بعد وفاة جوزي بالسرطان بتلات شهور بس

لمحة نيوز

لوحده كان ممكن يحرق البيت كله.
الرجالة ضحكوا مرة واحدة.
وعم مراد قال
إحنا كنا عارفين.
بس احترمنا الكدبة.
الضحك ملأ الأوضة لثواني.
الضحك اللي بييجي بعد وجع طويل.
ساعتها ليلى بصت لهم.
وقالت
هو بابا كان بيتكلم عني كتير؟
عم سيد رد من غير ما يستنى حد.
وقال
كل يوم.
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وبعدين سألت
حتى بعد ما مرض؟
الراجل هز راسه.
وقال
خصوصًا بعد ما مرض.
في اللحظة دي عيون ليلى لمعت بالدموع.
أما مريم فمدت إيديها بهدوء.
ومسكت إيد ليلى.
وساعتها حصل إحساس غريب جوايا.
إحساس معرفتش أوصفه.
من يوم جنازة أحمد وأنا حاسة إن الحزن عامل زي أوضة مقفولة علينا.
أوضة مالهاش شبابيك.
ولا أبواب.
ولا أي مخرج.
لكن لأول مرة من يوم وفاته...
حسيت إن الباب اتفتح سنة صغيرة.
وإن الهوا بدأ يدخل من جديد.
مسحت دموعي.
وأخدت نفس عميق.
وقلت
خلاص.
بس في حاجة مهمة.
ليلى بصتلي باستغراب.
فكملت
إحنا مش هنحول ليلى لتميمة المدرسة الرسمية للطيبة.
المدير ابتسم رغم التوتر.
لكن أنا لفيت ناحيته فورًا.
وقلت
وفي نفس الوقت...
المدرسة دي مش هتعيط عشر دقايق جوه المكتب وتنسى الموضوع.
مريم خفت من السرطان.
بس ده ميمنعش إن اللي حصلها وجعها.
والعيال اللي عملوا كده لازم يتحاسبوا.
وكل طفل في المدرسة لازم يفهم إن اللي حصل لمريم مش حاجة عادية.
المدير فرد ضهره.
وقال بجدية
إحنا بالفعل بدأنا
الإجراءات.
أهالي الطلبة في الطريق.
والأولاد متوقفين عن كل الأنشطة لحد ما التحقيق يخلص.
وكمان هنبدأ برنامج توعية أكبر للمدرسة كلها.
هزيت راسي.
وقلت
كويس.
وبعدين بصيت لأم مريم.
وقلت
ولو مفيش عندك مانع...
الصندوق يفضل باسم أحمد.
جيهان حطت المنديل على بؤها.
وهزت راسها وهي بتعيط.
وقالت
ده شرف لينا.
ساعتها ليلى بصتلي.
وفجأة قالت
إنتِ بتتكلمي زي بابا.
الكلمات خبطت في قلبي مباشرة.
لدرجة إني معرفتش أرد.
ولا أقول أي حاجة.
بس فضلت باصة لها.
وأحاول أبلع الدموع اللي رجعت تاني.
وبعد شوية خرجت للممر.
والظرف لسه في إيدي.
ساعتها فتحت ظرف أحمد.
ساعتها فتحت ظرف أحمد.
وطلعت الورقة اللي كانت جواه.
أول ما شفت خطه...
حسيت إن نفسي اتقطع.
كأن تلات شهور اختفوا فجأة.
وكأنه لسه موجود.
ولسه هيفتح الباب ويرجع البيت في أي لحظة.
بصيت للكلمات.
وبدأت أقرأ.
يا نادية...
لو بتقري الرسالة دي...
يبقى واحد من الرجالة وفّى بوعد كان قاطعهولي.
الدموع بدأت تنزل قبل ما أكمل.
لكن كملت.
أنا عارفك.
أكيد لحد دلوقتي شايلة فوق طاقتك.
وأكيد بتقولي لكل الناس إنك كويسة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأن دي فعلًا كانت الحقيقة.
فكمل أحمد
إنتِ كنتي الشجاعة فينا من قبل ما أمرض أصلًا.
ولو ليلى عملت في يوم حاجة فتحت قلبك بالطريقة الحلوة...
متقفليهوش تاني بسبب الخوف.
سكت لحظة وأنا بقرأ.
وحسيت إن الكلمات
بتدخل جوايا مباشرة.
وبعدين وصلت لآخر سطر.
سيبي الناس تحبك.
أحمد.
قفلت الرسالة ببطء.
وضميتها على صدري.
وفضلت واقفة كام ثانية.
أحاول أستوعب إن الراجل اللي مات من تلات شهور...
لسه قادر يواسيني.
ولسه قادر يقولي الكلام اللي محتاجة أسمعه.
لما رفعت راسي أخيرًا...
لقيت جيهان واقفة بره عند الرصيف.
ومريم جنبها.
إيدها محطوطة بين كتفي بنتها.
كأنها خايفة تشيلها للحظة فتختفي منها.
ساعتها مشيت ناحيتهم.
ووقفت قدامهم.
وقلت ببساطة
العشا عندنا النهارده.
جيهان رمشت باستغراب.
وقالت
إيه؟
قلت
هتيجوا عندنا.
وبعدين بصيت لمريم.
وقلت
ومفيش أي اعتراضات.
أنا عندي خبرة كبيرة جدًا في إقناع الناس اللي بيقولوا إنهم مش جعانين ياكلوا.
اتعلمت ده كويس أوي.
في اللحظة دي عيون جيهان اتمليت بالدموع من جديد.
وقالت
يا نادية...
قاطعتها وأنا بابتسم.
وقلت
أنا بتكلم بجد.
مريم بصت لليلى.
وبعدين سألتها بحماس خجول
هو ينفع آجي أتعشى عندكم أنا كمان؟
قدام المدرسة، ليلى ابتسمت لمريم ابتسامة صغيرة وقالت
بس بشرط.
مريم رفعت حاجبها وقالت
إيه هو؟
ليلى ضحكت وقالت
ما تستخبيش في الحمام وقت الفسحة تاني.
مريم بصتلها ثواني.
وبعدين ابتسمت لأول مرة من غير خوف.
وقالت
وأنتِ كمان ما تمسكيش مقص وتقربي من شعرك من غير رقابة.
ليلى ضحكت.
وقالت
اتفقنا.
أم مريم ضحكت وسط دموعها.
وأنا ضحكت أنا كمان.
وفي
اللحظة دي حسيت إن حاجة كانت مربوطة جوه صدرنا كلنا بدأت تفك أخيرًا.
في طريق الرجوع للبيت، ليلى كانت قاعدة جنبي في العربية وحاطة خوذة أبوها أحمد القديمة على رجليها وكأنها كنز.
كانت كل شوية تمرر صوابعها على النجمة البنفسجي الصغيرة اللي كانت لزقتها عليها وهي طفلة.
وفجأة بصتلي وقالت
ماما؟
نعم يا حبيبتي؟
سكتت ثانية.
وبعدين قالت
هو بابا كان هيعيط لو شاف اللي حصل النهارده؟
ضحكت وسط الدموع اللي رجعت تملى عيني.
وقلت
أكيد.
أكيد كان هيعيط.
وسكت شوية.
وبعدين كملت
وبعدها كان هيقعد ينكر إنه عيط أصلًا.
ليلى ضحكت.
وأنا ضحكت معاها.
وبصيت للطريق قدامي.
لأول مرة من يوم ما أحمد مات.
حسيت إن الوجع لسه موجود.
بس ما بقاش خانق زي الأول.
لأن أحمد ما رجعش.
ومافيش حاجة في الدنيا كانت هترجعه.
لكن في اليوم ده...
بسبب بنتنا...
حسيت إن أثره لسه عايش.
في قلبها.
وفي الناس اللي حبوه.
وفي أم مريضة كانت فاكرة إنها لوحدها.
وفي طفلة اسمها مريم بطلت تخاف ترفع راسها.
وفي ستة رجالة قطعوا مشوار طويل علشان ينفذوا وعد قديم لصاحب عمرهم.
وفي رسالة اتكتبت من شهور طويلة...
ووصلت في الوقت اللي كنا محتاجينها فيه بالضبط.
لما وصلنا البيت، ليلى نزلت من العربية وهي شايلة الخوذة بإيديها.
وقبل ما تدخل البيت وقفت فجأة.
وبصت للسما.
وقالت بهدوء
وحشتني يا بابا.
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها
كسرتني.
لأنها كانت أول مرة تقولها بصوت عالي من يوم وفاته.
مشيت ناحيتها.
وحطيت إيدي على كتفها.
فبصتلي.
وبعدين مسكت إيدي.
ودخلنا البيت سوا.
وأول مرة من شهور طويلة ما حسيتش إننا راجعين البيت لوحدنا.

تم نسخ الرابط