في اللحظة التي رفعت فيها شهادة الماجستير أمام الجميع
وبعد أن هدأت، غسلت وجهي.
وحملت فنجان الشاي الذي لم أنهه.
ثم جلست على الأرض بجوار المكتبة.
وضممت ركبتي إلى صدري كما كنت أفعل وأنا في الحادية عشرة من عمري، حين كنت أختبئ داخل الحمام حتى لا أسمع أمي وهي تشكو من كثرة المصاريف التي أسببها لها.
اهتز هاتفي مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان المتصل سارة.
أختي.
التي ستكمل الخامسة عشرة بعد ثلاثة أيام.
الفتاة التي كنت أرسل المال من أجلها دائمًا، معتقدة أن ذلك سيجعلها على الأقل لا تكرهني لأنني غادرت المنزل.
لم أرغب في الرد.
لم أرغب في سماع صوت آخر تستخدمه أمي كسلاح.
ومع ذلك أجبت.
"السلام عليكم."
لم يكن هناك بكاء في الطرف الآخر.
فقط صوت أنفاس متسارعة.
"مريم؟"
بدا صوتها صغيرًا.
أصغر من المعتاد.
قلت:
"نعم."
قالت:
"أمي غاضبة جدًا."
لم أعلق.
فأكملت:
"تقول إن شهادة الماجستير جعلتكِ متكبرة. وتقول إنكِ ستندمين على ما فعلته."
أغمضت عيني.
ثم سألت:
"وماذا تقولين أنتِ؟"
ساد صمت طويل.
ثم قالت بصوت خافت جدًا:
"كنت أريد الذهاب."
شعرت بشيء غريب ينفتح داخلي.
لم يكن ارتياحًا.
ولم يكن فرحًا كاملًا.
بل وجعًا من نوع مختلف.
"إلى حفل تخرجي؟"
قالت:
"نعم. أخبرت أمي بذلك. لكنها قالت إننا لا نستطيع إضاعة يوم كامل من أجل ذلك، بينما ما زالت هناك أشياء ناقصة لحفل عيد ميلادي."
ذلك.
شهادتي.
واسمي.
وسنوات تعبي.
كلها اختُزلت في كلمة واحدة.
التزمت الصمت.
أما سارة فواصلت الحديث بسرعة أكبر، وكأنها تخشى أن يُنتزع الهاتف من يدها
قالت:
"وهناك شيء آخر... سمعت أمي تتحدث مع أبي أمس. قالت إنه إذا لم ترسلي الألفين ومئة دولار، فسيجعلانك تفهمين بالطريقة الصعبة أنكِ ما زلتِ جزءًا من العائلة."
عقدت حاجبيّ.
"وماذا تقصد؟"
قالت:
"لا أعرف."
ثم سكتت لحظة.
وأضافت:
"لكنها أخذت ملفك الأزرق صباح اليوم."
اعتدلت في جلستي فورًا.
وشعرت بأن نبضات قلبي تسارعت.
"أي ملف أزرق؟"
قالت:
"الملف الذي تركته هنا عندما كنتِ تجمعين أوراق التقديم للماجستير. أخرجته أمي من الخزانة ووضعته في حقيبتها."
تذكرت الملف فورًا.
كنت قد تركت داخله نسخًا من أوراق كثيرة استخدمتها أثناء إجراءات الدراسة والسكن.
نسخ من بطاقة الهوية.
وأوراق جامعية.
وبعض المستندات المالية القديمة.
لم تكن الأصول الأصلية.
لكن وجودها في الأيدي الخطأ كان كافيًا لصنع مشكلات لا أحتاجها.
قلت بسرعة:
"سارة، استمعي إليّ جيدًا."
"نعم."
"لا تخبري أحدًا أنكِ اتصلتِ بي. هل فهمتِ؟"
"نعم."
"ولا توقعي على أي ورقة يعطونكِ إياها. أي ورقة. مهما كانت."
ساد صمت قصير.
ثم قالت:
"مريم..."
"نعم؟"
سألت بصوت مكسور:
"ألم تعودي تحبينني؟"
حطم السؤال شيئًا داخلي بدقة لا يجيدها إلا الأطفال.
قلت فورًا:
"لا تقولي هذا."
ثم أضفت:
"أنا أحبكِ كثيرًا يا سارة. لكن حب الإنسان لشخص ما لا يعني أن يسمح للآخرين باستغلاله إلى الأبد."
لم تجب لثوانٍ.
ثم همست:
"أتمنى لو أستطيع الخروج من هنا أنا أيضًا."
وأغلقت الخط.
ظللت أحدق في الشاشة السوداء للحظات.
وعندها
بل كانت مجرد البداية.
نهضت من مكاني.
وأحضرت حاسوبي المحمول.
ثم بدأت أعمل وكأن أمامي مشروعًا مصيريًا لا يحتمل التأجيل.
اتصلت بالمصرف وأبلغتهم باحتمال وجود محاولة لاستخدام مستنداتي الشخصية دون إذني.
ودخلت إلى حساباتي الإلكترونية وغيّرت جميع كلمات المرور.
وراجعت بياناتي المالية.
وأعددت قائمة بكل ما يمكن أن يكون ما زال موجودًا في منزل والديّ.
ثم أرسلت رسالة إلى إدارة البناية أطلب فيها عدم السماح بدخول أي فرد من عائلتي إلا بعد موافقة صريحة مني.
وأخيرًا، ولأول مرة منذ انتقالي إلى هذه الشقة، اتصلت بالمركز القانوني المجاني الذي كانت إحدى زميلاتي في دراسة الماجستير قد أصرت على أن أحتفظ برقمه.
وقالت لي يومها:
"احتفظي به... فقد تحتاجينه يومًا ما إذا قررت عائلتكِ أن تجعل الأمور أكثر تعقيدًا."
أجابتني محامية شابة بصوت هادئ وحاسم.
شرحت لها ما حدث.
من الرسائل.
إلى البلاغ الكاذب.
إلى المفتاح الذي كانت أمي تحتفظ به.
إلى الملف الأزرق الذي ما زال في منزلهم.
استمعت حتى انتهيت.
ثم قالت:
"أول شيء يجب أن تعرفيه أن وضع الحدود ليس جريمة."
ساد الصمت.
ثم أضافت:
"وثاني شيء، احتفظي بكل الرسائل. كلها."
في الرابعة عصرًا كنت أجلس أمامها في مكتب صغير تتكدس فوق رفوفه الملفات.
راجعت معي كل شيء.
وأرشدتني إلى الخطوات القانونية التي تحميني إذا استمر التحرش أو الترهيب.
وعندما خرجت من المكتب شعرت للمرة الأولى أن الخوف الذي أحمله منذ سنوات بدأ يفقد جزءًا من وزنه.
وفي
مجرد احتياط.
أو هكذا أقنعت نفسي.
لكن عند السادسة واثنتي عشرة دقيقة وصل أول تنبيه.
حركة أمام الباب.
فتحت التطبيق.
كانت أمي.
وخالتي نوال.
وخلفهما سارة.
طرقت أمي الباب بعنف.
وقالت:
"مريم! افتحي الباب."
لم أتحرك.
فواصلت:
"جئنا لنتحدث فقط."
لكنني كنت أعرف أن الأشخاص الذين يريدون الحديث لا يهددون ولا يبلغون الشرطة.
ثم رفعت أمي شيئًا أمام الكاميرا.
الملف الأزرق.
ملفي.
وقالت:
"خذي أوراقكِ وانتهي من هذا الجنون."
لم أفتح الباب.
استخدمت مكبر الصوت الموجود في الكاميرا فقط.
وقلت:
"ضعي الملف أمام الباب وغادري."
ساد صمت قصير.
ثم قالت بغضب:
"هكذا تعاملين أمكِ؟"
للمرة الأولى منذ سنوات لم أشعر بالحاجة إلى الدفاع عن نفسي.
ولا إلى شرح أسبابي.
ولا إلى طلب تفهمها.
قلت فقط:
"ضعي الملف أمام الباب."
بقيت واقفة لعدة ثوانٍ.
ثم ألقت الملف على الأرض.
واستدارت.
أما سارة فبقيت في مكانها لحظة إضافية.
نظرت نحو الكاميرا.
ثم رفعت يدها الصغيرة ملوحة لي بخفة.
قبل أن تلحق بهما.
انتظرت حتى غادر الجميع.
ثم فتحت الباب.
التقطت الملف.
ودخلت.
كانت جميع أوراقي بداخله.
كما هي.
أغلقت الباب.
وأدرت القفل.
ثم جلست على الأرض.
وفتحت الملف صفحة صفحة.
شهادة الميلاد.
الأوراق الجامعية.
العقود.
النسخ القديمة.
كل شيء.
وفي آخر الملف وجدت صورة صغيرة.
كنت أنا وسارة فيها.
هي في السابعة من عمرها.
وأنا في الثانية
تبتسمان للكاميرا.
تذكرت فجأة أن المشكلة لم تكن سارة أبدًا.
ولم تكن حتى الأموال.
المشكلة كانت أنني قضيت سنوات أحاول شراء الحب من أشخاص قرروا مسبقًا أن قيمتي تُقاس بما أقدمه لهم.
أخرجت هاتفي.
وفتحت رسالة جديدة.
ليس لأمي.
بل لسارة.
كتبت:
"أنا أحبكِ دائمًا. وإذا احتجتِ إليّ يومًا فبابي مفتوح لكِ."
ثم أرسلتها.
وبعد دقيقة واحدة فقط وصل الرد.
"وأنا أحبكِ أيضًا."
ابتسمت.
لأول مرة منذ حفل التخرج.
ثم رفعت بصري نحو عباءة الماجستير المعلقة خلف الباب.
قبل أيام كنت أظن أن التخرج هو الإنجاز الأكبر في حياتي.
لكنني أدركت أخيرًا أن الإنجاز الحقيقي لم يكن الحصول على الشهادة.
بل الحصول على نفسي.
وفي تلك الليلة شربت فنجان الشاي الذي برد منذ ساعات.
وكان طعمه أفضل من أي وقت مضى.
لأنه كان أول فنجان أشربه في بيتي...
دون خوف.