
ووضعت الملف أمامه.
ثم قلت بصوت ثابت رغم الاضطراب الذي يملأ داخلي
أريد فتح تحقيق رسمي.
نظر إليّ طويلًا.
وكأنه كان ينتظر سماع هذه الجملة.
ثم هز رأسه ببطء.
وقال
كنت أعلم أنك ستصلين إلى هذا القرار.
لم أجب.
لأنني كنت أفكر في شيء واحد فقط.
في أبي.
وفي الليلة الأخيرة التي رأيته فيها حيًا.
وفي الجملة التي قالها قبل أن أغادر.
الجملة التي بدت غامضة وقتها.
أما الآن فقد أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
لقد قال
إذا شعرتِ يومًا أن الجميع يطلب منك الإسراع... فتوقفي.
وأنا أخيرًا... توقفت.
في صباح اليوم التالي خرجت من مكتب المحامي وأنا أشعر أن حياتي انقسمت إلى نصفين؛ نصف انتهى ليلة وفاة أبي، ونصف آخر بدأ الآن، نصف لم أعد فيه تلك المرأة التي تكتفي بتصديق ما يُقال لها، أو تقبل التفسيرات الجاهزة لأنها الأسهل والأقل
ألمًا، بل أصبحت امرأة تعرف أن وراء كل سؤال مهمل حقيقة قد تغيّر كل شيء، وأن أكثر الأكاذيب خطورة هي تلك التي تُقال وسط الفوضى والحزن لأن الجميع يكون مشغولًا عن ملاحظتها.
لم يمر سوى يومين حتى بدأت الجهات المختصة بمراجعة ما قدمناه من مستندات وملاحظات وتقارير، ولم يكن الملف الذي تركه أبي دليلًا على جريمة بحد ذاته، لكنه كان كافيًا لفتح أبواب كثيرة ظلّت مغلقة لفترة طويلة، خصوصًا بعد ظهور نتيجة التحاليل التي أثبتت وجود مادة مهدئة في جسدي يوم الجنازة، وبعد اكتشاف التناقضات المتكررة في الروايات المتعلقة بساعات أبي الأخيرة.
أما زوجي...
فبدأ يتغير.
في البداية حاول أن يبدو هادئًا.
بل ومتعاطفًا.
وقال إنه يتفهم حزني وارتباكي.
وأنه سيدعمني مهما كانت قراراتي.
لكن كلما تقدمت التحقيقات خطوة، كان هدوؤه يتآكل أكثر.
وكلما ظهر سؤال جديد، أصبح أكثر عصبية.
وكلما ذُكر اسم أبي أو الشركة أو الملف الذي تركه، كنت أرى ذلك التوتر القديم يعود إلى عينيه من جديد.
وفي الأسبوع التالي حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
فأثناء مراجعة السجلات الطبية الخاصة بأبي، اكتشف المحققون أن هناك اختلافًا بين الوصفة العلاجية الأصلية التي كتبها طبيبه المختص وبين بعض الأدوية التي كانت تصل إليه خلال الأشهر الأخيرة.
لم يكن الاختلاف كبيرًا.
لكنه كان موجودًا.
وكان كافيًا لطرح سؤال جديد.
من الذي كان يحصل على الأدوية؟
ومن الذي كان يعرف تفاصيلها؟
ومن الذي كان يستطيع الوصول إليها؟
وبينما كانت هذه الأسئلة تتراكم، ظهر أمر آخر أكثر خطورة.
فقد كشفت التحقيقات المالية أن الأموال التي خرجت من الشركة لم تكن عشوائية كما بدا في البداية، بل كانت تسير ضمن نمط واضح، وكأن شخصًا ما كان يستنزف المؤسسة بهدوء وعلى مراحل صغيرة حتى لا يلفت الانتباه.
وحين تمت مراجعة التواقيع والموافقات والإجراءات الإدارية، بدأت الأسماء تتكرر.

الاسم نفسه.
ثم الاسم نفسه مرة أخرى.
ثم الاسم نفسه في ملف ثالث ورابع وخامس.
وعندها فقط بدأت الصورة تكتمل.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ من الشركة.
بل من الهاتف.
فقد
تم نسخ الرابط