الساعة كانت ستة الصبح حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

، أوعي تفرطي في تعب عمرك عشان حد ما يستاهلش ، لأن اللي يحبك عمره ما يطمع في رزقك.
يومها حضنتها وقعدت أعيط.
وماكنتش فاهمة ليه قالت الجملة دي بالذات.
افتكرت إنها مجرد وصية أم خايفة على بنتها.
لكن وأنا واقفة قدام خالد وأمه والله العظيم حسيت إن صوتها بيرجع يتردد في وداني كأنها واقفة جنبي دلوقتي.
الصمت كان مالي البيت.
لدرجة إني كنت سامعة صوت نفسي وسامعة دقات قلبي وساعتها بصيت لخالد وقلتله وأنا حاسة إن كل كلمة بتطلع من جرح لسه مفتوح.
يعني بعد كل اللي حصل وبعد كل التعب ده جاي تقولي إنك قعدت مع أمك وخدتوا قرار وقررتوا هتصرفوا ميراث أمي في إيه؟
المرة دي ما ردش بسرعة.
اتردد.
لكن قبل ما يجاوب 
حماتي دخلت في الكلام بسرعة وقالت وهي رافعة دقنها لفوق بثقة مستفزة.
إنتوا اتنين واحد يا مريم اللي معاكي يبقى معاه واللي معاه يبقى معاكي وفلوس البيت كلها في الآخر بتخدم العيلة.
العيلة.
الكلمة دي خلتني أفوق.
في اللحظة دي بالذات حصلت حاجة جوايا..مش انكسرت. بالعكس حسيت إن آخر ستارة كانت مغطية الحقيقة اتشالت وآخر وهم كنت عايشة فيه وقع مرة واحدة. شفتهم على حقيقتهم.
هما ماكانوش زعلانين على أمي ولا فارق معاهم إنها كانت ست شقيانة تعبت العمر كله ولا
حتى فارق معاهم إني بنتها الوحيدة.

كل اللي كان فارق معاهم هو اليوم اللي الفلوس تدخل فيه حسابي.
وكانوا متأكدين إن حزني هيخليني أقول حاضر.
وإن دموعي هتخليني أتنازل.
وإن كسرتي بعد وفاة أمي هتخليني أمضي على أي حاجة من غير ما أفكر.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن الحزن فعلًا ممكن يكسر الإنسان.
بس ساعات الحزن بيفتح عين الواحد على ناس عاش سنين فاكرهم أهله ويكتشف في لحظة إنهم أول ناس مستعدين يبيعوه لو كان التمن مناسب.
أخدت نفس طويل وحطيت ملف الأوراق على الترابيزة بمنتهى الهدوء. الهدوء اللي خلاهم يبصوا لبعض باستغراب.
وبعدين رفعت عيني لخالد وقلت وأنا ببصله بثبات خلاه يبلع ريقه عارف يا خالد
فضل مستني باقي كلامي يمكن مستني صريخ يمكن مستني عياط.
يمكن مستني إني أترجاه يغير رأيه. لكن بدل كل ده ابتسمت أول ابتسامة من ساعة ما دخلوا عليا وقلت بهدوء إنت عندك حق.
والله العظيم شفتها في عينه شفت الراحة وهي بترجع لوشه.
كتافه ارتخت وزفر نفس طويل كأنه كان شايله من ساعة ما دخل.
أما حماتي فابتسمت ابتسامة المنتصر وبصتله كأنها بتقوله. مش قولتلك هتوافق.
وساعتها عرفت إن أول غلطة وقعوا فيها إنهم صدقوا إني استسلمت.
أما الغلطة التانية فكانت أكبر بكتير لأنهم ماكانوش
يعرفوا إن من يوم ما دفنت أمي إني ماكنتش بخلص إجراءات بيع الشقة وبس أنا كنت بحضر لكل خطوة جاية.

وكانوا فاكرين إن الملف اللي قدامهم مجرد عقد بيع وإيصالات بنك لكن الحقيقة إن الملف ده كان شايل السر الوحيد اللي يقدر يقلب حياتهم كلها في ثواني.
أخدت نفس طويل. وبصيتلهم الاتنين وقلت بهدوء وأنا بابتسم لأول مرة من قلبي. على فكرة أنا كمان عندي مفاجأة. ولأول مرة الابتسامة كانت على وشي أنا. مش على وشهم.
الساعة كانت ستة الصبح ولسه حتى ما غسلتش وشي ، لقيت حماتي بتفتح باب أوضة نومي من غير خبط ولا استئذان وأول كلمة قالتها وهي بتبصلي كانت. هاتي الخمس ملايين جنيه بتوع شقة أمك والله العظيم افتكرت إني لسه بحلم ، لكن بعد أقل من دقيقة جوزي وقف جمبها وقاللي بمنتهى البرود إنهم خلاص خدوا القرار وإن فلوس بيع شقة أمي هيسددوا بيها ديون أخوه.
الساعة كانت ستة الصبح.
البيت المفروض يكون ساكت، مفيش فيه غير صوت النفس.
لكن فجأة...
باب أوضتي اتفتح مرة واحدة.
حماتي أم خالد دخلت من غير ما تخبط حتى.
وده كان طبعها من أول يوم عرفتها.
كانت شايفة إن مفيش حاجة اسمها خصوصية، وإن باب بيت ابنها يفتح في أي وقت، ومن غير استئذان.
وقفت قدامي وهي بتبصلي بنظرة كلها أوامر، وقالت من غير حتى
سلام

الفلوس فين؟ فلوس شقة أمك... إحنا محتاجين الخمس ملايين جنيه.
اتجمدت مكاني.
كنت لسه واقفة جنب سفرة الأكل.
شنطتي لسه معلقة على كتفي.
وفي إيدي ملف البنك، زي ما خرجت بيه من العربية ودخلت على البيت.
من كام ساعة بس...
كنت راجعة بعد ما خلصت آخر ورقة في إجراءات بيع شقة أمي.
الخمس ملايين جنيه.
أي حد يسمع الرقم يقول دي ثروة.
إنما أنا...
كنت كل ما أبصله، أشوف عمر أمي كله قدامي.
كل جنيه فيهم كان حكاية.
حكاية تعب...
وسنين شقا...
ونوبات شغل كانت بتقضيها لحد الفجر علشان تعرف تصرف عليا.
وأعياد ميلاد كتير فاتتها وهي واقفة في شغلها، علشان ترجع آخر اليوم ومعاها لقمة حلال.
وسنين طويلة ربتني فيها لوحدها، بعد ما أبويا اختفى من حياتنا، وسابها تواجه الدنيا كلها من غير سند.
بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي وقع، وقلت بهدوء
معلش... إنتِ قولتي إيه؟
قبل ما ترد...
سمعت صوت خطوات على السلم.
رفعت عيني.
ولقيت خالد نازل.
وأول ما شفت وشه...
فهمت.
فهمت إن حماتي مش جاية تتكلم من نفسها.
وفهمت إنه عارف كل كلمة هتتقال...
يمكن هو اللي بعتها أصلًا.
وقف قدامي وقال بصوت متردد
يا مريم... يمكن الأفضل تقعدي الأول.
لكن أمه رفعت إيديها بسرعة وقالت
وهي قاطعة كلامه

لا... تسمع الكلام وهي واقفة. الموضوع مفيهوش لف ولا دوران.
في اللحظة دي...
بطني اتقبضت.
وحسيت إن في حاجة وحشة جاية.
بصيت بينهم وأنا بسأل
أسمع... إيه؟
ساعتها...
شفت خالد وهو بيمرر إيده على جبينه.
فضل خالد ساكت كام
تم نسخ الرابط