بنتي وهي في المدرسة قالتلي يا ماما حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

وهي عينيها على المديرة
ماما... هي خايفة... عشان هو عارف ساكنة فين.
ساعتها...
فهمت الست دي ماكنتش ساكتة لأنها مهملة.. ولا لأنها مش حاسة بالولد. كانت ساكتة لأنها متهددة. كانت عايشة تحت الخوف كل يوم.
لكن مهما كان خوف أي كبير...
مايساويش أبدًا حياة طفل.
افتكرت بسرعة الورقة اللي كنا لقيناها جوه علبة الأكل، والعنوان المكتوب فيها، فلفيت ناحية بلال، ونزلت لمستواه، وقلت بهدوء
يا بلال... شقة أربعة ب فين؟
بصلي بخوف، كأن مجرد الإجابة ممكن تأذيه، وبعدها قال بصوت واطي بالكاد سمعته
في العمارة الخضرا... اللي ورا الفرن على طول.
حسيت قلبي وقع. المكان قريب. قريب جدًا.
ممكن نوصل هناك في عشر دقايق بالعربية.
لكن. عشر دقايق بالنسبة لطفل صغير ممكن تبقى العمر كله.
بلعت ريقي، وسألته بسرعة
اسم مامتك إيه؟
قال
سعاد.
وأخوك الصغير؟
يوسف.
عنده كام سنة؟
رفع صباعين، وبعدين نزلهم بتردد، وقال
يمكن... سنتين.
وفجأة...
عدنان رفس الباب الحديد برجله بكل قوته، لدرجة إن الصوت رج المدرسة كلها، وهو بيزعق بأعلى صوته
بلال! لو نطقت بكلمة... أمك هي اللي هتدفع التمن!
أول ما قال الجملة دي، أكتر من عشرين موبايل كانوا شغالين تصوير سجلوا تهديده بالصوت والصورة، وبلال اتراجع لورا وهو بيرتعش، أما مريم ففكت إيدي بهدوء، ومشت لحد ما وقفت قدامه مباشرة، وحطت نفسها
بينه وبين الباب، رغم إنها طفلة عندها تسع سنين بس، لكنها رفعت راسها وبصت لعدنان بثبات غريب وهي بتقول

هو خلاص اتكلم... وأنت مش هتعرف توصله.
عدنان بصلها بنظرة كلها كره، لكن مريم ما خافتش، ولا رجعت حتى خطوة واحدة، فضلت واقفة مكانها، ضهرها لبلال ووشها للباب، كأنها قررت بجسمها الصغير تمنع أي حد يقرب منه، وساعتها، وأنا ببصلها، حسيت لأول مرة إن فيه شجاعة ربنا بيحطها في قلوب ناس صغيرة، أكبر بكتير من الخوف اللي كان ساكن قلوب ناس كبار فضلوا أيام يشوفوا طفل بيقعد لوحده بعد ما المدرسة تفضى، ولحد ما آخر نور في الفناء يطفي... محدش فيهم سأل نفسه مرة واحدة هو بيروح فين، ولا بيستنى مين.
وصلت أول عربية شرطة بعد حوالي سبع دقايق.
وبعدها بدقايق بسيطة وصلت عربية تانية.
أول ما الضابط نزل، اتجه ناحية عدنان مباشرة.
الغريب إن وش عدنان اتغير في ثانية.
الراجل اللي من شوية كان بيخبط على البوابة ويزعق ويهدد...
بقى فجأة بيبتسم.
وقال بهدوء مصطنع
يا باشا... الموضوع كله سوء تفاهم.
وأشار ناحية بلال.
ده ابن أختي... وأنا جيت آخده بس.
وبعدين هز راسه بأسف مفتعل وقال
وأمه للأسف تعبانة نفسيًا... وكل شوية تكتب كلام غريب عشان توقع بينا.
الكلمة دي قلبت معدتي.
لأني اكتشفت إن الناس اللي زيه دايمًا عندهم نفس الحكاية الجاهزة.
دي مجنونة.
دي بتبالغ.
دي أم مش كويسة.

دي هستيرية.
نفس الكلام...
في كل مرة.
الضابط مكملش كلام معاه.
ركع قدام بلال، وابتسم له بهدوء وقال
يا بطل... إنت عايز تروح مع الراجل ده؟
جسم بلال كله بدأ يترعش.
وبص في الأرض وهمس
لأ...
الضابط قرب منه أكتر وقال
مسمعتكش يا حبيبي.
رفع بلال صوته سنة صغيرة...
وقال
أنا... مش عايز أروح مع عدنان.
الجملة كانت قصيرة جدًا لكنها غيرت كل حاجة.
مش معناها إن القضية انتهت لكن لأول مرة الكفة بدأت تميل ناحية الحقيقة.
رسالة الاستغاثة.
الفيديوهات اللي صورتها الأمهات.
مفتاح المدرسة اللي كان مع راجل المفروض ميكونش معاه.
ورعب الطفل اللي كان باين في كل حركة بيعملها.
كل ده خلا الضابط يطلب دعم إضافي فورًا.
واتصل بالمباحث.. وكمان بحماية الطفل.
في اللحظة دي...
المديرة، الست هدى، بدأت تردد وهي منهارة
والله... أنا مكنتش أعرف إن الموضوع وصل لكده.
وقبل ما أي حد يرد. رفع بلال راسه. وبصلها.
وقال بهدوء كان أوجع من أي صريخ
كنتي عارفة.
ساد صمت تقيل.
بلع بلال ريقه بصعوبة وقال
أنا قلتلك إن ماما مبتردش عليا.
وسكت لحظة.
وقلتلك إن خالتي بتقفل علينا باب الشقة.
وبعدين نزل عينيه.
وقلتلك إن عدنان بياخد الفلوس اللي الحكومة بتصرفهالنا بعد وفاة بابا.
الست هدى حطت إيديها على بقها.
وقالت بصوت مهزوز
يا بلال...
لكنه مكملش لها فرصة.

وقال
وإنتِ قولتيلي... بلاش كل شوية تعمل مشاكل... لأن مصاريف المدرسة متأخرة.
الكلام وقع على قلبي زي الحجر.
مكنش طفل بيشتكي. كان طفل بيحاكم كل الكبار. افتكرت اجتماعات المدرسة. والكلام عن الرحمة وعن القيم وعن الأخلاق. وكل أولياء الأمور اللي كانوا بيسيبوا ولادهم هنا وهم مطمنين.
لكن بلال كان بيختفي قدام الكل ومحدش شافه.
الشرطة رفضت تخليني أروح مع القوة. لكن مقدرتش أقف أتفرج. اديت الضابط الورقة اللي كتبتها أم بلال، وقلتله على العنوان اللي قاله الطفل.
وفجأة رفعت واحدة من الأمهات إيديها.
كانت أم ياسين. وقالت بسرعة
أنا أعرف العمارة دي.
لف الضابط ناحيتها.
قالت
في شارع خالد بن الوليد... جنب الفرن البلدي.
وطلعت موبايلها.  وبعتت اللوكيشن في ثواني. عدنان كان سامع كل كلمة. وفجأة اختفت ابتسامته.
وقال بعصبية
إنتوا معندكوش إذن تفتيش.
بصله الضابط بثبات وقال
عندنا بلاغ باحتجاز سيدة... وطفل حياته في خطر.
وبعدين قال بحدة
ومتتحركش من مكانك.
لكن عدنان. جرى. لف يجري بكل قوته. ملحقش حتى يبعد آخر الشارع. جريوا وراه. ووقعوه على الأرض قدام المدرسة. وأول ما وقع الكيس الأسود اللي كان ماسكه اتفتح.
واتناثر كل اللي جواه. هدوم لطفل صغير. ولفة شريط لاصق. وزجاجة دوا منوم وكمان...
جوازي سفر. واحد باسم بلال. والتاني باسم أخوه الصغير يوسف.
ساعتها
فهمنا ليه كان مستميت ياخدهم معاه قبل ما الشرطة توصل.

المديرة وقعت على أقرب كرسي. كأن رجليها مبقتش شايلة جسمها. أما بلال فبصلي وسألني بصوت مكسور
كانوا هيودونا بعيد؟
اتجمدت. مكنتش قادرة أكذب عليه.
ابتسمتله بالعافية وقلت
لا يا حبيبي مش هيعرفوا يعملوا كده تاني.
مرت الدقايق وكأنها ساعات. دخلتنا المعلمة أمل مكتب الإدارة.
تم نسخ الرابط