منذ أشهر، وأخي يأخذ أبي المصاب بالخرف إلى المصرف

لمحة نيوز

بعينين غائمتين.
ثم قال
هل وصل القطار؟
ازداد ارتباك سعد.
وقال بسرعة
لا يا أبي... أخبرهم فقط أنك سمحت لي بسحب المال.
لكن أبي ظل ينظر إليه دون أن يفهم.
عندها قال مدير الفرع بحزم
أرجو أن تخفض صوتك.
رفع سعد يديه وقال
أنا لم أفعل شيئًا. أحضرت والدي ليسحب راتبه فقط.
فقال الموظف
بل كان يريد سحب المبلغ كاملًا.
استدار سعد نحوه بعصبية.
وقال
التزم الصمت.
وفي تلك اللحظة ظهر الخوف على وجهه لأول مرة.
الخوف الحقيقي.
ذلك النوع الذي لا يستطيع الإنسان إخفاءه مهما حاول.
نظر مدير الفرع إليّ وقال
هل ترغبين في استكمال الإجراءات الرسمية؟
ضحك سعد بسخرية.
وقال
إجراءات ضدي؟ ضدي أنا؟ إلى هذا الحد وصلتِ يا أميرة؟
آلمني كلامه.
بالطبع آلمني.
فهذا الرجل كان يومًا أخي الصغير.
الطفل الذي كنت أعتني به حين يمرض.
والذي كان أبي يصطحبه أحيانًا إلى محطة القطار ليريه القطارات القديمة ويحكي له عن سنوات عمله الطويلة.
لكن الرجل الواقف أمامي الآن...
لم يعد يشبه ذلك الطفل.
قلت
نعم... أريد استكمال الإجراءات.
تغير وجه سعد فورًا.
وقال
أميرة... انتظري.
قلت
لا.
أنتِ لا تعرفين حجم المشكلات التي أمر بها.
أعرف.
ثم أضفت
وأعرف أيضًا من أين كنت تغطيها.
قال بسرعة
كنت أنوي إعادة المال.
وانتشرت الهمهمات مرة أخرى بين الواقفين.
في تلك الأثناء بدأ أبي يتململ في كرسيه.
وأخذ يعبث بأزرار سترته المغلقة على نحو خاطئ.
انحنيت نحوه وعدلت ياقته.
وقلت
لا تقلق يا أبي... سنعود إلى المنزل بعد قليل.
أمسك يدي وسأل
هل سنذهب إلى المحطة؟
شعرت بغصة في صدري.
فقلت
نعم يا أبي... لكن دعنا ننهي هذا الأمر أولًا.
وفي اللحظة نفسها...
استغل سعد انشغالي.
ومد يده بسرعة نحو جيب أبي.
ثم انتزع بطاقة الصراف منه بحركة خاطفة.

حركة سريعة...
وكأنها ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك.
لكن أحد موظفي الأمن اعترض طريقه قبل أن يصل إلى الباب.
وقال بحزم
أعطني البطاقة.
صرخ سعد
إنها بطاقة أبي.
فأجابه
وأنت لست مخولًا باستخدامها.
حاول سعد التمسك بها.
فتحرك الكرسي المتحرك إلى الخلف قليلًا.
فارتبك أبي.
وأطلق صوتًا خافتًا مرتجفًا.
صوتًا يشبه بكاء طفل ضائع وسط الزحام.
وفي تلك اللحظة...
نفد ما تبقى لدي من صبر.
وقفت أمام سعد مباشرة.
وقلت
لن تستخدمه بعد اليوم وكأنه محفظة نقود.
نظر إليّ بغضب وقال
لقد سلبتِ مني كل شيء.
أجبته
بل أنت من استنزفته حتى آخر دينار.
طلب مدير الفرع إغلاق نافذة الصرف.
ثم اصطحبنا إلى مكتب جانبي.
وبقي موظفو الأمن بالقرب من سعد.
أما أبي فجاء معي.
وكانت يده تستند إلى طرف عباءتي وهو يهمس بين الحين والآخر
يبدو أن القطار تأخر اليوم.
أغلق مدير الفرع الباب.
ثم قال
أثناء مراجعة حركة الحساب اكتشفنا أمرًا آخر.
شعرت بانقباض في معدتي.
وسألته
ماذا تقصد؟
وضع ورقة مطبوعة أمامي.
ثم قال
لم تكن كل العمليات سحبًا نقديًا فقط.
نظرت إلى الورقة.
كانت هناك تحويلات مالية متعددة.
بعضها بمبالغ صغيرة.
ثم بدأت تكبر تدريجيًا.
وكلها متجهة إلى حساب واحد.
رفعت رأسي نحو سعد.
فوجدته يتصبب عرقًا.
وقال المدير
هذه التحويلات بدأت منذ نحو تسعة أشهر.
ثم أضاف
ولم تقتصر على أيام صرف الراتب التقاعدي.
قلبت الصفحة التالية.
فرأيت عمليات شراء إلكترونية.
ومدفوعات متعددة.
ومحاولات استخدام بيانات أبي في معاملات مالية أخرى.
شعرت بدوار خفيف.
ونظرت إلى سعد.
لم يعد يصرخ هذه المرة.
ولم يعد يتظاهر بالغضب.
كان يجلس صامتًا.
يتجنب النظر إلى عيني.
سألته
ماذا فعلت بالضبط؟
قال بصوت خافت
كنت سأعيد
المال.

فقلت
ومن أين؟
ثم أشرت إلى أبي الجالس بجواري.
وأضفت
من المال الذي نشتري به دواءه؟
أخفض رأسه.
وقال بعد صمت طويل
كانت عليّ ديون.
ديون كبيرة.
قلت
وكان على أبي التزامات أيضًا.
الحفاضات والدواء والطعام لكن ذلك لم يهمك يومًا.
رفع رأسه نحوي وقال
أنتِ دائمًا تحبين أن تظهري نفسكِ ضحية، أليس كذلك؟
نزلت كلماته عليّ كصفعة.
ليس بسبب معناها.
بل بسبب سهولة خروجها من فمه.
أنا التي كنت أخرج إلى العمل قبل شروق الشمس.
وأعود كل يوم لأعتني برجل في التاسعة والسبعين من عمره، قد ينسى اسمي أحيانًا، لكنه يبقى أبي.
ومع ذلك كان سعد يظن أنني أمثل.
قلت بهدوء
لست ضحية... أنا شاهدة.
ثم فتحت جزءًا آخر من الملف.
كانت الصور كلها هناك.
صورة لأبي بسترة متسخة يوم أخذه سعد من المنزل دون أن يخبرني.
وصورة له نائمًا على أحد مقاعد المصرف، بينما دفتر الحساب بين يديه.
وصورة مأخوذة من كاميرات المراقبة، تظهر سعد وهو يوجه يد أبي أثناء التوقيع على إحدى المعاملات.
ثم وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
أسوأ صفحة في الملف كله.
كانت ورقة موقعة باسم أبي.
تزعم أنني تخليت عنه.
وأن سعد هو الشخص الوحيد الذي يتولى رعايته.
وأنه يرغب في منحه حق إدارة جميع شؤونه المالية.
حدقت في التوقيع طويلًا.
لم يكن توقيع أبي الحقيقي.
كان تقليدًا رديئًا.
تقليدًا يفضحه من ينظر إليه لدقائق قليلة.
قال مدير الفرع
أخوك قدم هذه الورقة قبل أسبوعين.
ثم أضاف
وطلب اعتمادها تمهيدًا لتغيير الشخص المخول بإدارة الحساب.
شعرت ببرودة تسري في عروقي.
لم يكن سعد يسرق الراتب فقط.
بل كان يحاول انتزاع كل سلطة تمكنني من حماية أبي.
وقفت من مكاني.
ونظرت إليه مباشرة.
ثم قلت
هل أنت من كتب هذه الورقة؟
ظل يحدق في الأرض.
وقال بصوت خافت
ساعدني أحد الأشخاص.

قلت بحدة
شخص من أين؟
لكنه لم يجب.
وفي تلك اللحظة تحرك أبي في كرسيه.
ثم قال فجأة
سعد.
التفت الجميع نحوه.
فقد كانت تلك أول مرة ينطق اسمه بوضوح منذ فترة طويلة.
رفع سعد رأسه بسرعة.
وبدا في عينيه بصيص أمل.
وقال
نعم يا أبي... أنا هنا.
نظر إليه أبي طويلًا.
طويلًا جدًا.
ولم أعرف إن كان قد فهم ما يجري حوله فعلًا.
أم أن ذاكرته عادت إليه للحظة عابرة قبل أن تضيع من جديد.
لكن الدموع بدأت تتجمع في عينيه.
ثم همس بصوت مرتجف
لا تبيع قطاري.
وخيم الصمت على الغرفة.
صمت ثقيل...
أثقل من أي كلمة قيلت في ذلك اليوم.
رمش سعد عدة مرات.
ثم قال
ماذا؟
لكن أبي كان قد عاد إلى شروده من جديد.
وتمتم بكلمات متقطعة
قطاري... حقيبة الطعام... لقد اقتربنا...
شعرت بالدموع تملأ عيني.
ليس لأنني فهمت كلماته كلها.
بل لأنني فهمت معناها.
بالنسبة لأبي...
كان ذلك الراتب التقاعدي آخر ما تبقى من عمره الطويل.
سنوات العمل.
والاستيقاظ قبل الفجر.
والأيام التي قضاها بين القطارات والسكك الحديدية.
واليدان اللتان أنهكهما التعب من أجلنا.
كل ذلك اختصرته الدولة في راتب تقاعدي بسيط.
وسعد كان يسرقه منه شهرًا بعد شهر.
طلب مدير الفرع التواصل مع الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات.
وحاول سعد أن يتحدث معي قبل مغادرة المكتب.
وقال
أميرة... أرجوك. أعطيني فرصة لأصلح الأمر.
ثم أضاف
نحن عائلة.
نظرت إليه وقلت
وكنت ابنًا له أيضًا.
سأعيد المال.
ومتى؟
ثم أشرت إلى أبي.
وأضفت
عندما لا يعود بحاجة إلى الدواء والطعام؟
مد يده وأمسك بذراعي بقوة.
وقال
لا تفعلي هذا.
لكن أحد موظفي الأمن تدخّل فورًا.
فأجبره على ترك يدي.
كانت عيناه محمرتين.
وبدا على وشك البكاء.
لكنني لم أعد أخلط بين الندم والخوف.
كان خائفًا من
العواقب فقط.

خرجنا من المصرف.
وتفرج الناس علينا بصمت.
بعضهم نظر إلى أبي بحزن.
وبعضهم نظر إلى سعد باستياء.
أما أنا فلم ألتفت إلى أحد.
في الخارج كانت الحياة تسير كالمعتاد.
السيارات تملأ الشارع.
والباعة يقفون على الأرصفة.
ورائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبز القريب.
أما أنا فكنت أشعر أن كل شيء قد تغير.
ساعدت أبي على الجلوس في السيارة.
فنظر عبر النافذة إلى الشارع.
ثم قال
ها هو.
ابتسمت وسألته
من يا أبي؟
فقال
القطار.
رتبت الغطاء فوق ساقيه.
ثم قلت
نعم يا أبي... ها هو القطار.
وفي الساعات التالية بدأت الإجراءات الرسمية.
وقدمت كل ما أملكه من مستندات.
كشوف الحساب.
والتقارير الطبية.
والأوراق التي تثبت حالته الصحية.
والورقة المزورة التي حاول سعد استخدامها.
وكان عليّ أن أروي القصة كاملة.
تفصيلًا بعد تفصيل.
ولم يكن ذلك سهلًا.
فأنا لم
تم نسخ الرابط