الساعة كانت ستة الصبح حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

عيلتكم كويس...
حماتي انتفضت وقالت بعصبية
إيه قصدك بالكلام ده؟
بصيتلها في عينيها.
وقلت
قصدي... إن أمي شافت حاجات أنا وقتها رفضت أشوفها.
وبدأت أقرا بصوت عالي
يا بنتي... لو جه اليوم وبعتي الشقة، أوعي تفرطي في تعب عمري. حافظي على الفلوس دي، ومتخليش حد يحسسك بالذنب علشان تاخد منك اللي أنا تعبت فيه سنين طويلة.
عيني دمعت...
لكن ما سكتش.
كملت قراية بصوت ثابت، رغم إن كل كلمة كانت بتوجعني.
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص بقيت عند ربنا. ولو في يوم لقيتي حد بيحاول ياخد حقك باسم العيلة... افتكري دايمًا إن اللي بيحبك عمره ما يجبرك تتنازلي عن تعبك.
البيت كله سكت.
سكون يخوف.
حماتي نزلت عينيها لأول مرة.
أما خالد...
فبدأ نفسه يعلى.
كان باين إنه فهم إن اللي جاي أخطر بكتير.
قفلت الرسالة برفق.
وبصيت لهم.
وقلت
وعلى فكرة... الفلوس مش موجودة في حسابي الشخصي.
حماتي شهقت.
وفي نفس اللحظة...
جالنا صوت من عند باب البيت
أمال فين؟
لفينا كلنا.
كان أحمد.
ولا واحد فينا أخد باله إنه دخل.
لابس الجاكيت الجلد القديم بتاعه.
وريحة السجاير طالعة منه.
وفي إيده كوب قهوة.
بصيتله وابتسمت.
وقلت
كويس إنك جيت... كده بقى الكل حاضر.
ابتسم بثقة وهو داخل.
وقال
يعني خلاص... هتساعدونا؟
بصيتله من فوق لتحت.
راجل داخل على الأربعين.
خسر أكتر من مشروع.
وغرقان في ديون يعرفها القريب والغريب.
ومع ذلك...
واقف قدامي وكأنه جاي يستلم حقه.
هزيت راسي.
وقلت كلمة واحدة
لأ.
ابتسامته اختفت.
وقال بعدم تصديق
إيه؟
كررتها وأنا ببص في عينه
مش
هتاخد مني مليم واحد.

حماتي انفجرت
حرام عليكي... ده ظلم!
بصيتلها بمنتهى الهدوء.
وقلت
الظلم الحقيقي... إن أمي تفضل تشتغل عمرها كله، وتتعب ليل ونهار، وفي الآخر يروح تعبها علشان يسدد أخطاء راجل كبير مسئول عن نفسه.
أحمد اتقدم ناحيتي وقال بسرعة
أنا هرجع كل الفلوس... والله هرجعها.
ابتسمت بسخرية.
وسألته
بأنهي فلوس؟
اتلخبط وقال
هبدأ من جديد.
هزيت راسي.
زي الخمس مرات اللي قبلهم؟
سكت.
ولا عرف يرد.
مديت إيدي للملف.
وطلعت الظرف التالت.
وحطيته قدامي.
وقلت
ودلوقتي... نخش على الجزء اللي بجد.
وش خالد اصفر.
وقال بتوتر
يا مريم...
طنشته تمامًا.
وقلت
من شهرين... جالي اتصال من البنك.
حماتي بصتلي بخوف.
وقالت
بنك إيه؟
ابتسمت.
البنك اللي خالد ضامن فيه قرض.
في اللحظة دي...
وش خالد بقى أبيض.
وقال وهو بيهز راسه
لأ...
قلت
أيوه.
طلعت شوية أوراق تانية.
وحطيتها قدامه.
وهناك... اكتشفت مفاجأة صغيرة.
ولا واحد فيهم اتكلم.
كملت
من تمن شهور... خالد قدم طلب يزوّد قيمة قرض كبير.
سكت لحظة...
وسبتهم يستوعبوا.
وبعدين قلت
وحط بيتنا كله ضمان للقرض.
حماتي فتحت بقها من الصدمة.
وأحمد وقع منه كوب القهوة على الأرض.
أما خالد...
فقام واقف بسرعة.
وقال وهو مرتبك
كنت... كنت هقولك.
بصيتله باستخفاف.
إمتى؟
قال
كنت مستني.
سألته وأنا بثبت عيني في عينه
مستني إيه؟
سكت.
ولا نطق.
فكملت أنا
مستني أمي تموت؟
فضل ساكت.
ولا مستني أبيع شقتها؟
ما ردش.
لكن سكوته...
كان أقوى من أي اعتراف.
حماتي بصتله وهي بتعيط.
وقالت
بصوت مكسور

يا خالد...
وبعدين صرخت فيه
إنت كنت ناوي تسدد ديونك... من فلوس مريم هي كمان؟
بصيتلها...
وهزيت راسي بهدوء.
أيوه... بالظبط.
وسكت شوية، وسيبت الصدمة تنزل عليهم واحدة واحدة.
القرض ده أصلًا... ما كانش علشان أحمد.
لفيت وشي ناحية خالد.
كان علشان خالد.
أحمد بص لأخوه بعدم استيعاب.
وقال
إيه؟
بصيتله وقلت
أخوك خسر مبلغ كبير في استثمارات فاشلة.
سكت لحظة.
خسر حوالي 6 مليون.
حماتي وقعت على الكرسي.
وكأن السنين كلها نزلت على وشها في لحظة.
كانت بتبص لخالد، ومش قادرة تصدق.
وقالت وهي بتتمتم
مستحيل...
فتحت قدامها كشوف الحسابات.
وقلت
لا... ده حصل فعلًا.
ورقة ورا ورقة.
تحويلات.
قروض.
إعادة جدولة ديون.
بطاقات ائتمان وصلت للحد الأقصى.
كل حاجة كانت مكتوبة.
وبالأرقام.
خالد فجأة...
انهار.
ولأول مرة من يوم عرفته...
شوفته بيعيط.
قال وهو بيحاول يمسح دموعه
أنا... كنت خايف.
بصيتله ببرود.
خايف من إيه؟
قال بصوت متكسر
أخسر كل حاجة.
ضحكت ضحكة وجعتني قبل ما توجعه.
وقلت
علشان كده... قررت تاخد آخر حاجة فاضلة ليا من أمي؟
سكت.
ولا عرف يرفع عينه في عيني.
أحمد بقى كان مولع.
لف ناحية أخوه وقال بغضب
يعني إنت استخدمتني؟
خالد قفل عينه.
وما أنكرش.
أحمد كمل وهو صوته بيعلى
خلتني قدامها شكلي طماع ومستني فلوسها؟
خالد قال بصوت واطي
كنت محتاج سبب يقنع مريم.
ضحك أحمد بمرارة.
وقال
أنا فعلًا غلطان في حاجات كتير.
وسكت لحظة.
بس عمري ما طلبت منك تستخدمني ستار علشان تخبي مصيبتك.
حماتي كانت بتعيط.
وبصت لابنها
وقالت

ليه يا خالد؟
ليه كذبت عليا أنا كمان؟
خالد وقع على الكرسي.
وشه كان مكسور.
وقال
كنت فاكر إني هعرف أحلها.
قلت وأنا ببصله
تحلها... بفلوس مراتك؟
هز راسه من غير ما يتكلم.
حتى لو كنت مش عايز تعمل كده...
سكت.
...كنت مستعد تعمله.
قفل عينه...
وهز راسه بالموافقة.
وفي اللحظة دي...
حسيت إن آخر حاجة كانت رابطاني بيه...
اتكسرت.
الغريب...
إني ما بقيتش زعلانة.
ولا حتى غضبانة.
بالعكس.
كنت هادية بشكل خوفني.
لأن الحقيقة أخيرًا بقت كاملة قدامي.
وفهمت مين هو الراجل اللي عشت معاه السنين دي كلها.
قمت من مكاني.
شلت شنطتي.
خالد قام بسرعة وقال
رايحة فين؟
قلت وأنا ماشية ناحية الباب
هفطر.
واستنيت ثانية.
وبعدها... عندي معاد مع المحامي.
حماتي جريت ناحيتي.
وقالت وهي بتمسح دموعها
أرجوكي يا مريم...
وقفت.
لكن من غير ما أبصلها.
قالت
إحنا عيلة.
لفيت ناحيتها.
وبصيتلها بهدوء.
وقلت
لأ.
وسكت لحظة.
عيلتي... ماتت من ست شهور.
أما إنتوا...
بلعت ريقي.
...فكنتوا مجرد ناس قاعدين على نفس السفرة.
فتحت باب البيت.
لكن قبل ما أخرج...
افتكرت حاجة.
لفيت ناحيتهم.
وقلت
آه... نسيت أقولكم.
خالد رفع راسه بسرعة.
قلت بابتسامة هادية
البيت ده... باسمي أنا لوحدي.
حماتي شهقت.
وقالت
إيه؟
هزيت راسي.
اشتريته قبل ما أتجوز خالد.
وعلشان كده...
محدش فيكم يقدر يطالب فيه، ولا يقرب منه.
العقد اللي مضيناه قبل الجواز... بيحمي البيت ده زي ما بيحمي ورث أمي.
الهدوء اللي كان في المكان...
اتحول لصدمة.
وقلت بكل ثبات
قدامكم
تلاتين يوم.

وسكت شوية.
تدوروا على مكان تاني تعيشوا فيه.
أحمد ضحك ضحكة كلها مرارة.
وهز راسه وقال
يا نهار أبيض...
بصيتله.
في إيه؟
تنهد وقال
أمك كان عندها حق.
سألته
حق في إيه؟
بصلي وقال
الناس اللي بتحبك بجد... عمرها ما تمد إيدها على حقك.
الكلمة دي...
وقفتني مكاني.
لفيت وشي ناحية صورة أمي.
كانت معلقة في الصالة.
بنفس الابتسامة الهادية...
ونفس النظرة اللي كانت دايمًا تطمني.
فضلت أبصلها كام ثانية.
وحسيت إن عيني دمعت.
بس المرة دي...
ما كانتش دموع ضعف.
كانت دموع راحة.
ولأول مرة...
من يوم ما أمي سابت الدنيا...
حسيت كأنها حضناني من تاني.
وكأنها بتقولي
أنا
عملت اللي عليا... والباقي عليكِ.
ساعتها فهمت إن مش كل ورث بيتقاس بالفلوس.
في ورث اسمه الكرامة.
وفي ورث... اسمه إنك تعرف قيمة نفسك، ومتسمحش لحد يكسرها.
وده كان أغلى حاجة أمي سابتهالي.
وحاجة زي دي مهما حصل محدش هيقدر ياخدها مني أبدًا.

تم نسخ الرابط