الساعة كانت ستة الصبح ولسه حتى ما غسلتش وشي حكايات صابرين محمد
الساعة كانت ستة الصبح ولسه حتى ما غسلتش وشي ، لقيت حماتي بتفتح باب أوضة نومي من غير خبط ولا استئذان وأول كلمة قالتها وهي بتبصلي كانت. هاتي الخمس ملايين جنيه بتوع شقة أمك والله العظيم افتكرت إني لسه بحلم ، لكن بعد أقل من دقيقة جوزي وقف جمبها وقاللي بمنتهى البرود إنهم خلاص خدوا القرار وإن فلوس بيع شقة أمي هيسددوا بيها ديون أخوه.
الساعة كانت ستة الصبح.
البيت المفروض يكون ساكت، مفيش فيه غير صوت النفس.
لكن فجأة...
باب أوضتي اتفتح مرة واحدة.
حماتي أم خالد دخلت من غير ما تخبط حتى.
وده كان طبعها من أول يوم عرفتها.
كانت شايفة إن مفيش حاجة اسمها خصوصية، وإن باب بيت ابنها يفتح في أي وقت، ومن غير استئذان.
وقفت قدامي وهي بتبصلي بنظرة كلها أوامر، وقالت من غير حتى سلام
الفلوس فين؟ فلوس شقة أمك... إحنا محتاجين الخمس ملايين جنيه.
اتجمدت مكاني.
كنت لسه واقفة جنب سفرة الأكل.
شنطتي لسه معلقة على كتفي.
وفي إيدي ملف البنك، زي ما خرجت بيه من العربية ودخلت على البيت.
من كام ساعة بس...
كنت راجعة بعد ما خلصت آخر ورقة في إجراءات بيع شقة أمي.
الخمس ملايين جنيه.
أي حد يسمع الرقم يقول دي ثروة.
إنما أنا...
كنت كل ما أبصله، أشوف عمر أمي كله قدامي.
كل جنيه فيهم كان حكاية.
حكاية تعب...
وسنين شقا...
ونوبات شغل كانت بتقضيها لحد الفجر علشان تعرف تصرف عليا.
وأعياد
وسنين طويلة ربتني فيها لوحدها، بعد ما أبويا اختفى من حياتنا، وسابها تواجه الدنيا كلها من غير سند.
بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي وقع، وقلت بهدوء
معلش... إنتِ قولتي إيه؟
قبل ما ترد...
سمعت صوت خطوات على السلم.
رفعت عيني.
ولقيت خالد نازل.
وأول ما شفت وشه...
فهمت.
فهمت إن حماتي مش جاية تتكلم من نفسها.
وفهمت إنه عارف كل كلمة هتتقال...
يمكن هو اللي بعتها أصلًا.
وقف قدامي وقال بصوت متردد
يا مريم... يمكن الأفضل تقعدي الأول.
لكن أمه رفعت إيديها بسرعة وقالت وهي قاطعة كلامه
لا... تسمع الكلام وهي واقفة. الموضوع مفيهوش لف ولا دوران.
في اللحظة دي...
بطني اتقبضت.
وحسيت إن في حاجة وحشة جاية.
بصيت بينهم وأنا بسأل
أسمع... إيه؟
ساعتها...
شفت خالد وهو بيمرر إيده على جبينه.
فضل خالد ساكت كام ثانية.
وبعدين أخد نفس طويل وقال
أنا وماما اتكلمنا... وشايفين إن الفلوس دي المفروض تروح لأحمد.
رمشت كذا مرة.
حسيت إني يمكن ما سمعتش صح.
بصيتله وقلت
تروح لأحمد؟
هز راسه وقال بمنتهى الهدوء
يسدد ديونه.
الكلمتين فضلوا يلفوا في دماغي.
أحمد...
أخوه الصغير.
الراجل اللي عمره ما عرف يعني إيه مسؤولية.
كل شوية يدخل في مشروع.
وكل مشروع يخسر أكتر من اللي قبله.
مرة تجارة...
ومرة
ومرة حد ضحك عليه.
ولما الفلوس تخلص...
يبدأ يستلف.
ومن كتر الديون، بقى كل مرة يطلع من حفرة، يقع في حفرة أعمق منها.
وفي كل لمة عيلة...
كان يقعد يحلف إنه اتغير.
وإن دي آخر غلطة.
وإنه هيبدأ من جديد.
لكن واضح إن البداية الجديدة، كانت لازم تبقى بفلوس ورثي أنا.
اتقدمت حماتي خطوة ناحيتي، وقالت وهي رافعة راسها
أحمد من لحمنا ودمنا... وإحنا مينفعش نسيبه. وأمك الله يرحمها أكيد كانت تتمنى إن فلوسها تفضل وسط العيلة.
ضحكت...
بس كانت ضحكة مرة.
بصيتلها وقلت
أمي أصلًا كانت بالكاد تعرف أحمد.
وش خالد اتغير في ثانية.
وبصلي بنظرة ضايقتني أكتر من أي كلمة، وقال
مش وقته الكلام الأناني ده.
أنانية...
يا الله.
من وسط كل الكلام اللي كان ممكن يقوله...
اختار الكلمة الوحيدة اللي غرست في قلبي.
خدت نفس عميق وقلت بهدوء
أمي ماتت من ست شهور.
ولا واحد فيهم رد.
كملت وأنا ببصلهم
أنا اللي فضيت شقتها لوحدي.
سكتوا.
كل ويك إند كنت بروح... ألم حاجتها، وأنضف، وأرتب، وأقفل ملف ورا ملف.
ولا كلمة.
وأنا اللي خلصت كل الورق.
الصمت زاد.
وأنا اللي دفعت كل المصاريف والرسوم، وجريت بين الجهات لحد ما البيع خلص.
خالد نزل عينه في الأرض.
بصيتله وقلت والمرارة بتاكلني
ولا مرة شوفتك جنبي.
وسكت لحظة.
ولا إنت...
وبعدين بصيت ناحية حماتي.
ولا أحمد.
البيت
حتى الهوا...
حسيت إنه وقف.
ودلوقتي... بتقولي إنكوا قررتوا من غير حتى ما ترجعولي، هتعملوا إيه بورث أمي؟
خالد اتردد.
ثانية واحدة بس.
لكن الثانية دي كانت كفاية.
كفاية علشان أعرف الحقيقة كلها.
نزل عينه وقال بصوت واطي
أنا... كنت وعدت أحمد إننا هنقف جنبه.
كررت كلامه وأنا مش مستوعبة
هنقف... جنبه؟
لسه خالد ما ردش...
حماتي سبقت وقالت بكل ثقة
إنتوا متجوزين... يعني اللي معاكِ هو معاه، واللي معاه هو معاكي.
بصيتلها.
وبعدين بصيت لخالد.
وفي اللحظة دي...
حاجة جوايا اتغيرت.
لا...
ما اتكسرتش.
وما وجعتنيش.
بالعكس...
كل حاجة بقت واضحة قدام عيني.
هما كانوا فاكرين إن موت أمي كسرني.
وإن الحزن خلاني ضعيفة.
وإن أول ما يضغطوا عليا...
هوافق.
بس اللي ما يعرفهوش...
إن الست المكسورة ممكن تقوم.
لكن الست اللي فتحت عينيها...
صعب جدًا حد يضحك عليها تاني.
بكل هدوء...
حطيت ملف البنك فوق السفرة.
ورفعت عيني في عين خالد.
وقلت بابتسامة هادية
عارف يا خالد؟
سكت.
فكملت
إنت... عندك حق.
في ثانية...
وشه ارتاح.
وكأن جبل كان فوق صدره واتشال.
أما حماتي...
فابتسمت ابتسامة نصر.
وكان ده...
أول غلطة.
أما ابتسامتها الواثقة...
فكانت تاني غلطة.
لأن ولا واحد فيهم كان يعرف...
إني من يوم وفاة أمي، ومن ست شهور كاملة...
وأنا بحضر
خطوة بخطوة.
ورقة بورقة.
ولا واحد فيهم كان يتخيل...
إن الملف اللي قدامهم، مخبي مفاجأة هتقلب حياتهم كلها.
ابتسمت وأنا بقول
على فكرة... أنا كمان محضرة لكم مفاجأة.
ولأول مرة من أول ما الشمس طلعت...
ابتسمت بجد.
اللي حصل بعد كده...
خلّى أحمد يقف مش لاقي كلمة يقولها.
وحماتي قعدت تعيط وتلطم.
أما خالد...
فضل يبص في الورق قدامه، كأنه أول مرة يشوفه.
ورق...
كان المفروض يقراه من شهور.
أنا قعدت على الكرسي بمنتهى الهدوء.
مكنتش مستعجلة.
هما اللي كانوا مستعجلين.
حماتي فضلت واقفة، ضامة