جوزي رجع البيت وهو بيترعش حكايات صابرين محمد
المحتويات
الفطار كل يوم.
قاطعني بسرعة وقال
لا... إنتِ لسه مش فاهمة.
اتقبضت إيدي من الخوف.
قلت
أفهم إيه؟
أخد نفسًا طويلًا، وقال
الفلوس اللي أحمد قال إنها اتسرقت... ما كانتش فلوسكم إنتوا بس.
حسيت إن الدنيا بتميل بيا.
قلت
يعني إيه؟
قال
هو سحب مصاريف مدرسة ابنك من حسابكم، صح؟
قلت
أيوه.
رد من غير تردد
وحكالي نفس قصة السرقة بالحرف... وقال إن حرامية سرقوا منه كمان مبلغ كان مستلمه من الشركة عشان يسلمه لعميل، وطلب مني أصرفله مبلغ طوارئ لحد ما الأزمة تتحل.
اتسمرت مكاني.
وقلت بالعافية
يعني... خد فلوس من الشركة هو كمان؟
قال
مش مني... من حساب الشركة، كان معاه مبلغ مأتمن عليه، والمفروض يورده، لكنه ادعى إنه اتسرق مع فلوسه الشخصية.
مسكت طرف الرخامة بإيدي، لأني حسيت إن رجليا مش شايلاني.
في اللحظة دي أدركت إن أحمد ما اخترعش كدبة واحدة...
أحمد باع نفس الكدبة مرتين...
مرة سرق بيها مستقبل ابنه...
ومرة سرق بيها الشركة اللي شغلاه.
قلت بصوت يكاد يخرج
والست اللي كانت معاه دي... حضرتك تعرفها؟
قال
لأ... معرفهاش، لكن أعرف حاجة واحدة.
سكت لحظة، ثم أكمل
أحمد أصلًا ما قالناش إنه مسافر الساحل ولا أي حتة... هو أخد إجازة من الشغل وقال إن والدته تعبانة تعب شديد، ولازم يسافر
أمه...
طبعًا.
أول ما قفلت المكالمة، فتحت درج الكومودينو وسحبت محفظة أحمد، وصورت كل الكروت اللي فيها بالموبايل، وبعدها طلعت كارت الفيزا بتاعي من بين إيصالات البنزين اللي كان مخبيه وراها، وخدت مفاتيح الدولاب، وفتحت شنطة السفر اللي رجع بيها من يومين.
كانت هدومه مترتبة بعناية كأنها لسه خارجة من المحل، وقميصين جداد لسه التيكت متعلق فيهم، وزجاجة برفان أول مرة أشم ريحتها في حياتي، وأول ما رفعت الهدوم لقيت ظرف أبيض مستخبي تحتهم.
فتحته...
ولقيت إيصال سحب المبلغ.
أربعة وتمانين ألف جنيه.
وقعت عيني على التوقيع اللي في آخر الورقة.
كان اسمي.
لكن عمري ما مضيت عليه.
إيدي بدأت تترعش وأنا بقلب باقي الورق، فلقيت صورة من شهادة ميلاد يوسف، واستمارة التقديم بتاعة المدرسة، وعليها ختم أحمر كبير مكتوب فيه
سداد المصروفات معلق... وآخر موعد لتأكيد الحجز اليوم الساعة الرابعة مساءً.
رفعت عيني ناحية أوضة يوسف.
كان لسه نايم، حضن المخدة بإيده الصغيرة، ووشه كله راحة، ولا يعرف إن مكانه في المدرسة اللي حلم بيها شهور، ممكن يضيع بعد ساعات
في اللحظة دي، سمعت باب الحمام بيتفتح.
خرج أحمد وهو بينشف شعره بالفوطة، وقال بمنتهى العادية
هبة... فين القميص الأزرق الجديد؟
بصيتله لأول
بصيت للراجل اللي يوم ولادة يوسف فضل يبكي وهو شايله بين إيديه.
للراجل اللي كان يقعد معايا نص الليل وإحنا بنجهز طلبات الأكل عشان نزود دخل البيت.
للراجل اللي أخد فلوس ابنه، وسافر يتصور بيها على البحر.
قلت بهدوء
تقصد أنهي قميص؟
قال وهو بيفتح الدولاب
القميص الجديد.
قلت وأنا ببص في عينه
واضح إن ضغط الشغل بقى بيخلي الواحد يشتري هدوم جديدة كل يوم.
وقف مكانه.
ثانية واحدة بس...
وبعدين ابتسم ابتسامة باهتة، وقال
إيه الكلام ده؟
رفعت إيصال السحب قدامه.
الابتسامة اختفت.
وبص للفوطة اللي في إيده، وبعدها للإيصال، وبعدها للآيباد اللي كان لسه على ترابيزة المطبخ.
وفي اللحظة دي...
فهم.
ما شفتش في عينه ندم.
ولا كسوف.
اللي شفته كان حاجة واحدة...
كان بيفكر هينقذ نفسه إزاي.
قال بصوت واطي
إنتِ شوفتي إيه؟
قلت
شفت اللي يكفي.
اتحرك بسرعة ناحية الآيباد.
لكنني كنت أسرع منه، شلته من على الترابيزة قبل ما يوصل له.
قال بعصبية
اديني الآيباد.
قلت من غير ما أرفع صوتي
لأ.
قرب خطوة وهو بيكز على سنانه
هبة... بقولك هاتي الآيباد.
في اللحظة دي، يوسف اتحرك في أوضته كأنه هيصحى.
بصيت لأحمد، وخفضت صوتي أكتر، وقلت
لو عليت صوتك مرة كمان، الجيران كلهم
وقف مكانه.
ولأول مرة من يوم عرفته...
شوفته خايف من سكوتي أكتر من أي خناقة.
بلع ريقه وقال
أنا أقدر أفسر كل حاجة.
ابتسمت ابتسامة باردة، وقلت
أكيد... هتفسرلي منظر البحر، والفندق، والست اللي بالفستان.. ولا دي كانت رحلة شغل برضه؟
شد فكه بقوة، وقال
إنتِ فاهمة الموضوع غلط.
قلت وأنا ما زلت ببص في عينه
بجد؟... يعني كانت مدربة سباحة مثلًا؟
ضحكت.
والضحكة نفسها خوفتني، لأن آخر مرة ضحكت فيها بالشكل ده كانت من سنين، لكن المرة دي خرجت مني من شدة الوجع.
بصيت لأحمد وقلت وأنا برفع إيصال سحب الفلوس قدامه
أنا فضلت خمسة شهور أشتغل الصبح في المكتب، وبالليل أطبخ وأبيع أكل، وأرجع أخيط هدوم لحد الفجر، عشان أجمع مصاريف مدرسة ابننا... وإنت أخدت الفلوس وصرفتها في فندق، وجاي دلوقتي تقول لي إني فاهمة غلط؟
اتغيرت ملامحه، لكنه حاول يتمالك نفسه، وقال بصوت واطي
إنتِ متعرفيش الضغوط اللي أنا فيها.
هزيت راسي وأنا بابتسم بسخرية.
غريبة... أول حاجة الراجل بيقولها لما يتكشف، إنه كان مضغوط. ضغط إيه اللي يخليك تكذب عليا، وتخدع ابنك، وتسافر وتصرف فلوسه على مزاجك
قرب مني خطوة وهو بيحاول يهدى الموقف.
اسمعيني بس... الموضوع أكبر من اللي إنتِ فاهماه.
قلت من غير ما أسيب
وأنا كمان عرفت إنه أكبر بكتير. عرفت إنك حكيت نفس كدبة السرقة لمديرك في الشغل، وطلبت منه فلوس كمان.
وقف مكانه.
وشه شحب فجأة، وعرفت من نظرة عينه إن أستاذ محمود ما كانش مجرد اسم خوّفه... ده كان فهم إن اللعبة كلها انتهت.
قال بسرعة
إنتِ كلمتيه؟
لأ... أنا بعتله الحقيقة.
وفي اللحظة دي مد إيده بعصبية، ومسكني من دراعي.
إنتِ اتجننتي؟
قبل ما
متابعة القراءة