منذ أشهر، وأخي يأخذ أبي المصاب بالخرف إلى المصرف
أكن أتكلم عن شخص غريب.
كنت أتكلم عن أخي.
الأخ الذي شاركني طفولتي يومًا.
لكنني كلما نظرت إلى أبي وهو نائم على الكرسي، وسترته مقلوبة، ويداه ترتجفان فوق الغطاء...
كنت أتذكر سبب وجودي هناك.
أحيانًا...
يصبح التساهل مع الظلم نوعًا آخر من التخلي.
ولهذا واصلت الإجراءات حتى النهاية.
في ذلك المساء...
وبعد أن تأكدت من إيقاف أي تصرف غير قانوني بالحساب، وبدأت إجراءات إصدار بطاقة جديدة تخضع للضوابط اللازمة...
أخذت أبي إلى المنزل.
كانت الممرضة هناء تنتظرنا عند الباب.
وحين رأت وجهي لم تسأل عن شيء.
اكتفت بالإمساك بمقبضي الكرسي المتحرك وقالت
أعددت له بعض الحساء. وقد تناول القليل من الطعام اليوم.
ابتسم أبي وقال
هل هناك قهوة؟
ضحكت هناء.
وقالت
ليست لك يا حاج.
ثم أشارت إليّ وأضافت
أما أميرة فتستحق أكثر من فنجان.
كان منزلنا صغيرًا.
يقع في أحد الأحياء الهادئة.
الحي الذي يعرف فيه الجيران أخبار بعضهم قبل أن تُروى لهم.
وعلى الرف المقابل للنافذة كانت صورة أمي لا تزال في مكانها.
وبجانبها تقويم قديم للسكك الحديدية.
رفض أبي التخلص منه طوال السنوات الماضية.
حتى بعدما نسي التواريخ كلها.
ساعدته على الجلوس في مقعده المفضل.
ثم نزعت حذاءه.
وأعدت ترتيب أزرار سترته.
ولأول مرة منذ شهور طويلة...
شعرت أن راتبه التقاعدي لم يعد مجرد مال.
بل أصبح شيئًا نجحت أخيرًا في حمايته.
في تلك الليلة رن هاتفي من رقم مجهول.
وعرفت فورًا أن المتصل هو سعد.
أجبته.
لأنني كنت أعلم أنه إن لم يجدني عبر الهاتف فسيأتي إلى المنزل.
قال بصوت متعب
أميرة... تحدثت مع محامٍ.
انتظرت بصمت.
فأكمل
يقول إن كل شيء يمكن أن ينتهي إذا أخبرتِهم أن ما حدث مجرد سوء فهم.
قلت
لم يكن سوء فهم.
قال بسرعة
سيدمرون حياتي.
أجبته
أنت من استخدم يد أبي للتوقيع على تلك الأوراق.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال بصوت منخفض
كانوا سيقتلونني.
أغمضت عيني.
فهمت ما يحاول فعله.
كان يريد أن يجعل خوفه أكبر من حق أبي.
ويريد مني أن أضحي بأبي مرة أخرى لإنقاذه.
فقلت
إذا كان هناك من يهددك فأبلغ الجهات المختصة.
قال
لا أستطيع.
أجبته
وأنا لا أستطيع حمايةك بسرقة مال أبي.
قال بعد لحظة
أنا أخوكِ.
فنظرت إلى أبي النائم في مقعده.
ثم قلت
وهو أبونا.
أصبح صوته أكثر ثقلًا.
ثم قال
أنتِ لم تحبيني يومًا كما أحببتِ أبي.
كدت أضحك.
ليس سخرية.
بل من شدة التعب.
فقلت
أبي نسي اسمي وما زلت أعتني به كل يوم.
ثم أضفت
أما أنت فكنت تتذكر اسمه جيدًا... واستعملته لتأخذه إلى المصرف وتسحب ماله.
وأغلقت الهاتف.
لم أحظر الرقم.
بل احتفظت به.
فكل شيء أصبح دليلًا.
مرت الأيام التالية بين المعاملات والمراجعات.
وزيارات المصرف.
والمواعيد الطبية.
والإجراءات المتعلقة برعاية أبي.
وتعلمت كيف أوثق كل مصروف يخصه.
ثمن الدواء.
والحفاضات.
وأسطوانة الأوكسجين.
والطعام.
وأجرة الممرضة.
أصبحت أدير أمواله بدقة شديدة.
لأنها لم تكن مجرد أموال.
بل كانت حصيلة عمر كامل.
أما سعد...
فلم يقترب من المنزل مرة أخرى.
واكتفى بالرسائل.
في البداية كانت مليئة بالغضب.
ثم تحولت إلى توسلات.
ثم إلى اتهامات.
كان يكرر أنني أريد الاستيلاء على كل شيء.
كل شيء.
ابتسمت كلما قرأت تلك العبارة.
فأي شيء كان يقصد؟
تلفازًا قديمًا؟
أم مقعدًا مهترئًا؟
أم رفوفًا مليئة بعلب الدواء؟
أم راتبًا تقاعديًا بالكاد يكفي متطلبات الشهر؟
أم أبًا يستيقظ أحيانًا في الثالثة فجرًا ليسأل عن قطار لم يعد موجودًا؟
بعد أسبوع تقريبًا اتصل بي مدير الفرع.
وأخبرني أن جزءًا من آخر عملية سحب أمكن إيقافها قبل اكتمالها.
كما تم إلغاء جميع الإجراءات المتعلقة بتغيير الشخص
وأضيفت الورقة المزورة رسميًا إلى ملف القضية.
ثم قال
أحسنتِ حين جئتِ إلينا.
نظرت إلى أبي.
كان نائمًا أمام برنامج وثائقي عن القطارات القديمة.
وفمه مفتوح قليلًا.
فقلت
لم أصل في الوقت المناسب.
ثم أضفت
وصلت عندما استطعت.
في تلك الليلة كنت أقص أظافر أبي.
وفجأة نظر إليّ.
نظرة نادرة.
واضحة على غير عادته.
وقال
أميرة.
توقفت يدي فورًا.
وقلت
نعم يا أبي؟
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم قال
لا تدعي سعد يصعد إلى القطار وحده.
شعرت بانقباض في صدري.
لم أعرف إن كان يتحدث عن قطار من ذكرياته القديمة...
أم عن شيء آخر.
فقلت بهدوء
لا أستطيع مساعدته إذا كان يؤذي الجميع يا أبي.
أغمض عينيه ببطء.
ثم همس
إذن... دعيه يتحمل نتيجة ما فعل.
وسالت دموعي بصمت.
كان أبي يبتعد عني يومًا بعد يوم.
لكن في مكان ما...
داخل تلك الذاكرة المتكسرة...
كان لا يزال يعرف من الذي آذاه.
بعد شهر تقريبًا...
بدأت الإجراءات القضائية تأخذ مسارها الرسمي.
وحضر سعد إلى المحكمة.
لم يكن يشبه الرجل الذي اعتاد الظهور بأحذية جديدة وساعات لامعة.
بدا أنحف من السابق.
وتحت عينيه هالات داكنة.
ويرتدي قميصًا باهت اللون.
رآني في الممر.
وتردد للحظة قبل أن يقترب.
ثم سأل بصوت خافت
هل يسأل أبي عني أحيانًا؟
فكرت أن أكذب.
لكنني لم أفعل.
قلت
أحيانًا.
امتلأت عيناه بالدموع.
وقال
وماذا يقول؟
نظرت إلى الملف الذي أحمله بين يدي.
ثم أجبته
يقول لا تبيع قطاري.
أخفض رأسه.
ولم يقل شيئًا.
ولم أعرف إن كانت تلك الكلمات قد حطمته...
أم منحت قلبه فرصة أخيرة ليستيقظ.
ولم يكن ذلك قراري على أي حال.
استمرت الإجراءات.
وكان من الممكن استعادة جزء من الأموال.
أما الجزء الآخر...
فقد يكون ضاع إلى الأبد.
وكان على سعد أن يجيب عن كل ما فعله.
وأن
ولم أشعر بالفرح.
فلا أحد يحتفل وهو يرى أخاه يقف في هذا الموقف.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا.
أن حماية أبي كانت أهم من كل شيء آخر.
وفي صباح أحد الأيام...
قررت أن آخذه إلى متحف السكك الحديدية.
ساعدتني الممرضة هناء في إعداده.
وألبسناه قبعته المفضلة.
ووضعنا فوق كتفيه معطفه القديم.
ثم أوصلناه إلى هناك.
كانت عربات القطار القديمة تقف فوق القضبان بصمت.
ضخمة وثابتة.
كأنها حراس قدماء يراقبون المكان منذ عقود.
توقف أبي طويلًا أمام السكة الحديدية.
وفجأة...
تغير وجهه.
لم تكن معجزة.
ولم تعد إليه ذاكرته كاملة.
لكن شيئًا صغيرًا أضاء داخله.
ثم قال
كنت أعمل هنا.
أمسكت يده.
وقلت مبتسمة
نعم يا أبي... كنت تعمل هنا.
ظل ينظر إلى القضبان.
ثم قال
كنت أحمل معي علبة الطعام.
ابتسمت أكثر.
وقلت
نعم... وكنت تعود بها فارغة كل يوم.
ابتسم أبي.
ثم قال
كانت أمك تضع لي طعامًا يكفي يومين.
ضحكت.
وبقينا واقفين طويلًا أمام القطارات القديمة.
الأطفال يركضون بين العربات.
والعائلات تلتقط الصور.
ولا أحد منهم كان يعرف أن الرجل الجالس على ذلك الكرسي المتحرك قضى نصف عمره بين السكك الحديدية.
بين الضجيج.
والشحم.
والعمل الشاق.
رجل أمضى سنوات طويلة يكسب رزقه بعرق جبينه.
ثم جاء يوم حاول فيه ابنه أن يسلبه ثمار ذلك العمر كله.
لكنني كنت أعرف.
وكنت عازمة على أن أتذكر ذلك ما دام هو لم يعد قادرًا على تذكره.
في طريق العودة غلبه النعاس سريعًا.
وأخذت المدينة تمر خلف زجاج السيارة.
المخابز.
والمحال الصغيرة.
والشوارع المزدحمة.
والناس الذين يواصلون حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
بينما كانت عائلتنا تحاول لملمة ما تبقى منها.
نظرت إلى أبي.
ثم عدلت سترته.
هذه المرة كانت أزرارها في أماكنها الصحيحة.
وعندما وصلنا إلى
وكانت رائحة القهوة تعبق في المكان.
دخل أبي وهو لا يزال نصف نائم.
وشعرت لأول مرة منذ شهور طويلة أن الأمور عادت إلى مكانها الصحيح.
لم يعد حسابه التقاعدي فارغًا.
ولم تعد بطاقته في يد سعد.
ولم يعد أحد قادرًا على استخدام اسمه وتوقيعه ليستولي على حقه.
أما أنا...
فبرغم الإرهاق.
وبرغم أن المنبه سيوقظني قبل الفجر لأذهب إلى عملي...
شعرت بشيء افتقدته منذ وقت طويل.
لم يكن فرحًا.
ولم يكن انتصارًا.
بل كان راحة.
راحة صغيرة.
لكنها حقيقية.
واستحققتها بعد كل ما حدث.
اقتربت من أبي وهو نائم في مقعده.
ثم همست
لا تقلق يا أبي... لن يأخذك أحد إلى المصرف بعد اليوم إلا وأنا معك.
لم يفتح عينيه.
ولم يجبني.
لكن ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه.
ابتسامة صغيرة...
وكأن جزءًا بعيدًا من ذاكرته أدرك أخيرًا أن قطاره الأخير أصبح في أمان.