عمري ما هنسى اللحظة اللي بنتي بصتلي فيها

لمحة نيوز

بالعافية، وقالت بصوت ضعيف
ماما... ممكن أشرب مية؟
ناولتها الكوباية بإيدي.
شربت شوية، وبعدين بصتلي وقالت
ستي زعلانة مني؟
حسيت قلبي بيتقطع.
قولتلها وأنا بحاول أخبي دموعي
ستي مش هتشوفك تاني دلوقتي يا حبيبتي.
وقالت بمنتهى البراءة
عشان أنا ما خلصتش رغيف العيش؟
ساعتها...
انهرت.
لكن عيطت وأنا مديالها ضهري.
رفضت تشوف دموعي.
رفضت تحس إنها مسؤولة تواسيني، بعد كل اللي شافته.
أول ما الصبح طلع، أخدتها وروحنا المستشفى.
كانت لابسة الجاكيت بتاعي لأنه كان أكبر حاجة تدفيها.
والشراب اللي لبستهولها كان متلبس بسرعة من كتر ارتباكي.
دخلنا على دكتورة الأطفال.
مسكت إيديها الصغيرة.
ولمست أطراف صوابعها اللي كانت لسه ساقعة.
وبصت لشفايفها المشققة.
وللجلد اللي حوالين رجليها.
ووزنتها.
وبعدين رفعت عينيها وسألتني
قعدت قد إيه في البلكونة؟
ساعتها...
ما عرفتش أرد.
لأن الحقيقة إني...
ما كنتش أعرف.
ودي كانت أكتر حاجة كسرتني.
وأنا فاكرة إني بسافر وأتعب عشان أبني مستقبل بنتي...
كانت بنتي بتتعلم يعني إيه الجوع...
ويعني إيه تستنى حد يفتكر إنها لسه طفلة.
بعد شوية، الدكتورة كتبت التقرير.
انخفاض في حرارة الجسم.
جفاف.
علامات إهمال واضحة.
وحالة نفسية متأثرة.
وبعدين دخلت الأخصائية الاجتماعية، وقعدت جنب ليان بهدوء.
وقالتلها بابتسامة
يا حبيبتي... مين اللي حطك في البلكونة؟
ليان بصتلي الأول...
وبعدين قالت بصوت واطي
ستي... وبابا قال عشان ماما تتعلم.
قفلت عيني.
أيوه...
أنا اتعلمت.
اتعلمت إن الإنسان ممكن ينام جنبك سنين...
وياكل من تعبك...
ويحلف إنه بيحبك...
وفي نفس الوقت، يكون بيجهز ورقة، وخطة، وشهود... عشان ياخد منك أغلى حاجة في حياتك.
بعدها على طول، رحت أنا والمحامية على مركز حماية الأسرة.
عمري ما تخيلت إني هدخل المكان ده.
أنا
اللي طول عمري بعرف أقف قدام أكبر المديرين، وأناقشهم، وأدافع عن شغلي بكل قوة...

دخلته يومها وأنا حاسة إن نفسي مخنوق، وكأني طفلة تايهة.
المحامية كانت ماشية جنبي، شايلة الملف، وكل شوية تبصلي وتقول
اثبتي... حقك هيرجع.
قدمنا كل حاجة.
الفيديوهات.
الصور.
والتقرير الطبي.
وحكيت كل اللي حصل.
واتعمل محضر بكل الاتهامات.
تعريض طفلة للخطر.
إهمال.
إساءة معاملة.
تهديد.
واستغلال مالي.
وأي حاجة هيثبتها التحقيق بعد كده.
الجملة دي فضلت ترن في وداني...
وأي حاجة هيثبتها التحقيق.
لأن اللي اتكشف بعد كده، كان أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
النيابة طلبت تتحفظ على كل الفيديوهات.
وأصدرت قرار يمنع أحمد، وحماتي، وسارة، وأي حد كان معاهم، إنه يقرب مني أو من ليان.
وكمان بدأت إجراءات حماية خاصة لبنتي.
لما المحامية قالتلي
ليان هتفضل في حضانتك مؤقتًا لحد انتهاء التحقيق.
حسيت إني أخدت أول نفس براحتي من ساعة الليلة دي.
ابتسمتلي وقالت
إنتِ أمها... وإنتِ الوحيدة اللي خرجت بيها من البيت عشان تنقذيها.
وقت الظهر، أحمد بدأ يتصل.
مرة...
واتنين...
وعشرة.
ولا رديت.
وبعدها الرسائل بدأت تنزل.
أمي دخلت المستشفى بسببك.
مينفعش تسيبي ليان في فندق.
إنتِ خطفتي بنتي.
ارجعي... وإلا هتندمي.
كنت هرد.
لكن المحامية سحبت الموبايل من إيدي وقالت بحزم
من النهارده... كل حاجة بينكم تبقى رسايل وبس... سيبيه يكتب كل اللي عنده.
هزيت راسي.
لأن كل كلمة كان بيكتبها...
كانت بتتحول لدليل جديد ضده.
وفي العصر، رجعنا الشقة.
بس المرة دي...
ما رجعتش لوحدي.
كان معايا أمر رسمي...
ورجال الشرطة.
أول ما دخلت...
حسيت إن البيت بقى غريب.
السفرة لسه مكانها.
الأطباق متوسخة.
الأكل بايت.
الكوبايات مرمية زي ما هي.
ولا حد كلف نفسه حتى ينضف المكان.
وبين كل الفوضى دي...
وقعت
عيني على حاجة خلت دموعي تنزل من غير ما أحس.

رغيف العيش اليابس...
اللي كانت ليان بتحاول تاكله.
كان مرمي في سلة الزبالة.
نشف أكتر...
وبقى حجر.
مديت إيدي وطلعته بحرص، وحطيته في كيس شفاف.
مش عشان أحتفظ بيه...
لكن عشان يبقى شاهد...
وأنا لسه واقفة في أوضة النوم، حسيت إن البيت كله بقى غريب.
ريحة الأكل البايت كانت مالية المكان.
هدومي مرمية فوق السرير.
والدولاب متقلب كأن حد فتشه حتة حتة.
قربت بسرعة...
ولقيت إن أحمد أخد كل حاجة ليها قيمة.
الدهب.
جواز السفر.
بطاقات البنك.
وحتى الملف الأزرق...
الملف اللي كنت حافظة فيه كل ورقة تثبت حقي.
ضحكت بوجع.
واضح إنه كان فاكر إنه خد كل حاجة.
بس ربنا كان مخبيلي الدليل اللي هيقضي عليهم.
وأنا بفتح الدولاب، لمحت هارد خارجي مرمي ورا علب الجزم.
عرفته من أول نظرة.
كان بتاع أحمد.
دايمًا يقول عليه إنه شغل.
وصلناه على اللابتوب قدام رجال الشرطة.
وفجأة...
بدأت الملفات تظهر.
ملف اسمه
الحضانة.
والتاني
مريم المهملة.
والتالت
المصاريف.
وبعدين
الشقة.
وأخيرًا...
ملف باسم حماتي.
فتحناه.
ولقيت كشوفات البنك.
كل التحويلات اللي كنت ببعتها كل شهر.
فلوس كنت فاكرة إنها بتتصرف على ليان.
لكن الحقيقة...
ولا جنيه منها كان بيروح لبنتي.
كانوا بيدفعوا بيها جلسات تجميل.
وعزايم.
وهدوم لسارة.
وسفريات.
وتحويلات لحساب أحمد.
أما بنتي...
فكان نصيبها رغيف عيش ناشف.
والوجع.
وإحساس إنها مش مرغوب فيها.
فضلت أبص في الشاشة وأنا مش مستوعبة.
أنا كنت باشتغل ليل ونهار...
وهم كانوا بيصرفوا تعبي على نفسهم...
ويجوعوا ضنايا.
لكن الصدمة الأكبر...
كانت لسه مستخبية.
فتحنا ملف التأمين.
ولقيت إن أحمد غير بيانات الوثيقة من ورايا.
ولو حصلي أي حاجة...
يبقى هو المسؤول عن فلوسي.
..

وليان.
ولو هو حصله حاجة...
حماتي هي اللي تاخد كل الصلاحيات.
نفس الست...
اللي سابت بنتي ترتعش في البلكونة...
وتتصور وهي جعانة.
وقعت على الأرض.
حاسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
المحامية جريت عليا، وقعدت قدامي، ومسكت وشي بين إيديها وقالت
بصيلي يا مريم... كل اللي لقيناه ده في صالحنا.
ضحكت ضحكة طالعة من قلب مكسور.
وقولتلها
في صالحنا؟
قالت بثقة
أيوه... لأن النهارده بقى مش كلامك قصاد كلامهم... النهارده بقينا قدام خطة كاملة، وهم اللي كتبوها بإيديهم.
بعد يومين...
وقفنا في المحكمة.
أحمد داخل ببدلة شيك.
حالق دقنه.
ومسرح شعره.
كأنه داخل اجتماع شغل.
أما حماتي...
فكانت لابسة إسدال أسود، وماسكة السبحة في إيديها، وعاملة نفسها المظلومة.
وسارة ماشية لابسة نضارة سودا، ومش راضية تبص ناحية حد.
أما ليان...
فالحمد لله ما دخلتش القاعة.
الأخصائية النفسية خدت أقوالها في أوضة لوحدها.
وده كان أرحم بكتير.
بدأ أحمد يتكلم.
قال إني أم مهملة.
وإني طول الوقت برا البيت.
وإن بنتي كانت بتعيط عشان وحشاها أمها.
وإن أمه كانت بس بتحاول تربيها.
وإن أنا سيبته وقت ما كان محتاجني.
وبعدين...
طلع الصور.
صور ليان وهي قاعدة في البلكونة.
صورها وهي ماسكة رغيف العيش.
وصورها وهي بتعيط.
نفس الصور...
اللي كانوا فاكرين إنها هتدمرني...
وأنا قاعدة في المحكمة، كان نفسي أقف وأصرخ.
أقول للقاضي إن الراجل ده كذاب.
إن كل كلمة بيقولها متجهزة من شهور.
لكن المحامية لمست إيدي من تحت الترابيزة، وقالتلي بعينيها
استني.
استنيت.
أحمد خلص كلامه.
وكان واثق إنه كسب.
ساعتها المحامية قامت، وقالت بكل هدوء
يا فندم... قبل ما المحكمة تصدر أي قرار، أتمنى تشوف الفيديو ده.
شغلت الفيديو.
أحداشر دقيقة بس.
ولا أكتر.
لكن الأحداشر دقيقة دول كانوا كفاية يهدموا كل
الكدب اللي أحمد بناه.

الصوت اشتغل.
وحماتي قالت بنفس البرود اللي عمره ما هيفارق وداني
سيبوها شوية كمان... كل ما جسمها يبان هزيل في الصور، المحكمة هتصدق إن أمها مهملة، وساعتها هناخد البنت... والفلوس كلها هتبقى لينا.
بعدها ظهر أحمد.
وهو بيقول بكل ثقة
أنا هبقى المسؤول عن فلوس البنت بعد الحضانة.
وبعدين ظهر صوت سارة
أسيبها تعيط شوية كمان؟ الصور هتبقى أصدق.
ساعتها...
أول مرة أشوف وش أحمد وهو بيتكسر قدام الناس.
ولأول مرة...
القاضي بصلهم مش على إنهم أهل...
لكن على إنهم متهمين.
القاضي سكت شوية...
وبعدين نطق بالقرار.
ليان تفضل معايا.
وأحمد يتمنع مؤقتًا من يشوفها لحد ما يتعمله تقييم نفسي.
وأوامر حماية ليا ولبنتي.
وكل أوراقي ترجعلي فورًا.
وأي تصرف في الشقة أو الحسابات يتوقف لحد انتهاء القضية.
وكمان...
فحص شامل لحالة ليان.
حماتي ما استحملتش.
وقفت وهي بتزعق
البنت دي حفيدتي... وابني من حقه ياخدها.
القاضي بص لها بمنتهى الهدوء، وقال
الأطفال مش ميراث... ولا غنيمة حد يقتسمها.
في اللحظة دي...
وطيت راسي.
مش من الكسوف.
لكن لأن لأول مرة من أيام...
حسيت إني أخدت نفسي.
لكن القضية ما خلصتش.
لسه كان فاضل الجزء اللي وجعهم بجد...
الفلوس.
المحامية طلعت كشوفات الحساب.
كل جنيه خرج من حسابي.
كل تحويل لحماتي.
كل مرة أحمد استخدم بطاقتي.
كل عزومة.
كل مشتريات.
كل حاجة كانت متسجلة بالتاريخ والساعة.
حتى مصاريف
تم نسخ الرابط