بعد وفاة جوزي بالسرطان بتلات شهور بس
المحتويات
رحنا المدرسة.
لكن بعد أقل من ساعتين بس...
موبايلي رن.
وكان مدير المدرسة.
وبحلول ما وصلت المدرسة...
كانت كفوف إيديا كلها عرقانة من التوتر وأنا ماسكة الدريكسيون.
ولقيت مدير المدرسة واقف مستنيني قدام المكتب.
أول ما نزلت من العربية جريت ناحيته.
وقلت بخوف
في إيه؟
مين الناس دي؟
المدير مسح عرقه وقال
الناس جم كلهم مع بعض يا مدام نادية.
ولابسين جاكتات المصنع اللي كان شغال فيه أحمد.
وكانوا بيسألوا على ليلى بالاسم.
وبعدين هز راسه وقال
في الأول السكرتيرة افتكرت إن فيه مشكلة.
وبصراحة؟ أنا كمان خفت. لكن بعد ما عرفوا نفسهم وقدّموا بطاقاتهم، فهمت إن مفيش أي خطر
بصيت له بعدم فهم وقلت
طيب بنتي قاعدة معاهم ليه؟
ساعتها ملامحه اتغيرت شوية.
وقال
لأن أول ما سمعوا اسم أحمد...
ليلى هي اللي طلبت تفضل معاهم.
قلبي دق بعنف.
وقبل ما أسأله أي حاجة تانية...
مد إيده وفتح باب المكتب.
وفي اللحظة اللي بصيت فيها جوه...
حسيت إن نفسي اتسحب مني مرة واحدة.
ليلى كانت واقفة جنب الشباك.
وحاطة إيديها الاتنين على بقها.
أما مريم فكانت قاعدة على كرسي جنبها.
ولابسة الباروكة.
ولأول مرة من وقت ما المرض أخد شعرها...
كانت شبه أي بنت طبيعية في سنها.
أم مريم كانت واقفة وراها.
وماسكة منديل.
وبتعيط.
لكن ده مكانش أكتر شيء صدمني.
لأن في نص المكتب...
فوق مكتب المدير مباشرة...
كان فيه خوذة صفراء قديمة.
خوذة الشغل الخاصة بأحمد.
خوذة جوزي الله يرحمه.
كانت متحطوطة فوق مكتب المدير.
نفس الخوذة الصفراء اللي كان بيرجع بيها من الشغل كل يوم.
حتى اسمه لسه مكتوب على الحافة من جوه.
وأكتر حاجة وجعت قلبي...
إن النجمة البنفسجي اللامعة اللي ليلى كانت لزقاها عليها وهي عندها ست سنين لسه موجودة مكانها.
وقفت مكاني.
ومقدرتش أتكلم.
في اللحظة دي المدير قفل الباب ورايا بهدوء.
وقال
يا مدام نادية... قبل ما الناس دي تشرح سبب وجودها هنا.
في حاجة لازم تعرفيها.
لفيت ناحيته.
فكمل
العيال اللي كانوا بيتريقوا على مريم...
الموضوع مكانش
سكت ثانية.
وبعدين قال
بعد ما ليلى جابت الباروكة.
واحدة من المدرسات سمعت كلام.
فبدأنا نسأل أكتر.
أم مريم كانت واقفة جنب بنتها.
وأول ما سمعت الكلام وشها اتشد.
وقالت وهي بتحاول تمسك دموعها
بنتي بقالها أسبوعين كاملين بتستخبى تاكل في حمام الممرضة وقت الفسحة.
حسيت إن قلبي اتقبض.
وبصيت لمريم.
وقلت بالعافية
يا حبيبتي...
أما ليلى فوشها شحب فجأة.
وقالت وهي مصدومة
أسبوعين؟
أنا مكنتش أعرف.
كنت فاكرة إن اللي حصل يوم العلوم بس.
الغرفة كلها سكتت.
والرجالة الستة كانوا واقفين حوالين المكتب.
كل واحد فيهم لابس جاكت الشغل وحذاء المصنع التقيل.
ورغم حجمهم وهيبتهم...
كان واضح إنهم بيحاولوا يبانوا أهدى وألطف قد ما يقدروا.
ساعتها عم سيد أخد خطوة لقدام.
وبصلي.
وقال
يا نادية...
حطيت إيدي على صدري.
وقلت
إيه اللي جاب خوذة أحمد هنا؟
قبل ما يرد...
راجل تاني قرب منه.
كان اسمه عم مراد.
المشرف القديم بتاع أحمد في المصنع.
مد إيده ناحيتي.
كان ماسك ظرف كبير.
الظرف كان قديم شوية.
ومتقفل بعناية.
وعليه اسمي بخط أنا أقدر أعرفه من وسط ألف خط.
خط أحمد.
في اللحظة دي حسيت إن رجلي ضعفت.
وبصيت للظرف.
وبعدين بصيت للراجل.
وقلت بصوت خارج بالعافية
إيه ده؟
عم مراد بلع ريقه.
وقال
أحمد كان سايبه في لوكره في المصنع.
وقال لو اليوم المناسب جه... هنعرف إمتى نسلمه.
حسيت إن أنفاسي اتلخبطت.
وقلت
اليوم المناسب؟
عم سيد بص لليلى.
وبعدين قال
امبارح مدام تيسير حكتلنا اللي ليلى عملته.
وأول ما عرفنا جينا كلنا ولما عرفنا كمان إن البنت اللي ليلى حاولت تساعدها كانت بتحارب آثار السرطان، افتكرنا صندوق أحمد على طول
لأن دي الحاجة اللي أحمد نفسه كان هيعملها.
بصيت لليلى.
لقيت الدموع مالية عينيها.
وقالت
هما كانوا يعرفوا بابا بجد يا ماما.
ضحكت وأنا بعيط في نفس الوقت.
لأن مجرد سماع اسمه من ناس عاشوا معاه كان كفاية يرجعلي ألف ذكرى مرة واحدة.
ساعتها عم مراد تنحنح.
وقال
أحمد كان بيحكي عنكم طول الوقت.
في كل استراحة.
في كل يوم شغل.
كنا عارفين جزمة الكورة الجديدة بتاعة ليلى.
وعارفين فطاير التوت اللي كنتي بتعمليها.
وعارفين إنك دايمًا كنتي بتحطي له أكل زيادة.
عشان لو واحد مننا احتاج سندوتش.
في اللحظة دي ضحكة صغيرة طلعت مني غصب عني.
لأن دي فعلًا كانت من حركات أحمد.
عمره ما عرف ياكل لوحده وفي حد جنبه جعان.
لكن عم مراد كمل كلامه.
وصوته اتغير.
وقال
ولما أحمد مرض.
عمل حاجة عمرنا ما نسيناها.
كل الموجودين بصوا له.
فكمل
حط برطمان صغير في أوضة الاستراحة.
وقال إن في عائلات كتير السرطان بيسحقها.
وإن لو هو بيمر بالوجع ده...
أكيد في غيره بيمر بنفس الوجع.
سكت لحظة.
وبعدين ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
وسمى البرطمان...
صندوق كمل طريقك.
أم مريم كانت لسه ماسكة المنديل.
ومريم قاعدة على الكرسي وهي بتحسس على الباروكة كأنها مش مصدقة إنها بقت بتاعتها فعلًا.
أما عم مراد فمد إيده وحط الشيك فوق المكتب.
وقال
أم مريم.
الصندوق أخيرًا لقى المكان اللي أحمد كان عامله عشانه.
أم مريم بصت للشيك.
وبعدين هزت راسها بسرعة.
وقالت
لا.
لا والله مينفعش.
أنا مقدرش آخد الفلوس دي.
لكن قبل ما أي حد يرد...
أنا اللي اتكلمت.
وقلت
لا تقدري.
كل العيون اتلفتت ناحيتي.
فكملت
تقدري تاخديها.
لأن لو أحمد هو اللي بدأ الصندوق ده...
يبقى بدأه عشان عائلات زي عيلتكم بالضبط.
أول ما سمعت كلامي دموعها نزلت أكتر.
وحطت إيديها على وشها وهي بتحاول تتمالك نفسها.
أما أنا فلفيت ناحية المدير.
وقلت
ولو المدرسة كانت عارفة إن بنت صغيرة بتستخبى تاكل في حمام الممرضة بقالها أسبوعين...
يبقى القصة مش المفروض تخلص هنا.
المدير نزل عينه في الأرض.
ومقالش حاجة.
أما مريم فكانت لسه بتحسس على طرف الباروكة جنب ودنها.
وكأنها خايفة تختفي لو شالت إيديها.
ساعتها ليلى ابتسمت لها.
وقالت بهدوء
مختلفة مش معناها وحشة.
مريم بصتلها.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت المكتب...
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة.
بس كانت حقيقية.
بعدها ليلى بصت للرجالة اللي كانوا شغالين مع أبوها.
وقالت
إنتوا جيتوا هنا عشان أنا قصيت شعري؟
عم سيد مسح عينه بسرعة.
وكأنه مش عايز حد يلاحظ إنه متأثر.
وقال
لا يا بنتي.
إحنا جينا عشان أول ما عرفنا اللي عملتيه...
كلنا قولنا نفس الجملة.
وسكت لحظة.
وبعدين بصلي.
وبص لليلى.
وقال
دي بنت أحمد فعلًا.
ساعتها مديت إيدي للظرف.
ومسكته بإيديا الاتنين.
وقلت بصوت مهزوز
أنا مش هقدر أقرأ ده قدام الناس.
عم مراد هز راسه بتفهم.
وقال
ولا مطلوب منك.
اقريه براحتك بعدين.
وبعدين طلع ورقة مطوية من جيبه.
وقال
بس في حاجة أحمد سايبها معايا أنا كمان.
الغرفة كلها سكتت.
وهو فتح الورقة بهدوء.
وبدأ يقرأ.
لو في يوم بناتي نسوا أنا كنت بحاول أبقى راجل عامل إزاي...
فكرّوهم بالطريقة اللي هتقفوا بيها جنبهم.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض.
لكن عم مراد كمل.
ليلى دايمًا هتمشي ورا قلبها.
ونادية هتعمل نفسها قوية.
وهتشيل فوق طاقتها لوحدها.
فلو تقدروا...
متسيبوش واحدة فيهم لوحدها.
في اللحظة دي حطيت إيدي على بقي.
ومقدرتش أتمالك دموعي.
كأن أحمد واقف في الأوضة بنفسه.
وكأنه لسه شايفنا.
وعارفنا.
وحافظ كل تفاصيلنا.
أم مريم سابت مكانها.
وجت ناحيتي.
وبعدين قعدت على ركبتيها جنبي.
وقالت بهدوء
أنا اسمي جيهان.
وبجد...
مش عارفة أشكرك إزاي.
ولا أشكر بنتك إزاي.
بلعت ريقي بالعافية.
وقلت
إحنا كمان حاربنا السرطان.
ليلى شافت كل حاجة.
شافت أبوها وهو بيتعب يوم بعد يوم.
وعارفة المرض ده بياخد من الناس إيه.
أول ما سمعت كلامي...
ملامح جيهان انهارت.
وكأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية طول الوقت.
أما ليلى فاحمر وشها من الكسوف.
وقالت بسرعة
أنا معملتش حاجة كبيرة.
أنا بس...
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
مكنتش عايزة مريم تفضل مستخبية في الحمام وقت الفسحة.
مريم بصتلها.
وقالت فورًا
أنا بكره الحمام ده.
ليلى هزت راسها.
وقالت
عارفة.
وفي اللحظة دي...
الرجالة اللي كانوا شغالين مع أحمد بدأوا يتكلموا كلهم مرة واحدة.
واحد يحكي موقف.
والتاني يفتكر موقف تاني.
واحد قال
أحمد كان دايمًا ياخد
وواحد تاني قال
وكان محتفظ برسومات ليلى كلها جوه لوكره.
وثالث ضحك وقال
وأكتر حاجة كانت تضحكنا إنه كان يجيب الحلويات اللي نادية عاملاها في البيت...
ويقعد يقول للناس إنه هو اللي عاملها بإيده.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت
أحمد؟
أحمد لو دخل المطبخ
متابعة القراءة