لسنوات طويلة كان زوجي يعلق أوراقًا صفراء
لسنوات طويلة، كان زوجي يعلق أوراقًا صفراء صغيرة على باب الثلاجة، يقيّم فيها طبخي، وشكلي، وحتى طريقة تربيتي لابننا. وكان يسمي ذلك إصلاحًا للحياة الزوجية، بينما يضحك الجميع على تعليقاته... إلى أن سألني ابني ذو الأعوام الثمانية يومًا إن كان من الممكن أن يفشل هو أيضًا في أن يكون ابنًا صالحًا.
طلب تقييم مخاطر الأمومة.
ظللت أحدق في ذلك السطر الأخير حتى بدأت الحروف تتداخل أمام عيني.
طلب تقييم مخاطر الأمومة.
مخاطر.
أمومة.
كلمتان اجتمعتا لتحويلا أمًّا إلى تهديد داخل بيتها.
كان حيدر وسمر لا يزالان في المطبخ يتحدثان وكأنني مجرد ملف ورقي، وكأن عليًا مجرد معاملة يمكن نقلها من مكتب إلى آخر.
لم أدخل.
لم أصرخ.
ولم أصفق الباب خلفي.
لأنني أدركت شيئًا أخافني بوضوحه.
هذا بالضبط ما كانا ينتظرانه.
كانا يريدانني أن أنهار.
وكانا يريدان تسجيل تلك اللحظة ضدّي.
أخرجت هاتفي وبدأت التسجيل.
كانت يدي ترتجف بشدة حتى اضطررت إلى إمساك الهاتف بكلتا يدي.
كانت سمر تقول إن الأوراق الصفراء جعلتني أكثر توترًا وانفعالًا خلال الأشهر الأخيرة، وإن أي رد فعل حاد مني قد يُستخدم كدليل على أنني أعاني صعوبة في التحكم بمشاعري تحت الضغط.
فضحك حيدر ضحكة خافتة وقال
غدًا سأترك لها ورقة عن طريقة احتضانها لابنها. هذا الموضوع يزعجها أكثر من أي شيء آخر.
فقالت سمر
المهم ألا تواجها الأمر بطريقة مباشرة. أحيانًا الناس يكشفون ما بداخلهم عندما يشعرون أنهم تحت المراقبة.
اجتاحني شعور بارد بالغثيان.
لم تكن مجرد امرأة تدخل منزلي بمفتاح.
بل امرأة جاءت لتدرس بدقة أكثر الأماكن إيلامًا في حياتي، حتى تساعده على انتزاع ابني مني.
تراجعت بصمت.
وعبرت الشارع.
وجلست على الرصيف بجوار البقالة.
كانت علبة العصير لا تزال في يدي.
ولم أرتشف منها رشفة واحدة.
اتصلت بوالدتي.
وطلبت منها ألا تسمح لعلي بالخروج لأي سبب.
ثم اتصلت بمحامية كانت إحدى زميلاتي قد أوصتني بها قبل أشهر عندما لاحظت آثار البكاء على وجهي.
كان اسمها نادية العزاوي.
أرسلت إليها صور الأوراق الصفراء، والتسجيل الصوتي، وصورة المستند الذي يحمل توقيعًا يشبه توقيعي.
ولم يمر وقت طويل حتى وصلني ردها.
قالت
لا توقعي على أي مستند. ولا تواجهيهما بمفردك. واجمعي كل دليل تستطيعين الوصول إليه.
وكانت تلك الكلمات كفيلة بأن تمنحني قوة لم تمنحني إياها أي مواساة أخرى.
في ذلك المساء عدت إلى المنزل متظاهرة بأن كل شيء طبيعي.
كانت سمر قد غادرت بالفعل.
أما حيدر فكان جالسًا في غرفة الجلوس، وقد ألصق ورقة صفراء على جهاز التحكم.
زوجة تفتقر إلى العفوية 3 من 10.
نزعها أمامي وابتسم.
وقال
أمزح فقط يا إسراء. عليكِ أن تتعلمي كيف تضحكين على نفسك.
نظرت إليه.
ولأول مرة لم أمنحه تلك الابتسامة المصطنعة التي اعتاد رؤيتها.
قلت
نعم. أنا أتعلم أشياء كثيرة.
قطب حاجبيه، وكأن هدوئي أزعجه أكثر من دموعي.
خرج علي من الممر وعيناه دامعتان.
وكان يحمل ورقة مطوية في يده.
وقال
أمي... إذا حصلت على درجة سيئة في المدرسة، فهل يمكن أن أصبح
شعرت بشيء ينكسر داخلي بصمت.
ليس من أجلي.
بل من أجله.
لأن حيدر لم يكن يهينني فقط.
بل كان يعلّم ابني أن يقيس المحبة بالأرقام.
في تلك الليلة لم أتشاجر معه.
أعددت الشوربة.
وساعدت عليًا على الاستحمام.
وانتظرت حتى غلب النعاس حيدر وهو يشاهد المقاطع على الأريكة.
ثم ذهبت إلى الدرج الذي أحتفظ فيه بالفواتير والدفاتر المدرسية وأوراق المنزل.
كانت مجموعة مفاتيح ناقصة.
مفتاح الباب الخارجي.
تجمدت في مكاني.
في اليوم التالي ادعيت المرض ولم أذهب إلى عملي.
تركت عليًا عند والدتي.
ثم عدت إلى المنزل قبل الظهر.
لكنني لم أدخل.
جلست في البقالة المقابلة للمنزل أراقب الباب وفي يدي علبة عصير فقدت برودتها.
عند الثانية عشرة وثماني عشرة دقيقة وصلت سمر.
لم تطرق الباب.
أخرجت مفتاحًا.
ودخلت وكأنها تعيش هناك.
وبعد نحو نصف ساعة وصل حيدر حاملاً كيس طعام وملفًا أسود تحت ذراعه.
عبرت الشارع ببطء.
ولاحظت أن الباب لم يكن مغلقًا بإحكام.
ومن عند المدخل سمعت صوت سمر وهي تقول
إذا وافقت إسراء على التقييم فسيصبح لدينا ملف أقوى. وعندها سيكون من الأسهل الدفاع عن أي طلب يتعلق بإقامة علي.
فرد حيدر
كل ما أحتاجه أن تنهار. سأترك لها ورقة في المكان الذي يؤلمها أكثر.
نظرت نحو الثلاجة.
كانت هناك ورقة صفراء جديدة بخط يده.
لكن أسفلها مباشرة، ومثبتة بشريط شفاف، كانت توجد نسخة من توقيعي على مستند لم أره من قبل.
وكان السطر الأخير يقول
طلب تقييم مخاطر الأمومة.
ظللت أحدق في
لكنني أجبرت نفسي على الهدوء.
أخرجت هاتفي.
والتقطت عدة صور للمستند والورقة المعلقة على الثلاجة.
ثم بدأت التسجيل من جديد.
وبعد دقائق قليلة غادرت المنزل بصمت قبل أن يلاحظ أحد وجودي.
عبرت الشارع.
وجلست على الرصيف بجوار البقالة.
كانت علبة العصير لا تزال في يدي.
ولم أرتشف منها رشفة واحدة.
اتصلت بوالدتي.
وطلبت منها ألا تسمح لعلي بالخروج لأي سبب.
ثم أرسلت كل ما جمعته إلى المحامية نادية العزاوي.
وخلال الأيام التالية بدأت، بناءً على نصيحتها، بجمع الأدلة والمستندات وكل ما يمكن أن يثبت ما كان يحدث داخل منزلي.
كما تقدمت بطلبات قانونية للحصول على نسخ من الأوراق التي كانا يحاولان استخدامها ضدي.
ولأول مرة منذ شهور شعرت أنني لا أركض خلف الحقيقة.
بل أجمعها.
قطعة بعد قطعة.
إلى أن جاء اليوم الذي اجتمع فيه الجميع.
حاولت سمر المغادرة.
وقالت إنها لا تستطيع المشاركة في أي اجتماع دون تفويض رسمي، وإنها لم تدخل منزلي إلا للمساعدة، وإن حيدر هو من سمح لها بالدخول.
رفعت المحامية نادية العزاوي المفتاح أمام الجميع وقالت
إذن الزوج لا يمنح أحدًا الحق في دخول منزل زوجته من أجل إعداد ملف ضدها أو تلفيق اتهامات لها.
عندها صمتت سمر.
أما حيدر فحاول أن يضحك.
لكنه لم ينجح في إخفاء توتره.
وقال
إسراء تبالغ دائمًا في ردود أفعالها. لهذا السبب احتجنا إلى المساعدة.
شغلت المحامية التسجيل الصوتي.
وسمع الجميع صوته وهو يقول
إذا
ملأت تلك العبارة المكان أكثر مما كان يمكن لأي صراخ أن يملأه.
ثم بدأنا مراجعة