أرسلت خطيبة زوجي السابقة رسالة
المحتويات
بلطف
لا تخف.
إنها صديقة.
ثم نظر إليّ وأضاف
لقد جاءت لتساعدنا.
مساعدة.
يا لها من كلمة ضخمة.
خصوصًا لامرأة كانت قبل ساعات قليلة فقط تتخيل إغلاق الباب في وجه كل من له علاقة بهذه الفوضى.
صعدنا إلى الشقة.
وبعد دقائق خرجت سناء من غرفة النوم وهي تجر حقيبة سفر وردية خلفها.
كانت أنيقة على نحو لافت.
أحمر شفاه متقن.
وقميص أبيض مرتب.
وعطر هادئ يفوح منها.
وعندما رأت ياسر...
ابتسمت.
لكن ما إن وقعت عيناها عليّ حتى اختفت تلك الابتسامة فورًا.
وقالت بحدة
ماذا تفعلين هنا؟
أجبتها بهدوء
سعيدة برؤيتك أنا أيضًا.
تقدم ياسر خطوة إلى الأمام.
وقال
سناء، لماذا أرسلتِ إليّ تلك الرسالة الكاذبة؟
رفعت يدها وعدلت خصلات شعرها.
ثم قالت بثقة
لأنها الحقيقة.
عندها فتح فاضل الملف الذي يحمله.
وقال
لا... ليست الحقيقة.
استدارت نحوه بعصبية.
وقالت
لا تتدخل.
فأجابها ببرود
أنا والد الطفل.
ضحكت بسخرية.
وقالت
تتذكر ذلك فقط عندما يناسبك.
لكنها لم تنظر نحوه وهي تتكلم.
بل كانت تنظر إلى الحقيبة الموضوعة بجوار الباب.
وكأن ما يشغلها لم يكن سيف...
بل شيء آخر تمامًا.
كان سيف يقف في زاوية الغرفة ممسكًا بلعبة الديناصور البلاستيكية.
ورأيته يشد عليها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
لاحظت ذلك.
وفاضل لاحظه أيضًا.
أما سناء فلم تنتبه إليه أصلًا.
تقدم فاضل فورًا ووقف بين الطفل وبينها.
ثم قال بلطف
سيف... اذهب مع عمتك.
ظهرت امرأة ترتدي نظارة وتحمل حقيبة على كتفها عند باب الشقة.
كانت أخت فاضل دون شك.
ركض الطفل نحوها فورًا.
وما إن أُغلق الباب خلفه...
حتى تغير كل شيء.
اختفت دموع الضحية.
واختفت صورة الزوجة المظلومة.
ولم يبقَ سوى الغضب.
غضب خالص.
نظرت إليّ مباشرة وقالت
لقد أفسدتِ خطتي.
كدت أصفق لها.
حقًا.
لأنها للمرة الأولى منذ دخولنا الشقة قالت شيئًا صادقًا.
فابتسمت وقلت
رائع.
على الأقل أصبحنا نتحدث بوضوح أخيرًا.
تقدم ياسر خطوة أخرى.
وقال
ماذا كنتِ تريدين مني؟
أجابته دون تردد
ما تدين به الحياة لي.
أطلق فاضل ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة.
ثم قال
الحياة لا تسدد ديونها بالكذب على الناس.
أطلقت سناء صرخة غاضبة.
ثم نزعت حقيبتها من كتفها وألقتها بقوة نحو فاضل.
أخطأته.
لكن الحقيبة ارتطمت بالأريكة بعنف حتى اهتز المصباح القريب.
وقالت وهي تكاد تختنق من شدة الغضب
أنتم لا تفهمون شيئًا!
والدتك تعاملني وكأنني عبء على ابنها.
وعائلتك تحاسبني على كل دينار أنفقه.
الشقة باسمك.
والسيارة باسمك.
وكل شيء في هذا البيت باسمك.
نظر إليها فاضل طويلًا.
ثم قال بهدوء
لأنني من اشتراه.
ازدادت ملامحها توترًا.
فأكمل
وكلما رفضت طلبًا جديدًا منكِ، ظهر رجل جديد تزعمين أنه قادر على تغيير حياتك.
شحب وجهها.
وقالت
كاذب.
لكنها قالتها بسرعة أكبر مما ينبغي.
استدارت نحو ياسر فجأة.
وكأنها تبحث عن آخر باب لم يُغلق بعد.
وقالت
كان من المفترض أن تساعدني.
هز ياسر رأسه ببطء.
ثم قال
تساعدك في ماذا بالضبط؟
أشارت نحو الباب الذي خرج منه سيف.
وقالت
في تأمين مستقبله.
نظر إليها ياسر غير مصدّق.
ثم قال
أنتِ تعرفين قبل أي شخص آخر أن ما كتبته في الرسالة كذب.
ارتجف فكها قليلًا.
لكنه أكمل
انفصلنا منذ سنوات طويلة.
ولم تكن بيننا أي علاقة بعد ذلك.
وأشار إلى الملف الموضوع على الطاولة.
وفوق ذلك، هناك فحص حمض نووي يثبت أن فاضل هو والد سيف.
تقدّم فاضل خطوة للأمام.
وقال بمرارة
لكنها كانت تحتاج إلى اسم جديد تضغط به عندما فشلت الطرق القديمة.
أدارت سناء وجهها بعيدًا.
فأكمل ياسر
لو كنتِ طلبتِ مساعدة من أجل ابنك بشكل مباشر، لكان ذلك شيئًا مختلفًا.
ثم هز رأسه.
أما أن تزجي باسمي في قصة تعرفين أنها غير صحيحة، فهذا لن يحدث.
عندها ضربت سناء بقبضتها على الطاولة.
وقالت بغضب
أنتم جميعًا ضدي!
فأجابها فاضل بهدوء
لا.
ثم أشار إلى الأوراق.
الحقيقة فقط
ضحكت سناء بسخرية مريرة.
وقالت
ما زلت كما أنت.
تظن أن الصدق وحده يحل كل شيء.
وقبل أن يرد...
تدخلت أنا.
وقلت
لا.
المشكلة ليست فيه.
ثم نظرت إليها مباشرة.
المشكلة أنكِ ظننتِ أن الجميع سيصدق الكذبة.
التفتت نحوي.
وكانت نظرتها مليئة بالحقد.
وقالت
اصمتي.
أنتِ لا تعرفين عني شيئًا.
أجبتها دون أن أرفع صوتي
أعرف ما يكفي.
ثم تقدمت خطوة إلى الأمام.
أعرف أنكِ أرسلتِ رسالة إلى زوجي في الثامنة صباحًا لتفجري أزمة داخل منزلي.
وأعرف أن ابنك يسمع أكثر مما تتخيلين.
وأعرف أنكِ مستعدة لاستخدام أي شخص عندما تحتاجين إلى شيء.
شحب وجهها قليلًا.
وقالت
هل تهددينني؟
هززت رأسي.
لا.
ثم أشرت إلى الأوراق على الطاولة.
أنا فقط أنظر إلى الحقائق.
اقترب فاضل ووضع مجموعة من الرسائل المطبوعة أمام الجميع.
كانت رسائل تمتد لسنوات.
لكنها حملت المعنى نفسه دائمًا.
ضغط.
وتهديد.
ومساومة.
قرأ ياسر بعضها بصوت منخفض
إذا لم تحول المال فلن ترى سيف.
وفي رسالة أخرى
إذا لم توافق فسأجعل الجميع يصدقون شيئًا آخر.
ورسالة ثالثة
سأجد طريقة تجبرك على الرضوخ.
أعاد الأوراق إلى مكانها.
وقال بصوت خافت
كل شيء هنا يدور حول المال.
لم تنكر سناء ذلك.
ولم تؤكده.
لكن صمتها كان كافيًا.
قال فاضل وهو يغلق الملف
تحدثت مع محامٍ هذا الصباح.
ثم أضاف
وسأبدأ إجراءات قانونية تضمن ألا يبقى سيف وسط هذا الصراع.
نظر إليها مباشرة.
وقال
لن أسمح باستخدامه كورقة ضغط بعد اليوم.
جلست سناء على المقعد.
ولأول مرة منذ وصولنا...
بدت خائفة فعلًا.
قالت بصوت مرتجف
تريدون جميعًا أخذه مني.
أخذ فاضل نفسًا عميقًا.
ثم قال
لا.
أريد فقط أن يتوقف عن دفع ثمن مشاكل الكبار.
أسكتتها تلك الجملة تمامًا.
وأثرت فيّ أنا أيضًا.
فليست كل الجراح كدمات تُرى بالعين.
بعضها يُصنع عندما يُجبر طفل على العيش وسط الخوف والابتزاز والتهديد.
بعد نحو ساعة
وبقي فاضل مع محاميه لمراجعة الوثائق والرسائل.
أما نحن فعُدنا إلى منزلنا.
وكان الفطور الذي بدأ معه كل شيء قد أصبح ذكرى بعيدة.
وضعت مفاتيحي على الطاولة.
وخلعت حذائي.
أما ياسر فظل واقفًا مكانه.
صامتًا.
مترددًا.
وكأنه لا يعرف من أين يبدأ.
ثم سأل أخيرًا
هل تكرهينني؟
فكرت في أن أكذب.
لكنني لم أستطع.
قلت
لا.
تنفس بارتياح واضح.
وقال
الحمد لله.
لكنني أضفت فورًا
هذا لا يعني أنني بخير.
اختفى الارتياح من وجهه.
وقال بصوت منخفض
أعرف.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
اليوم اكتشفت أن امرأة من الماضي يمكنها أن تهز حياتي كلها برسالة واحدة، حتى لو كانت كاذبة.
خفض رأسه.
فأكملت
واكتشفت أيضًا أن حياتي يمكن أن تتأثر بقصة لم أكن جزءًا منها أصلًا.
قال بهدوء
لقد شعرت بذلك أيضًا.
هززت رأسي.
لا يا ياسر.
ثم نظرت إليه مباشرة.
أنت شعرت بالخوف.
أما أنا فشعرت أن الاستقرار الذي بنيته طوال سنوات يمكن أن يهتز بسبب شخص قرر أن يستخدم الكذب لتحقيق ما يريد.
جلس على المقعد.
وبدا وكأنه يفكر في كلماتي.
ثم سأل
وماذا تريدين مني الآن؟
كان سؤالًا جيدًا.
فكرت للحظات.
ثم قلت
أريد الصراحة.
رفع رأسه.
فأكملت
إذا تواصلت سناء معك مرة أخرى، تخبرني فورًا.
وإذا فكرت يومًا في مساعدتها أو التدخل في أي مشكلة تخصها، تخبرني قبل أن تتصرف.
صمتُّ لحظة.
ثم أضفت
وسنذهب إلى استشاري أسري.
فتح فمه وكأنه يريد الاعتراض.
لكنه تراجع.
وقال ببساطة
حسنًا.
ومضت الأشهر بعد ذلك.
لم تكن الإجراءات التي بدأها فاضل سهلة.
واستغرقت وقتًا طويلًا.
لكن الأمور بدأت تستقر تدريجيًا.
لم تفقد سناء حقها كأم.
لكنها فقدت قدرتها على استخدام سيف وسيلة للضغط والتهديد.
وأصبحت جميع الإجراءات المتعلقة بالطفل تتم وفق ضوابط واضحة واتفاقات موثقة.
وبقي سيف يحمل اسم والده.
وبقي فاضل والده قانونيًا وفعليًا.
ومع مرور الوقت...
بدا سيف أكثر هدوءًا
ولم يعد متوترًا كما كان يوم التقيناه أول مرة.
بعد عدة أشهر، صادفنا فاضل وسيف في إحدى الحدائق العامة.
كان سيف يسير بجوار والده، ممسكًا بمثلجات تذوب فوق يده الصغيرة بينما يحمل لعبة الديناصور نفسها التي رأيتها أول مرة.
وعندما لمحنا، تردد للحظة.
ثم لوّح لي بحماس.
وقال
مرحبًا.
ابتسمت ولوحت له.
مرحبًا يا بطل.
اقترب فاضل منا.
وقال
لم تتح لي فرصة شكرك كما يجب.
هززت رأسي.
وقلت
لا تشكرني.
ثم نظرت إلى سيف.
فقط امنحه حياة مستقرة.
ابتسم بحزن خفيف.
وقال
أحاول.
عندها التفت سيف إلى ياسر.
وسأله ببراءة
أنت ياسر؟
ابتسم ياسر.
وقال
نعم.
فقال الطفل
أمي كانت تتحدث عنك كثيرًا.
ساد صمت قصير.
ثم ربت فاضل على كتف ابنه بلطف.
فابتسم سيف وأكمل تناول مثلجاته وكأن الأمر لا يعنيه.
ضحك فاضل.
وضحكت أنا أيضًا.
أما ياسر فلم يضحك.
بل بدا شاردًا للحظة.
لأنه أدرك أخيرًا حجم الفوضى التي كانت كذبة واحدة قادرة على صنعها.
أما سناء...
فاستغرق سقوطها وقتًا
متابعة القراءة