جوزي رجع البيت وهو بيترعش حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

أرد عليه، سمعنا صوت حركة جاية من أوضة يوسف.
ابني خرج وهو بيفرك عينيه من النوم، وبص الأول عليا، وبعدين على إيد أبوه اللي كانت ماسكة دراعي.
قال بصوت كله براءة
بابا... إنت زعلت ماما؟
أحمد ساب إيدي بسرعة، وغيّر نبرة صوته في لحظة.
لا يا حبيبي... ادخل كمل نوم.
لكن يوسف ما اتحركش.
فضل باصصلي، وكأنه مستني مني أنا الإجابة.
حسيت قلبي بيتقطع، فقربت منه ، وقلت
ادخل يا حبيبي اغسل وشك... وأنا جاية.
أحمد حاول يقرب، لكني وقفت بينه وبين يوسف.
قلت بهدوء
من النهارده... محدش هيعلي صوته على ابني.
شد على سنانه وقال
إنتِ بتقلبيه عليا؟
رديت من غير انفعال
أنا معملتش حاجة... اللي صرف فلوس مدرسته هو اللي هيخليه يغير رأيه فيك.
وقبل ما يرد...
رن جرس الباب.
بص ناحية الباب، وبعدين بصلي.
مين؟
قلت
افتح... وهتعرف.
فتح الباب، واتجمد مكانه.
كان أستاذ محمود واقف، ومعاه محامي الشركة، ورجل تاني ماسك ملف كبير.
دخلوا من غير ما حد فيهم يتكلم.
أستاذ محمود حط الملف على السفرة، وطلع منه صور مطبوعة.
صورة أحمد في الفندق.
وصورة الفلوس.
وصورة الست اللي كانت معاه.
وفاتورة الفندق.
ولقطة الشاشة للمحادثة.
بص أحمد للورق، وبعدين قال بصوت مهزوز
دي كلها صور... ومفيش حاجة تثبت إن الفلوس دي...
قاطعه أستاذ محمود بهدوء
هتثبت دلوقتي.
في نفس اللحظة، موبايل أحمد رن.
ظهر على الشاشة اسم
سارة 
مد إيده بسرعة يقفل المكالمة.
لكن المحامي قال
رد... على السبيكر.
هز أحمد راسه بعصبية.
دي حاجة شخصية.
قال أستاذ محمود
من ساعة ما سرقت فلوس الشركة... مبقاش فيه حاجة اسمها شخصي.
اضطر يفتح المكالمة.
أول
ما الخط اتفتح، سمعنا صوتها وهي بتضحك.

إيه يا أحمد؟ الفندق بيطالب بباقي الحساب، وإنت اختفيت ليه؟ كنت قلت إن مديرك هيبعتلك فلوس بعد حكاية السرقة اللي ضحكت بيها على مراتك.
ولا كلمة اتقالت بعدها.
الصمت كان كفاية.
أحمد قفل المكالمة وهو وشه بقى أبيض.
المحامي بص لأستاذ محمود، وقال
أعتقد مفيش داعي لأي نقاش.
وبعد أقل من عشر دقايق، وصلت قوة من الشرطة بعد البلاغ اللي كانت الشركة قدمته.
أحمد حاول يدافع عن نفسه، وقال إن كله سوء تفاهم، وإنه كان هيرجع الفلوس.
لكن الصور، والرسائل، والمكالمة، كانوا أقوى من أي تبرير.
وأنا واقفة شايفة الضابط بياخده، ما شمتّش فيه... بالعكس، كنت ببص ليوسف اللي واقف مستخبي ورا ضهري، وحاسة إن أكتر حاجة انكسرت النهارده مش جوازي... دي صورة الأب اللي كانت مرسومة في قلب ابني.
بعد ما الشرطة مشيت، فضلت قاعدة ساكتة، مش عارفة حتى أفكر هنعمل إيه في مصاريف المدرسة، لأن آخر موعد للسداد كان الساعة أربعة العصر.
بصلي أستاذ محمود، وفتح دفتر الشيكات.
قلت بسرعة
لا يا أستاذ محمود... أنا مقدرش.
ابتسم ابتسامة هادية وقال
ده مش تبرع، ولا مجاملة. ده قرض رسمي هترجعيه وقت ما تقدري. بس أنا مش هسمح إن يوسف يضيع عليه مكانه بسبب غلط أبوه.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بعد أقل من ساعة، كنت واقفة في المدرسة، والموظفة بتحط ختم كبير على ملف يوسف، وبتقول بابتسامة
مبروك... الحجز اتأكد.
بصيت ليوسف وهو لابس اليونيفورم لأول مرة، وماسك شنطته الجديدة، وبيجري في فناء المدرسة وهو بيضحك، وحسيت إن ربنا جبر قلبي بعد وجع عمره أيام.
لكن وأنا واقفة قدام باب المدرسة، وبشوف يوسف داخل بالفورمة الجديدة وهو بيضحك ويلوّحلي بإيده
الصغيرة، كنت فاكرة إن ربنا عوضني وخلاص، وإن أسوأ كابوس في حياتي انتهى أول ما ختموا على استمارة قبوله... وما كنتش أعرف إن مصاريف المدرسة ما كانتش إلا أول خيط، وإن اللي مستنيني بعد ما رجعت البيت هيخليني أكتشف إن أحمد ما كانش بيسرق حاضر ابني بس... كان بيحاول يسرق آخر حاجة أبويا سابهالي.

رجعت البيت، ولقيت أستاذ محمود والمحامي لسه قاعدين يراجعوا الورق اللي خرجناه من شنطة أحمد. كانوا بيقلبوا كل ورقة بمنتهى التركيز، لحد ما المحامي وقف فجأة عند إيصال سحب الفلوس، وبصلي وقال
إنتِ متأكدة إن الإمضاء دي مش بتاعتك؟
قلت من غير تردد
أقسم بالله أول مرة أشوف الورقة دي.
قربها من عينه شوية، وبعدين قال
واضح إنها متقلدة... ولو ده صح، يبقى إحنا قدام تزوير، مش مجرد سرقة.
بعدها رفع عينه وسألني
في أي ورق أو ممتلكات كانت باسم والدك؟
استغربت السؤال، وقلت
على حد علمي لأ... أبويا باع كل حاجة قبل جوازي.
في اللحظة دي، أمي اللي كانت قاعدة ساكتة من أول اليوم، رفعت راسها فجأة وقالت وهي بتحاول تفتكر
استني... أبوكي قبل ما يموت بكام يوم كان بيكرر كلمة أرض... وكان بيقولي خدي بالك من ورق هبة... وأنا افتكرته وقتها بيهذي من التعب.
بصينا لبعض في نفس اللحظة، وقمنا كلنا نفتش في الدولاب القديم بتاع أبويا، وبعد ساعة كاملة من التقليب، لقينا ملف أصفر مستخبي تحت هدومه القديمة.
المحامي فتحه بهدوء، وبدأ يقلب الورق، وفجأة وقف وقال
يا نهار أبيض...
قربت منه بسرعة، فلقيت عقد قطعة أرض صغيرة، ومسجلة باسمي من قبل جوازي بسنين.
بصيت لأمي بذهول.
قالت وهي بتمسح دموعها
أبوكي عمره ما باعها... كان دايمًا يقول دي أمان هبة لو الزمن غدر بيها.
لكن الصدمة
الحقيقية كانت في آخر الملف.

توكيل رسمي باسمي.
عليه إمضائي.
وبيخوّل أحمد إنه يبيع الأرض.
خطفت الورقة من إيده، وأنا ببص على الإمضاء.
كانت مزورة...
زي إمضتي على إيصال البنك بالضبط.
المحامي قال بهدوء
واضح إنه كان بيجهز يبيع الأرض من غير علمك.
وأستاذ محمود هز راسه وقال
دلوقتي فهمت.
بصيتله باستغراب.
قال
والدك كان حكالي زمان عن الأرض دي، وقال إنها لمستقبل بنته وحفيده... وعشان كده
أحمد كان بيسأل عنها كل شوية.
قلبي وجعني وأنا بقلب باقي الورق، لحد ما لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخط أبويا
لهبة.
فتحته، وإيدي كلها رعشة.
كان فيه جواب قصير.
أبويا كاتب فيه
يا بنتي... لو قريتي الجواب ده يوم من الأيام، يبقى أنا مش موجود. الأرض دي سيبتها ليكي ولأولادك، وما تثقيش في أي حد يحاول يقنعك تفرطي فيها. اللي يحسب ميراثك قبل ما يدفني... عمره ما هيخاف عليكي.
ما قدرتش أكمل.
حضنت الورقة، وعيطت لأول مرة من ساعة ما بدأت الكارثة.
ماكنتش بعيط على الأرض...
كنت بعيط لأن أبويا كان شايف الحقيقة وأنا ما شفتهاش.
بعد يومين، واجهوا أحمد بكل الأوراق في التحقيق.
في الأول أنكر.
وبعدين قال إنه كان هيبيع الأرض عشان يحل الأزمة.
لكن الأزمة ما كانتش الأرض.
الأزمة كانت إنه ما كانش لوحده.
التحقيقات كشفت إن الست اللي كانت معاه في الفندق ما كانتش مجرد واحدة بيخونه معاها...
دي كانت شريكته في المشروع اللي كانوا ناويين يشتروا بيه الأرض بعد ما ينقلها باسمي المزور، ويبيعوها من ورا ضهري.
وفي لحظة واحدة، القضية ما بقتش سرقة مصاريف مدرسة...
بقت تزوير في أوراق رسمية، ومحاولة استيلاء على أملاك، وخيانة للأمانة.
وأنا راجعة البيت
في آخر يوم، حطيت ملف أبويا في حضني، وبصيت ليوسف وهو قاعد على السفرة بيحل أول واجب أخده من مدرسته الجديدة، وساعتها فهمت إن ربنا ما كشفليش أحمد يوم سرق مصاريف المدرسة... ربنا كشفه قبل ما ينجح في سرقة آخر حاجة أبويا سابهالي، عشان أحمي بيها مستقبل ابني. وقتها بس، عرفت إن الكذبة اللي بدأت بفلوس مدرسة، انتهت بإنقاذ ميراث كامل كان هيضيع من بين إيدينا من غير ما نحس.

تم نسخ الرابط