بنتي وهي في المدرسة قالتلي يا ماما حكايات صابرين محمد
وجابت لبلال علبة عصير. لكنه مخدهاش. وحطها جنب اللانش بوكس وقال
هخليها لأخويا.
والله الكلمة دي وجعتني أكتر من كل دموعه.
مريم فتحت شنطتها. وطلعت آخر قطعة بسكويت كانت معاها. وقالت بابتسامة صغيرة
أنا معايا واحدة تانية.
وأنا عرفت إنها بتكدب.
لكن بلال معرفش. خدها منها بهدوء. الساعة كانت داخلة على ستة ونص. لما موبايلي رن. كان نفس الضابط. رديت بسرعة.
أيوة يا فندم؟
قال إحنا لقينا الأم... ولقينا الطفل الصغير.
سندت نفسي على المكتب.
وسألته وأنا خايفة أسمع الإجابة
عايشين؟
سكت ثانية وبعدين قال
أيوه.
دموعي نزلت فورًا.
لكن الضابط كمل
الطفل حالته حرجة... واتنقل المستشفى.
غمضت عيني وكل اللي في المكتب تنفسوا الصعداء.
أما بلال. فمبكاش وقع اللانش بوكس من إيده.
وغطى وشه بكفين صغيرين وهمس
يبقى ماما مسابتنيش.
ركعت قدامه ومسكت إيده.
وقلت
لأ يا بلال مامتك أنقذتك.
وكانت عارفة إنك هتقدر توصل رسالتها.
وخلال الساعات اللي بعدها بدأت الحقيقة تظهر...
حاجة ورا التانية أم بلال...
واسمها سعاد كانت أرملة.
وجوزها توفى من سنة.
وساب لها مبلغ بسيط من التأمين يكفي بالعافية إيجار الشقة وعلاج ابنها الصغير يوسف اللي كان بيعاني من مرض مزمن في الجهاز التنفسي.
عدنان. كان جوز أختها ولما سعاد تعبت بالتهاب رئوي شديد عرضت عليها أختها إنها تقعد عندها كام يوم لحد ما تخف.
وافقت من غير ما تعرف إنها داخلة سجن بإرادتها.
بالتدريج خدوا منها بطاقة البنك وبقوا يتحكموا في فلوسها كلها.
ويحاسبوها على الأكل وعلى الشرب وعلى علاج ابنها.
وكان عدنان كل يوم يهددها
لو بلغتي عني هقول إنك أم مهملة وهياخدوا منك العيال.
مكنش طمعان في ملايين .كان طمعان في معاش الطفلين.
وفي أي فلوس تنزل باسمهم بالنسبة لواحد
الطفل مجرد مصدر دخل ولما حالة يوسف بدأت تسوء، وسعاد أصرت توديه المستشفى...
حبسها وخد موبايلها وبعت بلال المدرسة بعد ما هدده.
وقال له
لو اتكلمت أخوك هيموت.
عشان كده بلال كان شايل اللانش بوكس كل يوم. وعشان كده كانت الرسالة مستخبية تحت البسكويت الناشف.
وعشان كده كتبت أمه على الصورة .متسبوناش.
وفي آخر الليلة أخدوا بلال مع أخصائية من حماية الطفل.
كانت بتشرحله كل خطوة بهدوء ووعدته إن أول ما الأطباء يسمحوا... هيكون أول واحد يشوف أمه.
رفضت مريم تسيب بلال يمشي، ومسكت إيده بكل قوتها كأنها لو سابتها هيرجع يضيع تاني، وبصتلي بعينيها اللي كانوا مليانين دموع وقالت بصوت كله رجاء
هو ينفع ييجي يعيش معانا يا ماما؟
بصيت للأخصائية الاجتماعية، كانت ست في منتصف الأربعينيات، ملامحها هادية لكن نظرتها فيها حزم يخليك تحس إنها شافت أطفال كتير مروا بنفس الوجع، فابتسمت لمريم ابتسامة صغيرة وقالت برفق
دلوقتي بلال لازم يروح معانا تحت رعاية حماية الطفل بشكل مؤقت، لحد ما التحقيقات تخلص والنيابة تتأكد إن المكان اللي هيرجعله آمن فعلًا، ومفيش أي خطر عليه.
وسكتت لحظة، قبل ما تبصلي وتكمل
لكن تقدري تسيبي بياناتك كشاهدة على اللي حصل... وكشخص داعم للأسرة لو احتاجوا أي حاجة بعد كده.
شخص داعم.
الجملة دي فضلت ترن في وداني طول الطريق، وفضلت أفكر فيها وأنا راجعة البيت، لأن لأول مرة أحس إن ساعات الإنسان ممكن ينقذ حياة حد من غير ما يكون قريب ليه، ولا يعرفه من سنين، كل اللي بينه وبينه إنه قرر يسمع طفل... بدل ما يطلب منه يسكت.
تاني يوم الصبح، وبعد ما اتبلغنا بميعاد استكمال الأقوال، كنت من أوائل الناس اللي وصلوا، ومعايا كل الفيديوهات اللي الأمهات صوروها، وصورة الرسالة اللي كانت مستخبية جوه اللانش بوكس،
وأنا سايقة، بصيت لبنتي وسألتها باستغراب
إزاي عرفتي كل الحاجات دي يا مريم؟
فضلت باصة من الشباك شوية، قبل ما تقول بهدوء
بلال عمره ما كان بيلعب في الفسحة... كان دايمًا يقعد لوحده ويحوش الأكل.
وسكتت ثواني، وبعدين كملت
ولما المدرسة طلبت مننا نرسم بيوتنا... هو رسم باب كبير عليه قفل.
حسيت حاجة بتوجعني جوايا.
فسألتني وهي لسه باصة للطريق
هو الكبار مشافوش ده ليه يا ماما؟
غمضت عيني لحظة، وقلت بصوت واطي
يمكن لأن ساعات الكبار بينشغلوا بالشغل والورق والالتزامات... وينسوا يبصوا في وشوش الأطفال.
هزت راسها بمنتهى البساطة وقالت
وده غلط.
ابتسمت بحزن.
أيوه... غلط.
قالت وهي ماسكة إيدي
يبقى متعمليهوش إنتِ.
والله... الجملة دي فضلت محفورة جوايا أكتر من أي شهادة اتقالت في التحقيق.
خلال الأيام اللي بعدها، المدرسة كلها بقت مقلوبة، وأولياء أمور كتير طالبوا بمحاسبة المديرة، بينما ناس تانية كان كل همها إن الموضوع يخلص بسرعة عشان سمعة المدرسة.
وفي واحد من الاجتماعات وقف ولي أمر وقال بضيق
إحنا ولادنا مالهمش دعوة بمشاكل العائلات.
قمت من مكاني، وبصيتله بهدوء وقلت
بلال كان واحد من ولاد المدرسة دي، وكان كل يوم بيقعد في نفس الفناء اللي أولادكم بيلعبوا فيه، ولو إحنا تجاهلناه النهارده، يبقى بكرة طفل تاني هيستغيث... ومحدش هيسمعه.
المرة دي محدش عرف يرد.
بل على العكس... أكتر من أم بدأت تسقف، والباقيين نزلوا راسهم في الأرض.
بعدها بيومين، قدمت المديرة استقالتها، لكن التحقيقات موقفتش، ومع مواجهة الأدلة، والفيديوهات، وأقوال المعلمات، اعترفت إنها كانت عارفة إن عدنان مش
كانت بتحاول تنقذ نفسها...
وفي المقابل، سابت طفل يضيع.
أما هالة... أخت سعاد، فاتقبض عليها بعد تلات أيام وهي بتحاول
تستخدم بطاقة أختها البنكية، ولما فتشوا الشقة لقوا أوراق رهن، ومستندات بتثبت محاولتهم نقل ملكية البيت، وكمان مسودة طلب بيجهزوها يثبت إن سعاد أم غير صالحة لرعاية أطفالها لأنها سابتهم.
وقفت أبص في الورقة وأنا مش مستوعبة.
إزاي واحدة محبوسة غصب عنها...
يتكتب عنها إنها هي اللي سابت ولادها؟
أما يوسف، أخو بلال الصغير، فربنا كتبله عمر جديد، وفضل في المستشفى تمانية أيام بين العلاج والملاحظة، وكان بيعاني من جفاف شديد، والتهاب حاد في الصدر، وكدمة قوية في راسه، والدكتور قال بمنتهى الوضوح
لو كانوا اتأخروا شوية كمان... كانت فرصته في النجاة هتكون ضعيفة جدًا.
وسعاد نفسها كانت محتاجة علاج، لكن أول ما سمحولها تشوف يوسف، رفضت تسيب سريره لحظة واحدة، كانت هزيلة، ووشها شاحب، وإيديها كلها آثار كدمات، وصوتها مبحوح من كتر الاستغاثة اللي محدش سمعها.
ولما جه اليوم اللي سمحوا فيه لبلال يدخل يشوفها...
جري عليها بكل قوته، لكنه قبل ما يوصلها وقف فجأة، كأنه خايف تكون مجرد حلم، ولو لمسها تختفي.
رفعت سعاد دراعاتها وهي بتبكي وقالت
تعالى يا حبيبي...
وساعتها بس...
جري وارتمى في حضنها.
والصوت اللي خرج منه في اللحظة دي...
مكنش عياط.
كان صوت طفل رجع أخيرًا للمكان الوحيد اللي كان بيحس فيه إنه آمن.
كانت مريم واقفة جنبي، وفي إيديها رسمة صغيرة، أربعة أشخاص واقفين تحت شجرة كبيرة، ولكل واحد فيهم ظل مرسوم على الأرض.
همستلي
أديهاله؟
ابتسمت وربت
أديهاله.
راحِت لبلال، وناولته الرسمة، فضل يبصلها شوية، وبعدها أشار لنفسه وقال باستغراب
ده أنا؟
هزت مريم راسها وهي مبتسمة.
أيوه.
وبعدين حطت صباعها على الظل المرسوم تحت رجليه وقالت
وده... ظل بيتك.
أول ما سعاد سمعت الجملة...
انهارت في العياط.
وأنا...
لأول مرة من بداية الحكاية...
حسيت إن بلال فعلًا بقى عنده ظل.