خذي هذا يا أميرة، قالت لي حماتي أم أحمد
الداخل.
أدليت بكل شيء. المال. المطار. الحفلة. البالونات البيضاء. الملف الأزرق. التوقيع المزور. بوليسة التأمين. خطة الطريق السريع. شهادة الوفاة. الملاحظة. كل كلمة تحدثت بها نزعت قطعة من العار الذي لم يكن ملكي لأحمله أبداً. لأن هذا ما يفعله الخونة يغطونك بالتراب ثم يتوقعون منك أن تذهب وتختبئ. وأنا لم أختبئ.
عند الفجر، وضع مصطفى وثيقة أخرى أمام المحقق وقال المنزل مشترك بين أميرة وأحمد. نحن نطلب تجميداً وقائياً لجميع المعاملات. ونطلب أيضاً مراجعة فورية لجميع الوكالات والتواقيع.
نظرت إليه وقلت هل يمكن أن يكونوا قد استخدموا توكيلاً؟
قال مع هؤلاء الناس يا أختي، علينا أن نفحص حتى مناديل العشاء. وكان على حق.
بعد يومين، أكد خبير تزوير الخطوط أن توقيعي قد تم تزويره. وبعد ثلاثة أيام، كشفت ذاكرة التخزين عن رسائل بريد إلكتروني بين أم أحمد، ومحامٍ فاسد، وعادل. وبعد أسبوع، سلمت صفاء تسجيلات صوتية يتحدث فيها أحمد عن الحادث كأنه يخطط لحفلة عشاء اجعل الأمر يبدو وكأنها أخذت المنحنى بسرعة كبيرة، ولا داعي لاستعادة الجثة، وتأكد من أن شركة التأمين لا تسبب مشاكل.
استمعت إلى تلك التسجيلات مرة واحدة فقط، ولم أكن بحاجة لسماعها مجدداً. يموت الحب بطرق عديدة، ومات حبي عندما سمعت زوجي يحسب موتي بالنبرة نفسها التي كان يطلب بها الطعام في أيام الأحد.
حاولت أم أحمد رؤيتي فرفضت. أرسلت رسائل فأعدتها. أرسلت قريباً ليخبرني أن الأمر كله كان سوء تفاهم عائلي فظيع، فأجبت بجملة واحدة حالات سوء التفاهم لا تأتي مرفقة بشهادة وفاة.
طلب أحمد رؤيتي، فوافقت على ذلك مرة واحدة بحضور محاميّ. أحضروه مكبل اليدين، وبدا أكثر نحافة. وبدون ثوبه الأبيض الناصع، وبدون شراب الفرح، وبدون والدته التي تنظم العالم لصالحه، بدا مجرد رجل عادي ومثير للشفقة. وجعلني ذلك أكثر غضباً، لأن الوحوش يجب أن تبدو كالوحوش، وليس كشخص شاركته الفراش لخمس سنوات.
قال لي أميرة، لم
نظرت إليه وقلت إلى أي حد كنت تريد أن يصل؟ إلى النار، أم إلى الدم فقط؟
خفض رأسه وقال ضغطت عليّ أمي.
قلت والدتك لم تكتب الملاحظة. فلم يجب. وقلت والدتك لم تقبل صفاء في غرفة استقبالي. فضغط على فكه وقال كنت يائساً. قلت لا، كنت مستريحاً لاعتقادك بأنني أساوي بالنسبة لك ميّتة أكثر مما أساوي مطلقة.
امتصت عيناه الدموع، ولم تعد تحركني، ليس بعد الآن. سألته هل أحببتني حقاً يوماً ما؟ فبكى وقال نعم. فهززت رأسي وقلت إذن لديك خيال فظيع عندما يتعلق الأمر بحب شخص ما.
وقفت وقلت لا تطلب رؤيتي مجدداً أبداً، لقاؤنا القادم سيكون في المحكمة. ومشيت خارجاً دون أن أنظر إلى الوراء.
توالت الأشهر التالية ببطء. العدالة لا تركض كما تفعل في الأفلام، بل تمشي ببطء، مثقلة بالأختام، والنسخ، والملفات، والتأجيلات، والممرات المزدحمة، والموظفين المرهقين، والمحامين الذين يحملون ملفات القضايا وكأنها قطع طابوق. لكنها مشت.
حاول محامي أم أحمد الدفع بأنني قبلت المال كتسوية انفصال، فقام مصطفى بتشغيل تسجيل الفيديو الخاص بالحديقة. وادعى محامي أحمد أن بوليسة التأمين على الحياة هي إجراء قياسي للأزواج، فقدم محاميّ الملاحظة المكتوبة بخط اليد عن جثتي. وحاولوا تصويري على أنني غير مستقرة نفسياً، فقدمت سجلاتي الطبية، ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل، والبيانات المصرفية، والرسائل النصية، وتأكيد إلغاء رحلتي، وكل صورة التقطتها داخل المكتب. وحاولوا أن يجعلوني أبدو كزوجة مجنونة وغيورة، فجعلتهم يبدون تماماً كما هم أشخاص خططوا لمستقبلهم بالكامل بناءً على اختفائي.
أدلت صفاء بشهادتها، ولم أسامحها أبداً، لكن شهادتها كانت المسمار الأخير في نعشهم. شهدت بأن أم أحمد اختارت البالونات البيضاء لأن الاحتفال النظيف والأنيق يبدو أقل إثارة للشبهات. وشهدت بأن أحمد كان يخطط لبيع أجزاء من الشركة بعد تحصيل أموال التأمين على الحياة.
بكت صفاء كثيراً على منصة الشهود، وأنا لم أبكِ، ليس أمامها. بكيت في شقتي المؤقتة، عندما خلعت حذائي ونظرت إلى باطن قدمي الذي لا يزال يحمل ندوباً من ذلك الركض حافية القدمين على الأسفلت. بكيت عندما سمعت أغنية رومانسية، وبكيت عندما مررت بوكالة سفر، وبكيت كلما ذكر أحد السفر. ولكن في كل مرة كنت أبكي فيها، كنت أشعر بأنني أخف قليلاً.
ظل البيت مغلقاً خلال الإجراءات القانونية، ولم أنم هناك مجدداً أبداً. وعندما مُنحت الإذن أخيراً لاستعادة ممتلكاتي، ذهبت مع مصطفى، وضابطي شرطة، وصانع أقفال.
كانت البالونات البيضاء قد أفرغت من الهواء ودُفعت في كيس قمامة. وجف شراب الفرح لزجاً على أسطح الرخام، وكانت رائحة غرفة الاستقبال قديمة وركدة.
صعدت إلى غرفة نومي. كانت ملابسي لا تزال معلقة في الخزانة، وعطري على طاولة الزينة، وقرط على الطاولة الجانبية للسرير. حياة كاملة تنتظر امرأة لم تعد موجودة.
حزمت أشياء قليلة فقط في حقيبة. جواز سفري، وسترة خضراء، وصور والدي، وكوب القهوة الأزرق الذي أعطتني إياه أمي عندما تزوجت، وهي تخبرني لكي لا تنسي أبداً أن تشربي شيئاً دافئاً عندما يصبح العالم بارداً.
في المكتب، وجدت اللوحة معلقة بشكل مائل، وكانت الخزنة فارغة. حدقت فيها، فهناك كان أحمد قد حفظ موتي وكأنه معاملة ورقية قياسية. تركت ورقة واحدة بالداخل، بيضاء فارغة.
سألني مصطفى ما هذا؟
قلت استقالتي.
قال من ماذا؟
قلت
من الاضطرار إلى شرح لماذا أستحق العيش.
لم يفهم في البداية، ثم احتضنني.
بعد عام، وُجهت لأحمد رسمياً تهم جنائية متعددة، ولأم أحمد أيضاً. وعقد عادل صفقة لتقديم شهادته، والمحامي الذي صاغ الوثائق المزيفة خسر ما هو أكثر بكثير من مجرد رخصته.
تم بيع البيت، ولم أهتم، فلم أكن أريد أبداً العيش في منزل استمع إلى نخب يحتفل بغيابي.
بحصتي من المال، اشتريت شقة صغيرة في وسط المدينة، بها
صنعت القهوة، وفتحت باب الشرفة، فاندفع هواء الصباح قويّاً ومنعشاً. وللمرة الأولى منذ وقت طويل جداً، أخذت نفساً عميقاً دون أن أطلب إذناً من أحد.
بعد أشهر، أخذني مصطفى إلى المطار. هذه المرة، كنت أحمل تذكرة حقيقية. مدريد، باريس، روما. ليس للاختفاء، بل للظهور.
في طابور تسجيل الوصول، نظر إلي أخي والقلق في عينيه وقال هل أنتِ متأكدة من أنكِ بخير في الذهاب بمفردكِ؟
فابتسمت وقلت لم أكن يوماً أقل وحدة.
فاحتنقني وقال أرسلي لي موقعكِ كل يوم.
قلت متحكم.
قال لقد نجوتِ من محاولة قتل، لقد كسبت الحق في أن أكون متحكماً. فضحكت.
بعد أن مررت عبر الأمن، نظرت إلى الوراء. كان مصطفى لا يزال واقفاً هناك، يلوح بيده. فكرت في أم أحمد وهي تعانقني في هذه الصالة بالذات، وتتوسل إلي ألا أعود لمدة ثلاثة أسابيع. وفكرت في المظروف الذي يحتوي على 15 ألف. وفكرت في التوقيع المزور، والشهادة، والملاحظة، والسيارة التي لم تحترق أبداً.
وفهمت شيئاً واحداً بوضوح تام. لم يرسلوني للسفر لأستريح، بل أرسلوني بعيداً ليمحوني. لكن المرأة التي تعود مبكراً يمكنها تدمير خطة رئيسية كاملة.
صعدت إلى الطائرة. ومع إقلاعها، شاهدت أضواء المدينة تصبح صغيرة تحت سماء الليل. لم أشعر بالخوف؛ شعرت بالغضب، نعم، وبالحزن أيضاً. ولكن تحت كل ذلك، كان هناك شيء جديد تماماً، شيء ملكي بالكامل، شيء لا يمكن أن يتسع له أي مظروف، أو بوليسة تأمين، أو وثيقة مزورة. الحرية.
ظن أحمد أن اختفائي يمكن التوقيع عليه، وظنت أم أحمد أن حياتي يمكن شراؤها، وظنت صفاء أن مكاني يمكن ببساطة وراثته. وثلاثتهم كانوا على خطأ فادح.
لأنني لم أختفِ، بل عدت. وعندما تعود امرأة لتنقذ حياتها الخاصة، فلا يوجد منزل، ولا اسم عائلة، ولا عائلة